الدكتور عبدالقادر الحافظ بريهما
على هامش زيارة السيد محمد سالم ولد مرزوك، وزير الشؤون الخارجية والتعاون والموريتانيين بالخارج بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، إلى العاصمة المغربية الرباط، والتي حمل خلالها رسالة خطية إلى جلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أخيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، عاد الحديث بقوة عن متانة العلاقات المغربية الموريتانية وآفاق تطويرها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي تجعل من التنسيق بين الرباط ونواكشوط ضرورة استراتيجية تخدم استقرار المنطقة ومصالح شعوبها.
لقد أثبتت العلاقات السياسية بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية أنها علاقات راسخة تقوم على الاحترام المتبادل وروابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، وهو ما تجسد في اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الموريتاني. كما أن المرحلة الحالية تفرض على البلدين الرفع من مستوى التنسيق السياسي والدبلوماسي، خاصة في القضايا الإقليمية الكبرى وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، بما يفتح الباب أمام خطوات أكثر جرأة في المستقبل، من ضمنها تجميد الاعتراف بما يسمى بالبوليساريو، انسجاما مع التحولات الدولية والإفريقية المتزايدة الداعمة للوحدة الترابية للمملكة.
وتبرز أهمية وجود جار مستقر سياسيا وآمن ومتعاون مثل موريتانيا بالنسبة للمغرب، كما تبرز كذلك أهمية المغرب بالنسبة لموريتانيا كشريك موثوق وقوة إقليمية داعمة للاستقرار والتنمية. فالتجارب أثبتت أن منطق الدولة والمؤسسات والتعاون المشترك أكثر نجاعة من منطق المليشيات والانفصال والمغامرات العسكرية التي تغذيها أطراف إقليمية معروفة. كما أن عددا من الممارسات والخطابات الصادرة عن عناصر محسوبة على البوليساريو كشفت، عبر السنوات، عن نظرة دونية تجاه الأشقاء الموريتانيين، مستمدة من إرث ثقيل من التوترات السياسية والاجتماعية، وهو ما يظهر حتى في بعض الأوصاف القدحية التي يتم تداولها مثل لفظ “لكريعات”، في إساءة غير مقبولة لشعب موريتانيا الشقيق، الأمر الذي يعكس التناقض بين خطاب الشعارات والممارسات الواقعية داخل اوساط البوليساريو العنصرية.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن البلدين يتوفران على إمكانيات هائلة لبناء شراكة استراتيجية حقيقية قادرة على تحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي وتجاري واعد. فالمملكة المغربية تمتلك تجربة متقدمة في مجالات الصناعة والبنية التحتية والخدمات، بينما تشكل موريتانيا بوابة مهمة نحو العمق الإفريقي بما تزخر به من ثروات بحرية ومعدنية ومجالات استثمارية متنوعة، وهو ما يجعل التكامل الاقتصادي بين البلدين خيارا واقعيا يخدم التنمية المشتركة ويخلق فرصا واعدة للشباب والمستثمرين.
ويظل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، المار عبر الأراضي الموريتانية، واحدا من أبرز المشاريع الاستراتيجية التي ستغير وجه المنطقة اقتصاديا وجيوسياسيا، باعتباره مشروعا قاريا ضخما سيمكن من تعزيز الأمن الطاقي وخلق فرص اقتصادية واستثمارية واسعة، فضلا عن دوره في ربط دول غرب إفريقيا بشبكة اقتصادية متكاملة. كما أن انخراط موريتانيا في هذا المشروع يعكس حجم الثقة المتبادلة والرغبة المشتركة في بناء فضاء تنموي إفريقي مستقر ومندمج.
كما تعرف العلاقات الاجتماعية بين الشعبين المغربي والموريتاني امتدادا تاريخيا عميقا يتجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية، حيث تجمع الحواضن الإجتماعية والأسر والعائلات روابط المصاهرة والقبيلة واللغة واللباس والعادات المشتركة، خاصة في الأقاليم الجنوبية للمملكة. وتبرز هنا أهمية الحواضن الاجتماعية والقبلية التي شكلت عبر عقود جسورا إنسانية ساهمت في الحفاظ على استقرار العلاقات وتقوية روح الأخوة والتضامن بين الشعبين.
وتعد الجالية الموريتانية بالمغرب نموذجا ناجحا للتعايش والانفتاح، إذ توجد أعداد كبيرة ونوعية من الموريتانيين بالأقاليم الصحراوية المغربية، إلى جانب مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط وبمختلف المدن المغربية، حيث يشتغلون ويدرسون ويستثمرون في ظروف إيجابية تعكس عمق الروابط الإنسانية بين البلدين. كما أن هذه الجالية تشكل جسرا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا مهما يساهم في التقارب بين المجتمعين المغربي والموريتاني.
أما على المستوى الثقافي والديني، فإن المغرب وموريتانيا يتقاسمان إرثا حضاريا وروحيا مشتركا قائما على المرجعية الإسلامية السنية والتصوف المعتدل، وخاصة التوجه التجاني الذي شكل عبر التاريخ رابطا روحيا واجتماعيا بين شعوب المنطقة. وقد ساهم العلماء والزوايا والطرق الصوفية في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح والوحدة، وهو ما يمنح للعلاقات المغربية الموريتانية بعدا حضاريا يتجاوز المصالح الظرفية نحو شراكة إنسانية وثقافية عميقة.
وفي سياق تعزيز العلاقات الثنائية، تبرز أهمية تشجيع الاستثمار المتبادل من خلال تنظيم زيارات متبادلة بين المؤسسات والهيئات الاقتصادية والاستثمارية في البلدين، بما يسمح بخلق شراكات جديدة في مجالات الصيد البحري والفلاحة والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية. كما أن فتح قنصلية لموريتانيا بمدينة العيون، عاصمة الأقاليم الصحراوية، من شأنه أن يشكل خطوة سياسية ودبلوماسية قوية تعكس مستوى الثقة المتبادلة وتكرس الانفتاح على آفاق جديدة من التعاون.
ويبقى ملف الحدود والمعابر، وخاصة معبر الكركرات، إلى جانب المعابر الأخرى وعلى رأسها المعبر الاستراتيجي بير أم گرين، من الملفات الحيوية التي تتطلب المزيد من التنسيق والتعاون المشترك بين الرباط ونواكشوط، نظرا لدورها المحوري في تنشيط المبادلات التجارية وربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، فضلا عن مساهمتها في تأمين حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز الاستقرار الأمني بالمنطقة. كما أن تطوير هذه المعابر وتحديث بنياتها التحتية سيمكن من خلق دينامية اقتصادية وتجارية جديدة، ويحول المناطق الحدودية إلى فضاءات للتنمية والاستثمار والتبادل الإنساني، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ويعزز التكامل الاقتصادي بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، ويكرس موقعهما كبوابتين استراتيجيتين نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة، تبدو العلاقات المغربية الموريتانية اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، القائمة على المصالح المشتركة ووحدة الرؤية تجاه مستقبل المنطقة. فتعميق التنسيق السياسي، وتوسيع مجالات الاستثمار، وتسريع مشاريع الربط الطرقي والطاقي، وتطوير المعابر الحدودية، وتعزيز التبادل الثقافي والعلمي، كلها خطوات كفيلة ببناء فضاء مغاربي وإفريقي أكثر استقرارا وازدهارا. كما أن المرحلة تقتضي إحداث آليات دائمة للحوار بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والثقافيين بالبلدين، وتشجيع المبادرات المشتركة التي تجعل من الرباط ونواكشوط قطبين للتكامل جنوب–جنوب. وبين حكمة القيادتين وعمق الروابط الشعبية والتاريخية، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذه العلاقة المميزة إلى نموذج إقليمي ناجح يبرهن أن منطق الأخوة والتنمية والتكامل أقوى من مشاريع التفرقة والانفصال والمغامرات العابرة.