
عبدالاله الرضواني
حين يتحول طبيب إلى دجال غذائي
ما يحدث اليوم مع ما يسمى بـنظام الطيبات، وليس له من الطيبات الا الاسم، لم يعد مجرد موضة غذائية غريبة أو اجتهاد شخصي قابل للنقاش، بل تحول إلى ظاهرة خطيرة تهدد الصحة العامة بشكل مباشر. نحن أمام خطاب يلبس لباس الحقيقة العلمية المخفية، بينما هو في الواقع خليط من الجهل العلمي، والتناقضات الصارخة، والاستغلال النفسي للمرضى واليائسين.
يقوم هذا النظام على فكرة عبثية مفادها أن أغلب الأطعمة الأساسية التي يستهلكها البشر منذ قرون أصبحت سموماً يجب التخلص منها. فيمنع أتباعه من استهلاك الدجاج، والبيض، والحليب ومشتقاته، بل وحتى الخضر، بحجة أن الخضر لا تُهضم جيداً وأنها تتلف الأمعاء. ادعاءات تصطدم بشكل مباشر مع عشرات الدراسات السريرية والأبحاث الحديثة في التغذية، التي تؤكد الدور الأساسي للخضر والفواكه والألياف الغذائية في الوقاية من أمراض القلب، والسكري، واضطرابات الجهاز الهضمي، وحتى بعض أنواع السرطان. العالم كله اليوم يتحدث عن أهمية الألياف الغذائية ودورها في تحسين صحة الميكروبيوم المعوي (مجموع الكائنات المجهرية التي تعيش في الأمعاء الغليضة) وتنظيم السكر في الدم وتقليل الالتهابات، بينما يأتي هذا النظام ليقنع الناس بأن السلطة والخضر خطر على الإنسان!
لكن المفارقة المضحكة، والمبكية في نفس الوقت، أن هذا النظام، الذي يشن حرباً على البيض والخضر والحليب، يسمح في المقابل باستهلاك النوتيلا، والمربى، والسكر، والعصائر التجارية المليئة بالسكر المضاف والمواد المصنعة. أي منطق هذا؟ كيف أصبحت الخضر خبائث، بينما تحولت المنتجات فائقة التصنيع والغنية بالسكر إلى طيبات؟ إنه تناقض يكشف بوضوح أن الأمر لا يتعلق بعلم أو تغذية أو صحة، بل بخطاب شعبوي عاطفي قائم على الصدمة والإثارة ونظريات المؤامرة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
صحيح أن بعض الأشخاص يصرحون بأنهم شعروا بتحسن بعد اتباع هذا النظام، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن النظام صحيح علمياً أو صحي على المدى البعيد. ففي كثير من الحالات، قد يكون الأمر مجرد تأثير الدواء الوهمي (ِEffect Placebo)، وهي ظاهرة معروفة علمياً تجعل الإنسان يشعر بتحسن لأنه مقتنع بأنه وجد العلاج المعجزة. وفي حالات أخرى، قد يكون التحسن حقيقياً لكنه ببساطة ناتج عن استبعاد بعض الأطعمة التي كانت تؤجج أعراضاً معينة لدى بعض الأشخاص، مثل بعض اضطرابات الجهاز الهضمي أو حالات عدم التحمل الغذائي.
والأكثر إثارة للسخرية هو الكم الهائل من القصص المعجزاتية التي انتشرت حول هذا النظام على مواقع التواصل الاجتماعي. فجأة تجد شخصاً يقول إنه كان يعاني من عرق النسا، والقولون العصبي، وارتجاع المريء، وآلام المفاصل، والصدفية، والسكري، وربما الاكتئاب والأرق وتساقط الشعر أيضاً، وإنه زار عشرات الأطباء لسنوات طويلة دون أي فائدة، وتناول أدوية لا حصر لها بلا نتيجة… ثم، وبقدرة نظام الطيبات الخارقة، اختفت كل هذه الأمراض في أقل من أسبوع، وأصبح إنساناً جديداً. بعض الشهادات بلغت مستوى من المبالغة يكاد يحول الموضوع إلى كوميديا سوداء. فهناك من يتحدث وكأنه اكتشف إكسير الشباب، مدعياً أنه عاد عشرين سنة إلى الوراء، أو أن بشرته أصبحت متوهجة، وطاقته لا تنتهي، وذاكرته خارقة، وحياته انقلبت رأساً على عقب بعد أيام قليلة فقط من اتباع النظام.
المشكلة أن هذه القصص تُقدَّم للناس وكأنها أدلة علمية، بينما هي في الحقيقة مجرد شهادات فردية عاطفية لا تملك أي قيمة علمية حقيقية. فالتحسن المؤقت، أو التغير النفسي، أو تأثير الحماس الجماعي، أو حتى التقلب الطبيعي لبعض الأمراض المزمنة، كلها أمور معروفة طبياً ويمكن أن تجعل الشخص يعتقد أنه شُفي، خصوصاً عندما يكون مقتنعاً مسبقاً بأنه وجد الحل السحري الذي أخفاه العلماء.
ولو كانت القصص الشخصية دليلاً علمياً حقيقياً، لكان علينا أن نصدق كل من يدعي أنه شفي بالحجامة، أو بالطاقة، أو بالأحجار، أو بأي خرافة أخرى تجد دائماً من يقسم أنها غيّرت حياته. لكن الطب لا يُبنى على الانبهار والقصص المؤثرة، بل على الدراسات المحكمة، والتجارب السريرية، والنتائج القابلة للتكرار.
غير أن تحويل هذه الحالات الفردية إلى نظرية صحية شاملة هو قفزة خطيرة وغير علمية. لأن الحل لا يكون بتدمير التوازن الغذائي وإقصاء مجموعات غذائية أساسية بالكامل، مثل الخضر، والحليب ومشتقاته، والبيض، وغيرها من الأغذية الغنية بالبروتينات، والفيتامينات، والمعادن، والألياف. فمثل هذه الحميات الإقصائية قد تؤدي مع الوقت إلى نقص غذائي خطير واضطرابات أكثر تعقيداً من المشكلة الأصلية نفسها.
وبحكم عملي أستاذاً باحثاً في علوم الطب الحيوي، واشتغالي منذ سنوات على أمراض الأيض مثل السكري، والسمنة، ومرض الكبد الدهني، فقد أثارت انتباهي منذ البداية الأخطاء العلمية الكثيرة التي كان يروج لها المرحوم الدكتور ضياء العوضي. لم تكن مجرد اختلافات بسيطة في الرأي أو اجتهادات قابلة للنقاش، بل أحياناً ادعاءات تناقض بشكل مباشر أبسط المبادئ المعروفة في علم وظائف الأعضاء والاستقلاب.
من بين أكثر الأمثلة إثارة للصدمة ادعاؤه أن حقن الغلوكوز عبر الوريد لا يرفع مستوى السكر والأنسولين في الدم مقارنة بتناول السكر عن طريق الفم. وهو ادعاء لا أساس له من الصحة علمياً، بل يتعارض مع عقود طويلة من الأبحاث والدراسات السريرية في مجال السكري والاستقلاب. والأدهى أنني لم أحتج سوى بضع دقائق فقط للعثور على عدد كبير من الدراسات العلمية المنشورة التي تدحض هذا الكلام بشكل واضح وصريح.
فارتفاع السكر في الدم بعد الحقن الوريدي للغلوكوز حقيقة بيولوجية أساسية تُدرَّس لطلبة الطب، بل إن اختبار تحمل الغلوكوز الوريدي (Test de tolérance au glucose par voie intraveineuse) يُستخدم منذ عقود في الأبحاث الطبية لدراسة إفراز الأنسولين ووظيفة خلايا البنكرياس. صحيح أن تناول السكر عن طريق الفم يؤدي عادة إلى إفراز أنسولين أكبر بسبب ما يعرف بتأثير الإنكريتينات (Incretin effect)، هرمونات تنتجها خلايا الأمعاء استجابة للاكل وتحفز انتاج الانسولين، لكن هذا لا يعني إطلاقاً أن الغلوكوز الوريدي لا يرفع السكر أو الأنسولين في الدم، كما تم الترويج له بشكل مضلل.
المؤسف أن كثيراً من الناس يصدقون مثل هذه الادعاءات فقط لأن شخصاً يتحدث بثقة أمام الكاميرا قالها، دون الرجوع إلى المصادر العلمية أو أهل الاختصاص. والأسوأ أنني سمعت بعض أتباع هذا الخطاب يرددون هذه المعلومات الخاطئة على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها حقائق علمية مطلقة، وهو ما يعكس حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عندما تتحول الثقة العمياء إلى بديل عن العلم والمعرفة.
الأخطر من ذلك كله أن صاحب هذا النظام، الراحل الدكتور ضياء العوضي، لم يكن مختصاً في التغذية أصلاً، بل طبيب تخدير وإنعاش. وهو تخصص محترم ومهم، لكنه لا يمنح صاحبه سلطة علمية لإعادة كتابة علم التغذية أو نسف عقود من الأبحاث السريرية والتوصيات الصادرة عن أكبر الهيئات الصحية في العالم.
لكن الكارثة الحقيقية لم تكن فقط في الترويج لحمية غير متوازنة، بل في الخطاب المعادي للطب نفسه. ففي فيديوهات كثيرة، أنكر الدكتور العوضي وجود أمراض معروفة علمياً مثل السرطان، والسكري، والفشل الكلوي، واعتبرها مجرد أعراض أو أوهام ناتجة عن أسلوب الحياة والغذاء. الأخطر أن عدداً كبيراً من أتباعه أعادوا تكرار نفس الكلام على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنهم يرددون عقيدة مقدسة لا تقبل النقاش.
بل وصل الأمر ببعضهم إلى إعطاء نصائح لمرضى السكري من النوع الأول بالتوقف عن استعمال الأنسولين. وهذه ليست نصيحة غذائية يمكن الاختلاف حولها، بل حكم بالإعدام على هؤلاء المرضى. لأن مريض السكري من النوع الأول لا يستطيع العيش دون أنسولين، والتوقف عنه قد يؤدي خلال ساعات أو أيام إلى الحماض الكيتوني السكري، ثم الغيبوبة، ثم الوفاة.
وقد خرجت بالفعل شهادات عديدة لأطباء مستعجلات وعناية مركزة في مصر تحدثوا فيها عن حالات غيبوبة ومضاعفات خطيرة ووفيات مرتبطة بتوقف بعض المرضى عن تناول أدويتهم تحت تأثير هذا الخطاب العبثي. وهنا لا يعود الأمر مجرد حرية رأي، بل يتحول إلى تهديد مباشر لحياة البشر.
لقد نجح الدكتور العوضي في بناء جزء كبير من شعبيته عبر استغلال عقلية المؤامرة المنتشرة في مجتمعاتنا. فقد أقنع كثيرين بأن الطب الحديث كذبة، وأن شركات الأدوية تتآمر على البشر، وأن الأطباء والعلماء يخفون الحقيقة عن الناس. وهذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ فهي السلاح المفضل لكل مروجي العلوم الزائفة عبر العالم، لأن نظرية المؤامرة تمنح الإنسان شعوراً زائفاً بأنه من القلة المستيقظة التي اكتشفت الحقيقة المخفية.
والمفارقة المؤلمة أن الدكتور العوضي نفسه انتهى إلى مواجهة مشاكل مهنية وقانونية خطيرة بسبب أفكاره وممارساته المناقضة للطب والعلم. فقد تم تجريده من رخصة مزاولة مهنة الطب وتشميع عيادته، وهي خطوة ليست بالأمر الهيّن أبداً في أي نظام طبي أو قانوني. فتجريد طبيب من حق ممارسة المهنة لا يحدث بسبب اختلاف بسيط في الرأي، بل عندما تعتبر الجهات المختصة أن ممارساته تشكل خطراً على المرضى وعلى أخلاقيات المهنة.
كما أن حالته الصحية ومظهره الجسدي في سنواته الأخيرة أثارا الكثير من التساؤلات، وكان واضحاً من شحوب وجهه ووضعه الصحي المتدهور أن الصورة المثالية التي كان يسوقها عن نظامه الغذائي لم تكن تنعكس حتى على صاحبه.
إن أخطر ما أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط انتشار المعلومات الزائفة، بل خلق وهماً خطيراً مفاده أن سنوات البحث العلمي والخبرة الطبية يمكن اختصارها في فيديوهات قصيرة مليئة بالصراخ ونظريات المؤامرة.
نعم، التغذية الحديثة فيها مشاكل، والصناعات الغذائية تتحمل جزءاً من مسؤولية انتشار السمنة والأمراض المزمنة، لكن مواجهة هذه المشاكل لا تكون بالقفز من العلم إلى الخرافة، ولا باستبدال أخصائي التغذية ببائع الوهم.
إن الفرق بين العلم والدجل بسيط جداً: العلم يراجع نفسه عندما يخطئ… أما الدجل فلا يخطئ أبداً.