الأحداث بقلم محمد اعويفية
أغاني الراب ليست مجرد موسيقى صاخبة للترفيه أو استعراض المهارات اللغوية المتناسقة والمتناغمة ، بل جاءت كرد فعل ثوري متمرد، وصوت احتجاج، ولغة بديلة لمن حرموا بشكل أو بآخر من التعبير عن واقع مؤلم يعيشونه. الراب ولد في الهامش، ونشأ في الأحياء المنسية ، حيث يقاس كل شيء بالقهر والقسوة ، ويصبح الكلام كآخر سلاح للجياع و الفقراء في مواجهة هذه القسوة ومن يمارسها عليه بقصد أو بدونه.
الثورية في هذا النوع من الموسيقى لا تتجلى فقط في الكلمات القوية الصادمة المخلة بما تعارف عليه “بالادب “في بعض الأحيان أو النبرة الغاضبة، بل في كسر كل القوالب المحترمة المؤذبة الجاهزة، ورفض الصمت المفروض. هي موسيقى اثبات الوجود ومقاومة التهميش لذلك كان الراب عند لكناوي بذات ، منذ بداياته، لسانا ناطقا بمعاناة الشباب المهمش، وكل من وجد نفسه خارج الحسابات السياسية والسياسيين ولنا في أغني “ولد عتيقة” و”عرفتي يامي” والأغنية الجميلة الرعب AMAN RO3B خير مثال .
في أغاني لگناوي تتحول المعاناة اليومية إلى خطاب سياسي مباشر ، ينطلق من الشارع والصراعات اليومية مع الفقر، مع قمع السلطة ، مع البطالة،و عنف السياسة ، و فساد النخب… كلها مواضيع التي لا تقال في الخطب الرسمية، لكن لگناوي يجعلها تصرخ في كل المقاطع الموسيقية التي يتغنى بها . هذا الرابور لا يجمل الواقع، بل يفضحه، بلا إذن، يقتحم كل المساحات الممنوعة اقتحاما ويتجاوز كل الخطوط عنوة بلا رهبة أو خوف.
الثورية في أغاني الراب عموما ليست طابعا خاصا أو شيء ثابت أو مضمون دائما. فكما أنتج هذا الفن أصواتا يمكن اعتبارها ثائرة و مناضلة، أنتج أيضا نسخا ضخمة تافهة مفرغة من أي معنى سوى الضجيج والتلوث الصوتي، وتحويل الغضب إلى بضاعة للاستهلاك والترويح عن النفس .
الثورية عموما موقف قبل أن تكون أسلوبا، ووعيا قبل أن تكون إيقاعا موسيقيا .مع الگناوي اكتسب الراب المغربي بعدا إضافيا. فقد أصبح متنفسا لجيل ضائع محبط من السياسة ، فاقد للثقة في الأحزاب، مقصى من مخططات التنمية . أغاني الراب عنده لا تعارض فقط السياسة المنتهجة ، بل تفضح أيضا نفاق المجتمع، وسلطة الأعراف و التقاليد. إنها ثورة موسيقية ولغوية قبل أن تكون ثورة في الشارع،وهو ليس بالضرورة دعوة صريحة ومباشرة للاحتجاج، لكنه يزرع الشك، ويكسر الصمت الزائف، ويربك . قوته تكمن في كونه فنا لا يدعي الطهر و النقاء، ولا يعترف بربطات العنق ولا يتحدث بتنمق، بل من قلب الفوضى والبساطة هذه ميزته و خطورته: لأنه يذكر بأن الغضب موجود، وأن الصوت، مهما حوصر، سيجد دائما إيقاعا ليخرج.
تبقى الثورية عموما في أغاني الراب موقفا و شهادة عصر جديد من التعبير الحر ، ومرآة عاكسة لجروح خامدة مثل البركان.
هيئة التحرير24 مايو، 2026
إقرأ الخبر من مصدره