خلف أضاحي العيد .. رحلة الشقاء المنسية لرحل المغرب العميق

Écrit par

dans

سعيد مطيع

حين يشتكي البعض من غلاء الأضاحي وارتفاع أسعار اللحوم، فإن كثير منهم لا يدركون حجم المعاناة اليومية التي يعيشها الراعي والكساب الصغير في مجالات الانتجاع بالجنوب الشرقي المغربي وببلادنا ككل. فالمستهلك يرى الأضحية معروضة في السوق جاهزة للشراء، لكنه لا يرى المسار الطويل والشاق الذي قطعته وسط الجفاف والثلوج والحرارة والعطش والأمراض والمخاطر حتى تصل إليه. ولا يرى أيضا ذلك الراعي الذي أفنى عمره بين الجبال والهضاب والسهوب، متنقل مع قطيعه بحث عن الكلأ والماء، صابر على الجوع والبرد والعزلة والحرمان، فقط ليؤمن للمغاربة لحم وشحم وسمن وقطيع يحفظ جزء من الأمن الغذائي الوطني.

لقد أصبح الرعي اليوم من أكثر المهن قساوة وهشاشة رغم أهميتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فالكساب الصغير والرحل يعيشون داخل حلقة مفرغة من المديونية بسبب الارتفاع المتواصل لأسعار الأعلاف والأدوية البيطرية والمحروقات ومصاريف التنقل بين مجالات الانتجاع. فالجفاف المتكرر والتغيرات المناخية الحادة دفعت بالرحل إلى قطع مسافات طويلة نحو فكيك وبوعرفة وسوس والأقاليم الجنوبية بحث عن مراعٍ لم تعد قادرة بدورها على استيعاب هذا الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية. وهكذا يتحول الانتجاع من نظام بيئي واجتماعي متوازن إلى رحلة يومية محفوفة بالمخاطر والصراعات والتكاليف الباهظة.

ولا يمكن إنكار المجهودات التي تقوم بها الدولة لدعم الكسابين من خلال برامج الأعلاف أو دعم بعض السلالات أو حملات التلقيح والمواكبة البيطرية، غير أن هذه التدخلات تبقى غير كافية أمام حجم التحولات المناخية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجال الرعوي. فالدعم الظرفي لا يستطيع وحده مواجهة سنوات متتالية من الجفاف، ولا يعوض الخسائر التي يتكبدها الراعي بسبب نفوق الماشية أو ارتفاع أسعار العلف أو تراجع المراعي الطبيعية. كما أن الكساب الصغير يظل الحلقة الأضعف داخل هذه المنظومة، لأنه لا يملك احتياطات مالية ولا إمكانيات لوجستية تمكنه من الصمود الطويل.

وفي عمق هذه الأزمة تظهر تحولات اجتماعية خطيرة تهدد مستقبل المهنة نفسها. فأبناء الرحل والكسابة الصغار لم يعودوا يرون في الرعي أفق للحياة والاستقرار، بعدما عاينوا قساوة العيش وهشاشة الدخل وغياب الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وماء وكهرباء وتغطية هاتفية. لذلك اتجه كثير منهم خلال العقود الأخيرة نحو مهن البناء والسياقة والأعمال الهامشية بالمدن، أو اختاروا الهجرة السرية بحث عن موارد جديدة وعن حياة أقل قسوة. وهذا النزيف البشري المتواصل يدق ناقوس الخطر حول مستقبل الرعي التقليدي بالمغرب وحول استمرارية المعرفة البيئية والاجتماعية المرتبطة به.

فالرعي ليس مجرد نشاط اقتصادي عابر، بل هو جزء من تاريخ المغرب العميق ومن توازناته المجالية والبيئية. والرحل كانوا دائمًا حماة لمجالات واسعة وصعبة، حافظوا على دورة اقتصادية كاملة مرتبطة بالماشية والأسواق واللحوم والصوف والجلود والتنقل التجاري. لكن تراجع أعداد الرحل والكسابين الصغار، كما تشير إلى ذلك التحولات الديمغرافية والاجتماعية الحديثة، ينذر بدخول المغرب مستقبل في تبعية متزايدة للاستيراد من أجل تأمين حاجياته من اللحوم والأضاحي، وهو ما يطرح أسئلة استراتيجية حول الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية.

إن النقاش حول غلاء الأضاحي لا ينبغي أن يختزل فقط في منطق السوق والأسعار، بل يجب أن يتحول إلى نقاش مجتمعي حول أوضاع العالم القروي والرعوي وحول العدالة المجالية وحول قيمة الإنسان الذي يعيش في الهامش ليؤمن الغذاء لباقي المجتمع. فالراعي الذي يقضي ليالي الشتاء وسط الثلوج، أو يقطع الصحارى خلف قطيعه في عز الحرارة، لا ينتظر الشفقة بقدر ما يحتاج إلى اعتراف حقيقي بدوره، وسياسات عادلة تحفظ كرامته وتضمن استمرارية مهنة شكلت عبر قرون أحد أعمدة الاقتصاد والمجتمع بالمغرب.

إقرأ الخبر من مصدره