حين تصطدم النظرية بحرارة الواقع

Écrit par

dans

عبد الحق بلفقيه *

يمكن التمييز بين الباحث أو الأستاذ الجامعي أو المنظّر الدستوري، وبين القاضي الدستوري الممارس، من خلال طبيعة الوظيفة التي يضطلع بها كلٌّ منهما، وكذا من خلال طبيعة علاقتهما بالنصوص والمبادئ الدستورية وبالواقع السياسي والمؤسساتي المتحول.

فالمنظّر أو الباحث في القانون الدستوري يُفترض فيه أن يكون حارسًا للمبادئ الدستورية ومهندسًا للنظريات والأسس الحاكمة لها، إذ تتمثل وظيفته الجوهرية في بناء المعايير وصياغة النماذج المثالية التي يُفترض أن تؤطر الممارسة السياسية والمؤسساتية. ومن ثمّ، فهو يشتغل داخل فضاء فكري تجريدي، تتقدّم فيه أولوية نقاء الفكرة وانسجام المعيار وتماسك البناء النظري. وتُعدّ نظرية «النظرية الخالصة للقانون» مثالًا بارزًا على هذا التوجّه التجريدي، إذ سعت إلى تأسيس علم قانوني “خالص” ومنفصل عن الاعتبارات السياسية والأخلاقية والدينية والاجتماعية، بما يجعل القانون يُدرس بوصفه نسقًا معياريًا مستقلًا قائمًا بذاته. ولذلك، فإنه يُعنى بمحاكمة الوقائع والأفعال على ضوء المبادئ، لا بمساومتها أو التكيّف معها. ومن هنا، لا يُنتظر منه – من الناحية النظرية – أن يتنازل عن مقتضيات النموذج الدستوري الذي يدافع عنه، لأنه، وهو محاط بكتبه وأوراقه البحثية داخل مكتبه الهادئ، لا يتحرك تحت ضغط إكراهات الواقع السياسي أو حرارة التوازنات المؤسساتية، بل داخل أفق المثال الدستوري الخالص. فوظيفته الأساسية هي الحفاظ على “النقاء المعياري” للنظرية الدستورية، حتى تبقى المبادئ حيّة، ويظل المعيار واضحًا ومرجعيًا وموجّهًا للممارسة.

أما القاضي الدستوري الممارس، فواقعه مختلف، حتى وإن كان قبل تقلده لمهامه أستاذًا أو باحثًا مشبعًا بالتصورات النظرية ذاتها؛ ذلك أن انتقاله إلى موقع القضاء الدستوري، أي إلى واقع الممارسة، يغيّر طبيعة المعادلة التي يتحرك داخلها. فهو يصبح فاعلًا مؤسساتيًا يشتغل ضمن سياقات سياسية ومؤسساتية واجتماعية معقدة، ويتعامل مع وقائع متغيرة وتوازنات دقيقة، وأحيانًا ضاغطة، تفرض عليه في كثير من الأحيان أن يشتغل بمنطق الممكن لا بمنطق المثال النظري الخالص. ولذلك، فإن وظيفته لا تتمثل في إنتاج المبادئ في صورتها المجردة، وإنما في محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن منها ضمن شروط المرحلة والسياق والإمكان، وفي ظل علاقات قوى وفواعل متعددة ومتداخلة.

ومن ثم، فإن القاضي الدستوري، باعتباره فاعلًا ممارسًا داخل حقل النظرية الدستورية، لا يُقاس فقط بمدى وفائه النظري للمبدأ، وإنما أيضًا بقدرته على تنزيله تدريجيًا داخل الواقع دون إحداث اختلالات قد تمس استقرار النظام الدستوري أو توازن المؤسسات. ولهذا، فإن اجتهاده قد يتخذ أحيانًا طابعًا تأسيسيًا، سواء من خلال “القرارات المؤسسة إيجابيًا” التي توسّع من مضمون الحقوق والمبادئ الدستورية وتدفع نحو تطويرها، أو من خلال “القرارات المؤسسة سلبيًا” التي تضع حدودًا وضوابط للممارسة السياسية والتشريعية بما يحفظ التوازن الدستوري العام.

وعليه، يمكن القول إن الباحث أو الأستاذ أو المنظّر الدستوري يطمح – من حيث المبدأ – إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام الكامل بين المبادئ الدستورية والواقع، لأنه يشتغل بمنطق المثال والمعيار، بينما قد لا يستطيع القاضي الدستوري الممارس سوى تحقيق نسبة متفاوتة من هذا المثال، قد تتقدم أو تتراجع بحسب طبيعة المرحلة والسياق والتوازنات القائمة. غير أن هذه النسبة المتغيرة لا تعني بالضرورة فشلًا أو تنازلًا سلبيًا عن المبادئ، بل قد تعبّر عن محاولة واقعية لتوسيع دائرة الدستورية داخل حدود الممكن السياسي والمؤسساتي.

وهنا يمكن القول إن القاضي الدستوري يشتغل في منطقةٍ وسطى دقيقة، تقع بين المثال الدستوري ومنطق الممكن، وبين حدود المثالي وإكراهات الممارسة، وبين سلطان المعيار النظري وحدود الواقع السياسي والمؤسساتي. فإذا كان المنظّر أو الباحث أو الأستاذ الدستوري يقوم بتصميم الفكرة الدستورية وحراسة نقائها المعياري، فإن القاضي الدستوري يجد نفسه مطالبًا بـ“مفاوضة الواقع” أكثر من الاكتفاء بترديد المثال. فهو ينتقل من عالم الفكرة المجردة إلى تعقيد الممارسة، ومن المثال الدستوري الخالص إلى الواقعية القضائية التي تفرضها توازنات المؤسسات وإكراهات السياق.

ومن هنا، فإن جوهر وظيفة القاضي الدستوري لا يكمن فقط في الوفاء الحرفي للنظرية، بل في قدرته على تحقيق نوع من التوفيق الدقيق بين نقاء المعيار وإكراه الواقع، وبين وفاء النظرية وحدود الممكن السياسي. فنجاح القاضي الدستوري لا يُقاس فقط بمدى تشبثه بالمبدأ في صورته المثالية، وإنما أيضًا بقدرته على حماية الفكرة الدستورية وتطويرها تدريجيًا داخل واقع متغير، دون التفريط في جوهرها أو الاصطدام بما قد يهدد استقرار النظام الدستوري وتوازن المؤسسات.

وبذلك، فالعلاقة بين المنظّر الدستوري والقاضي الدستوري ليست علاقة تعارض أو تناقض، بل علاقة تكامل وظيفي ومعرفي: فالأول يحافظ على نقاء الفكرة الدستورية ويؤسس أفقها المعياري، بينما يسعى الثاني إلى ترجمتها تدريجيًا داخل الواقع، وفق ما تسمح به شروط الممارسة وحدود الممكن.

* أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

إقرأ الخبر من مصدره