الملك وإعادة هندسة موازين القوة .. نحو عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية

في العلاقات الدولية، لا يُختبر استقلال الدول حين تتوافق مصالحها مع مصالح القوى الكبرى، بل حين تتعارض معها. ففي تلك اللحظات الدقيقة، تنكشف حقيقة موازين القوة، وتتحدد قدرة الدولة على صيانة قرارها السيادي دون التضحية بشراكاتها الاستراتيجية. ذلك أن الدبلوماسية، في جوهرها، ليست مجرد فن لإدارة التوافقات، وإنما هي أيضًا القدرة على تدبير الاختلاف مع الأقوياء، والتحكم في كلفته، والحيلولة دون تحول التفاوت في موازين القوة إلى تبعية سياسية أو إلى اختلال مستدام في شروط الشراكة.

«فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد». بهذه العبارة الحاسمة، التي وردت في الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس أمام القمة المغربية الخليجية بالرياض، في 20 أبريل 2016، جدّد جلالته التأكيد على مبدأ أصيل في السياسة الخارجية للمملكة، يتمثل في استقلال القرار الوطني ورفض إخضاع الخيارات السيادية لإرادة أي قوة خارجية. ولم يكن هذا الموقف تعبيرًا عن إرادة الابتعاد عن الحلفاء أو التنصل من الالتزامات، بل تأكيدًا لقاعدة استراتيجية مفادها أن متانة الشراكات لا تُقاس بدرجة التبعية السياسية، وإنما بقدرتها على استيعاب استقلال الاختيارات الوطنية واحترام المصالح السيادية المتبادلة.

ومن هذا المنظور، تكتسب التجربة الدبلوماسية لجلالة الملك محمد السادس دلالتها الاستراتيجية الأعمق. فقد واجه المغرب، خلال ما يزيد على ربع قرن من التحولات الدولية المتسارعة، أزمات مع قوى تفوقه من حيث الإمكانات المادية والنفوذ الدولي، غير أن تدبير هذه الأزمات يتيح استقراء منطق دبلوماسي يقوم على ثبات المصالح السيادية، ومرونة الوسائل، والقدرة على إعادة التفاوض بشأن شروط الشراكة. وهنا تتحدد إحدى المسائل المركزية في فهم الدبلوماسية الملكية: كيف تستطيع دولة لا تمتلك موارد القوى الكبرى، بحسن تقديرها للمصالح والتوازنات وتوظيفها لمواردها الاستراتيجية، أن توسع هامش استقلال قرارها، وأن تؤثر في حسابات شركائها دون الدخول في مواجهة تستنزف مقومات قوتها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز قراءة الأزمات بوصفها أحداثًا منفصلة، لتفتح المجال أمام فهم أعمق لما يمكن تسميته **إعادة هندسة موازين القوة**، لا بمعنى تغيير التراتبية الدولية للقوى، وإنما باعتبارها قدرة الدولة على تعديل الحسابات الاستراتيجية لشركائها، والتأثير في شروط العلاقة معهم، بما يجعل احترام مصالحها السيادية عنصرًا مؤثرًا في تقديرهم لكلفة الخلاف ومنافع التعاون. وفي هذا الأفق تبرز ملامح **عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية**، تتأسس على إدراك دقيق للفارق بين امتلاك الحق السيادي وامتلاك الموارد التي تحمي استقلال ممارسته.

وفي هذا الإطار، ومنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، شهدت العلاقات الدبلوماسية للمغرب أزمات مع الولايات المتحدة خلال رئاسة باراك أوباما، وفرنسا خلال رئاستي فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، وإسبانيا في عهدي حكومتي خوسيه ماريا أثنار وبيدرو سانشيز، فضلاً عن ألمانيا والسويد. وقد تباينت هذه الأزمات في أسبابها وحدتها ومآلاتها، غير أنها تتيح استقراء تطور المقاربة المغربية في تدبير علاقاتها مع شركاء تتفاوت معهم موازين القوة والنفوذ. فلم يعد الرهان الدبلوماسي يقتصر على المحافظة على الشراكات القائمة، بل اتسع ليشمل قدرة المملكة على التأثير في المرجعيات السياسية والاستراتيجية التي تحكم تلك الشراكات، ولا سيما عندما تتصل بمصالحها السيادية.

وتسمح هذه التجارب باستقراء ملامح ما يمكن تسميته **عقيدة السيادة التفاوضية** في الدبلوماسية الملكية. والمقصود بها قدرة الدولة المغربية على تحديد المجال الذي تقبل داخله المساومة السياسية، والمجال الذي تعتبره مرتبطًا بمصالحها الأساسية، مع امتلاك المرونة اللازمة لتغيير الوسائل دون تغيير الغايات. وهي لا تعني رفض التفاوض أو استبعاد التسويات، وإنما تعني ألا يتحول تفاوت القوة إلى حق للطرف الأقوى في تحديد أولويات الطرف الآخر.

لقد تعامل المغرب مع هذه الأزمات في سياق دولي شهد تغيرًا في توزيع النفوذ، وتزايد أهمية الأمن الإقليمي، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والتعاون الاستخباراتي، والطاقات الاستراتيجية. وأصبح الموقع المغربي عند التقاء الأطلسي بالمتوسط، وامتداده الأفريقي، وشراكاته الأمنية والاقتصادية، عناصر تدخل في حسابات القوى التي تربطه بها علاقات وثيقة.

غير أن الموقع الجغرافي لا ينتج قوة تفاوضية تلقائيًا. فالقيمة الاستراتيجية للجغرافيا تتوقف على قدرة الدولة على تنظيمها وتحويلها إلى وظائف اقتصادية وأمنية ودبلوماسية يحتاج إليها الشركاء. وهنا تبرز أهمية السيادة الوظيفية الفعالة، باعتبارها قدرة الدولة على تحويل موقعها ومؤسساتها وبنيتها التحتية وشبكات علاقاتها إلى موارد فعلية للاستقلال السياسي.

وعند دراسة الأزمات الدبلوماسية المغربية مع القوى الدولية، يمكن ملاحظة أن إدارة الزمن، وضبط التصعيد، وتعدد قنوات التفاوض، وتنويع شبكة الشراكات، وإعادة تحديد المرجعيات السياسية، شكلت أدوات متكررة في التدبير الدبلوماسي. لكنها لم تُستخدم بالدرجة نفسها في كل حالة، لأن طبيعة الأزمة وموازين القوة والمصالح المتبادلة كانت تحدد مجال المناورة المتاح.

وتبرز خصوصية الدبلوماسية الملكية في تقديرها الدقيق لما يحكم مواقف القوى الكبرى من مصالح وحسابات تتجاوز أحيانًا حدود الخلاف المعلن. فقد أبان تدبير جلالة الملك محمد السادس لعدد من الأزمات الدبلوماسية عن أهمية التحكم في إيقاع التوتر، وتحديد ما يمكن أن تتحمله العلاقة من ضغوط، دون إغلاق المنافذ السياسية التي تسمح بتجاوز الخلاف. وفي هذا التدبير، لا تنحصر أهمية التسوية في استئناف التواصل، وإنما تتصل بما قد تفضي إليه من مراجعة لدى الشريك لتقديراته بشأن المصالح المغربية. فالتأثير الدبلوماسي لا يتوقف على القدرة على انتزاع موقف فوري، بل قد يتحقق حين يدرك الطرف الأكثر نفوذًا أن استمرار الضغط ستكون له تبعات على مصالح يحرص هو نفسه على حمايتها.

وتتضح المرجعية السيادية لهذا المنطق في الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، في 20 غشت 2022، حين أكد جلالة الملك محمد السادس أن «ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات». وقد منح هذا التحديد الملكي للعلاقات الخارجية معيارًا سياسيًا صريحًا، يجعل الموقف من الوحدة الترابية للمملكة عنصرًا أساسيًا في تقدير طبيعة الشراكات ومصداقيتها. وهو ما يسمح بالحديث عن **تراتبية سيادية للمصالح الدبلوماسية**، لا تتساوى فيها جميع الملفات من حيث أثرها في القرار الخارجي، ولا تستطيع فيها كثافة المصالح الاقتصادية أو الأمنية أن تعوض تلقائيًا غياب الوضوح السياسي بشأن قضية تمس وحدة الدولة وسيادتها.

وتقتضي دراسة هذه الأزمات مراعاة اختلاف السياقات التي نشأت فيها، وطبيعة المصالح التي كانت على المحك، وموقع كل شريك في الحسابات الاستراتيجية للمملكة. فالتوتر مع واشنطن لا يخضع بالضرورة للمنطق نفسه الذي حكم الخلاف مع مدريد أو باريس أو برلين أو ستوكهولم، وإن تقاطعت هذه الحالات حول قضايا تمس المصالح السيادية المغربية. كما أن تغير الحكومات، وتحول الأولويات الدولية، وتداخل الاعتبارات الداخلية مع الالتزامات الخارجية، عوامل تؤثر في نشوء الأزمات وفي فرص احتوائها. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند كل تجربة في سياقها السياسي والاستراتيجي، وتتبع كيفية تدبيرها في ظل التوجيه الملكي، وما ترتب عليها من تحولات في مواقف الشركاء وشروط التعاون معهم، تمهيدًا لاستجلاء ما إذا كانت هذه الحالات، على اختلافها، تعكس نهجًا دبلوماسيًا تتجاوز دلالاته حدود كل أزمة على حدة.

**واشنطن ومدريد في عهد أثنار — إدارة اختلال القوة والتحكم في سقف المواجهة**

شكلت الأزمة المغربية الأمريكية سنة 2013، خلال رئاسة باراك أوباما، اختبارًا دقيقًا للعلاقة بين استقلال القرار السيادي ومتطلبات التحالف الاستراتيجي. فقد أثار المقترح الأمريكي الرامي إلى توسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان اعتراضًا مغربيًا قويًا، بالنظر إلى ما اعتبرته الرباط مساسًا بطبيعة المهمة الأممية وتغييرًا محتملاً للتوازنات السياسية والقانونية المحيطة بقضية الصحراء المغربية. وكانت حساسية المبادرة نابعة أيضًا من موقع واشنطن داخل مجلس الأمن، ودورها المحوري في صياغة القرارات المتعلقة بهذا الملف، بما يمنح توجهاتها الدبلوماسية وزنًا يتجاوز نطاق العلاقات الثنائية.

وقد نشأت هذه الأزمة داخل شراكة مغربية أمريكية ذات امتدادات أمنية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية عميقة. فمنذ سنة 2004 مُنح المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (Major Non-NATO Ally)، وتوقيع اتفاقية التبادل الحر في السنة نفسها، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2006 وجعلت المملكة أول بلد أفريقي يرتبط بالولايات المتحدة باتفاق من هذا النوع، اكتسبت العلاقة الثنائية مرتكزات مؤسساتية ومصالح استراتيجية متداخلة. وكانت واشنطن تنظر إلى المغرب بوصفه شريكًا مهمًا في مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي والاستقرار في شمال أفريقيا والساحل، فيما شكل التعاون مع الولايات المتحدة أحد المكونات الأساسية للسياسة الدفاعية والأمنية المغربية.

وفي ظل هذا الترابط، واجه التدبير الملكي للأزمة معادلة استراتيجية دقيقة، تتعلق بكيفية الاعتراض على توجه صادر عن القوة الأكثر نفوذًا في النظام الدولي، دون السماح للخلاف بأن يمتد إلى الأسس التي يقوم عليها التحالف. فقد كان المغرب معنيًا بحماية موقفه السيادي داخل المسار الأممي، مع إدراك ما قد يترتب على التصعيد غير المحسوب من انعكاسات على شبكة واسعة من المصالح المشتركة.

وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بالنظر إلى طبيعة القرار الأمريكي نفسه، الذي يتشكل عند تقاطع اعتبارات الإدارة والكونغرس والمؤسسات الأمنية والدبلوماسية وحسابات السياسة الدولية. ومن ثم، فإن التعامل مع واشنطن كان يقتضي تقدير موازين التأثير داخل منظومة القرار الأمريكي، والتحكم في مستوى الاعتراض بما يحول دون انتقال الخلاف من قضية محددة إلى أزمة شاملة في العلاقات الثنائية.

وقد اتجهت الدبلوماسية المغربية إلى الاعتراض السياسي والدبلوماسي مع الإبقاء على قنوات التواصل، في سياق انتهى باعتماد مجلس الأمن القرار 2099 في أبريل 2013 دون تضمينه توسيع ولاية المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. ثم جاءت الزيارة الرسمية لجلالة الملك محمد السادس إلى واشنطن في نوفمبر من السنة نفسها لتؤكد استمرار الشراكة الاستراتيجية، حيث وصف البيان المشترك المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها جدية وواقعية وذات مصداقية، مع التأكيد على دعم المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد سمح هذا التسلسل باحتواء الخلاف حول ولاية البعثة الأممية دون إحداث قطيعة في التعاون بين البلدين.

وتكشف هذه التجربة عن إحدى آليات التدبير الملكي للعلاقات غير المتكافئة، يمكن تأطيرها بمفهوم **الردع الدبلوماسي غير التصادمي**، القائم على إظهار حساسية المصالح السيادية للمملكة، مع المحافظة على المقومات التي تجعل استمرار الشراكة ذا قيمة استراتيجية للطرفين. فقد أتاح التمييز بين الاعتراض على قرار محدد والمحافظة على التحالف القائم توسيع هامش المناورة المغربية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وهنا تبرز **المرونة المرجعية** باعتبارها القدرة على تنويع أدوات التعامل مع الشريك، مع ثبات الموقف من القضية السيادية التي نشأ حولها الخلاف. ولم يكن المقصود من إدارة الأزمة تغيير ميزان القوة بين الرباط وواشنطن، وإنما التأثير في تقدير الطرف الأمريكي لتداعيات المقترح على علاقته بالمغرب.

ومع ذلك، فإن احتواء أزمة 2013 لم يفضِ إلى اعتراف أمريكي صريح بالسيادة المغربية على الصحراء خلال رئاسة باراك أوباما، رغم استمرار واشنطن في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي بوصفها مقترحًا جديًا وذا مصداقية.

غير أن الدلالة الاستراتيجية للتدبير الملكي للعلاقات المغربية الأمريكية لا تستقيم قراءتها في حدود أزمة المينورسو سنة 2013 وحدها، وإنما ضمن مسار دبلوماسي طويل النفس، استند إلى رؤية ملكية تستوعب طبيعة منظومة القرار الأمريكي، وتدرك التحولات التي تعيد تشكيل أولويات واشنطن وتحالفاتها الإقليمية. فقد حافظ جلالة الملك محمد السادس على المرتكزات الأساسية للشراكة مع الولايات المتحدة، مع العمل على تعزيز موقع المغرب داخل حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما أتاح توسيع مجالات التقارب وتراكم عناصر الثقة والتأثير.

وقد تجلت أهمية هذه الرؤية في القدرة على قراءة التحولات الاستراتيجية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإدراك ما تتيحه إعادة ترتيب المصالح الأمريكية من فرص لإحداث تحول نوعي في الموقف من قضية الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، جاء الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية في ديسمبر 2020، خلال رئاسة دونالد ترامب، تتويجًا لمسار دبلوماسي استطاع توظيف عمق الشراكة الثنائية والتقاطع بين المصالح الإقليمية والدولية، ضمن تفاهمات أوسع شملت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذا التطور باعتباره أحد أبرز تجليات **الاستشراف الاستراتيجي في الدبلوماسية الملكية**، حيث تلتقي استمرارية الثوابت السيادية مع القدرة على استيعاب تحولات النظام الإقليمي، واستثمار اللحظة الدبلوماسية الملائمة لنقل موقف قوة عظمى من دعم مقترح الحكم الذاتي إلى الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية على الصحراء.

أما الأزمة مع إسبانيا خلال حكومة خوسيه ماريا أثنار سنة 2002، فقد اختبرت هي الأخرى قدرة المملكة المغربية على ضبط التصعيد عندما ينتقل الخلاف من المجال السياسي إلى الاحتكاك العسكري المباشر. فقد أدى وجود عناصر مغربية في جزيرة ليلى إلى تدخل عسكري إسباني، في سياق تاريخي وجغرافي شديد الحساسية. ولم تكن القيمة العسكرية للجزيرة هي العنصر الحاسم، وإنما رمزيتها السيادية، وما كان يمكن أن ينشأ عن المواجهة من تداعيات على العلاقات المغربية الإسبانية وعلى أمن غرب المتوسط.

وكان ميزان القوة العسكرية يميل بوضوح إلى إسبانيا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن استمرار التصعيد كان سيضع المغرب أمام تكلفة استراتيجية لا تتناسب مع القيمة الميدانية المباشرة للجزيرة. انتهت الأزمة بوساطة أمريكية قادها وزير الخارجية آنذاك كولن باول، وأعادت الوضع إلى ما كان عليه قبل يوليو 2002، دون تسوية الخلاف القانوني بشأن السيادة.

وتبرز هنا أهمية السيادة الزمنية الدبلوماسية، ليس بمعنى التحكم المطلق في توقيت الأحداث، وإنما بمعنى القدرة على اختيار اللحظة المناسبة لوقف التصعيد، عندما يصبح استمرار المواجهة مضرًا بالمصلحة المراد الدفاع عنها. كما تكشف هذه الأزمة عن مفهوم **الاحتواء الاستراتيجي المحدود**، الذي يقوم على الفصل بين إدارة الحادث وإدارة النزاع الأصلي. فقد أمكن إنهاء المواجهة الميدانية دون اشتراط حسم الخلاف السيادي، وهو ما سمح بتجنب انتقال حادث جغرافي محدود إلى مواجهة أوسع كانت ستكون لها تداعيات سياسية كبيرة على الجانبين.

وتوضح المقارنة بين واشنطن ومدريد أن إدارة الأزمات لا تستند إلى أداة واحدة. ففي الحالة الأمريكية، كان المطلوب منع انتقال الخلاف السياسي إلى بنية التحالف، بينما تمثل التحدي الإسباني في منع توسع مواجهة عسكرية محدودة. وفي الحالتين، كان تقدير سقف التصعيد عنصرًا أساسيًا في القرار الدبلوماسي الملكي.

**فرنسا في عهد ماكرون — السيادة الزمنية ونهاية الشراكة القائمة على الامتياز التاريخي**

تحتل الأزمة المغربية الفرنسية موقعًا خاصًا في تطور الدبلوماسية الملكية، لأن العلاقة بين الرباط وباريس ظلت لعقود محكومة بإرث تاريخي وثقافي واقتصادي ومؤسساتي عميق. وقد منح هذا الإرث فرنسا موقعًا متميزًا داخل شبكة الشراكات الدولية للمغرب، لكنه لم يمنع ظهور اختلافات بشأن المصالح السياسية والاستراتيجية.

فخلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، تراكمت التوترات على خلفية تقليص التأشيرات، والاتهامات المرتبطة ببرنامج بيغاسوس التي نفاها المغرب، والتباينات حول موقف باريس من مغربية الصحراء، فضلاً عن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي وجنوب الصحراء.

وكانت الأزمة تعكس في الواقع تغيرًا أوسع في البيئة الاستراتيجية. فقد واجهت فرنسا تراجعًا في حضورها السياسي والعسكري داخل عدد من دول الساحل، بينما كان المغرب يوسع علاقاته الأفريقية، ويعزز حضوره الاقتصادي والأمني، ويطور موقعه في مشروعات الربط الأطلسي والطاقة والتجارة.

في هذه الظروف، لم يعد الإرث التاريخي لفرنسا كافيًا لضمان استمرار العلاقة وفق مرجعياتها السابقة. وأصبحت الشراكة مطالبة بالتكيف مع تطور المصالح المتبادلة ومع التحولات التي عرفها موقع كل طرف. وقد أظهر تدبير الأزمة أهمية **السيادة الزمنية** بوصفها قدرة على تحمل فترة من الجمود السياسي دون استعجال تسوية لا تعالج أسباب الخلاف الذي أصبح يتخذ آنذاك أشكالاً بنيوية. فالزمن، في العلاقات الدولية، ليس مجرد إطار تتحرك داخله الأحداث؛ إنه مورد تفاوضي تتفاوت قدرة الدول على استخدامه تبعًا لدرجة اعتمادها على شركائها وحجم البدائل المتاحة لها.

ولم تكن فترة البرود المغربي الفرنسي خالية من التكاليف. فقد أثرت في المناخ السياسي للعلاقة، وأثارت تساؤلات بشأن مستقبل التعاون. غير أن استمرار المصالح الاقتصادية والبشرية والأمنية حال دون تحول الخلاف إلى قطيعة شاملة.

وفي يوليو 2024، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي تنظر من خلاله فرنسا إلى معالجة النزاع المفتعل. ثم أكد هذا الموقف خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.

وكان هذا التطور تعبيرًا عن تغير واضح في المرجعية الفرنسية المعلنة بشأن قضية الصحراء المغربية، وقد اقترن بإعادة إطلاق الشراكة الاقتصادية والسياسية بين البلدين، ويتخذ بعدًا استثنائيًا من خلال التوقيع على عدة اتفاقيات ومذكرات تعاون في مجالات مختلفة ومتنوعة.

ويمكن تأطير هذه الحالة بمفهوم **دبلوماسية تحويل الأزمات**، حيث لا تقتصر التسوية على استعادة الاتصالات، بل تتضمن تعديلاً في بعض القواعد السياسية التي تحكم العلاقة في حد ذاتها.

غير أن هذا التحول لم يكن نتيجة عامل واحد. فقد تداخلت فيه المصالح الفرنسية في أفريقيا، والتحولات الجيوسياسية في الساحل، والاعتبارات الاقتصادية والأمنية، وتطور مواقف قوى دولية أخرى. ومن ثم، فإن قراءة الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة لضغط دبلوماسي أحادي تتجاهل طبيعة القرار الدولي الذي يتشكل عادة عند تقاطع حسابات متعددة. وهنا تكمن الهندسة الدبلوماسية لجلالة الملك التي تبلورت من خلال خلق منظومة دبلوماسية تشرب من التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية في مراكز القوة الدولية.

وتكشف التجربة الفرنسية عن تطور آخر يمكن وصفه **بإعادة تراتبية الشراكات**. فلم تعد العلاقات التاريخية تتمتع، بحكم قدمها وحده، بحصانة من المراجعة السياسية. وأصبح استمرار مكانة الشريك مرتبطًا بقدرته على التكيف مع المصالح الاستراتيجية المغربية.

وتختلف هذه المقاربة الملكية عن سياسة القطيعة أو الاستغناء عن الشركاء التقليديين؛ فهي تسعى إلى تحديث شروط العلاقة بما يتناسب مع تغير موقع المغرب ومحيطه الدولي. لقد أظهرت الأزمة الفرنسية أن الشراكات المستقرة لا تقوم على الذاكرة التاريخية وحدها، وإنما تحتاج إلى توافق سياسي متجدد. وعندما يتغير توزيع المصالح، تصبح إعادة التفاوض حول العلاقة جزءًا من استمراريتها، لا بالضرورة مقدمة لإنهائها.

**إسبانيا في عهد سانشيز — هندسة الاعتماد المتبادل وتحويل الجغرافيا إلى مورد تفاوضي**

تقدم الأزمة المغربية الإسبانية سنة 2021 نموذجًا مختلفًا في تدبير العلاقات الدولية، لأنها نشأت بين دولتين تتداخل مصالحهما إلى درجة تجعل الخلاف السياسي قابلاً للانتقال بسرعة إلى مجالات الأمن والاقتصاد والهجرة. فقد أدى استقبال السلطات الإسبانية زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، في ظروف اعتبرتها الرباط مخالفة لمقتضيات الثقة بين البلدين، إلى أزمة دبلوماسية حادة. ثم جاءت أحداث الهجرة غير النظامية في سبتة لتكشف عن هشاشة التوازن بين التعاون الأمني والخلاف السياسي، وعن التكلفة الإنسانية التي قد تترتب على اضطراب العلاقات الحدودية.

وكانت خصوصية الأزمة مرتبطة بموقع البلدين داخل منظومة جغرافية واحدة. فمضيق جبل طارق، والتجارة البحرية، والمبادلات الاقتصادية، وحركة الأشخاص، والتعاون الأمني، تجعل العلاقات المغربية الإسبانية جزءًا من معادلة إقليمية يصعب على أي طرف الانفصال عنها. وفي هذا السياق، يمكن استقراء مفهوم هندسة الاعتماد المتبادل، أي قدرة الدولة على تنظيم علاقاتها مع شركائها بطريقة تجعل مصالحهم المشتركة عاملاً مؤثرًا في حسابات القرار السياسي. فالاعتماد المتبادل لا يلغي التنافس، لكنه يغير كلفته. وكلما ارتفعت أهمية التعاون بالنسبة للطرفين، أصبحت القطيعة أكثر صعوبة، وازدادت الحاجة إلى البحث عن تسويات تحافظ على المصالح الأساسية ومنها الاستراتيجية.

هذه الحقيقة تجسدت وظهرت في مسار استعادة العلاقات المغربية الإسبانية. في هذا الإطار، وفي مارس 2022، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لمعالجة النزاع حول الصحراء المغربية. ثم جاءت زيارته إلى الرباط في أبريل، ولقاؤه جلالة الملك محمد السادس، لتفتح مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية.

ولم تقتصر خارطة الطريق المشتركة الموقعة بين البلدين على تجاوز الخلاف السابق. فقد تضمنت مبادئ تتعلق بالتواصل الدائم والشفافية والاحترام المتبادل وتجنب الإجراءات الأحادية، إلى جانب تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والحدودية. وتندرج هذه الحالة ضمن دبلوماسية ملكية ترتكز على **إعادة ضبط المرجعيات**، حيث يصبح تجاوز الأزمة مرتبطًا بتوضيح الأساس السياسي الذي ستقوم عليه العلاقة مستقبلاً.

هذا التحول الذي طرأ على الموقف الإسباني، وإن لم يرقَ إلى مستوى الاعتراف القانوني الصريح بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، فقد شكّل انعطافة دبلوماسية واستراتيجية مهمة في مسار العلاقات المغربية الإسبانية، إذ نقل مدريد من موقع التحفظ التقليدي إلى الانخراط الفعلي في الدينامية الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. غير أن هذا التقارب، على أهميته، لم يؤدِّ إلى تصفية مجمل الملفات الخلافية بين البلدين، ولا سيما القضايا المرتبطة بسبتة ومليلية وترسيم الحدود البحرية، التي ما تزال محكومة بحسابات تاريخية وقانونية وجيوسياسية مستقلة. وبذلك، فإن التحول الإسباني يعكس إعادة تموضع استراتيجية في ملف الصحراء، وليس تسوية شاملة لجميع القضايا السيادية العالقة بين الرباط ومدريد.

وتكتسي هذه التفرقة أهمية دبلوماسية بالغة، ذلك أن القيمة الاستراتيجية لأي مسار تفاوضي لا تُختزل في مضامين الإعلان السياسي أو ما يكرّسه من تفاهمات ظرفية فقط. فالهدف يتحدد أساسًا بمدى قدرة هذا المسار على تحويل التوافقات السياسية إلى ترتيبات مؤسساتية راسخة، وإرساء توازنات مستدامة تصون المكتسبات وتمنح التفاهمات مناعة في مواجهة تقلبات السياقات السياسية وتحولات موازين القوى.

لقد كشفت الأزمة أن الجغرافيا قد تكون مصدرًا للقوة التفاوضية، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤوليات متبادلة. فاستخدام الترابط الاقتصادي والأمني بصورة تؤدي إلى تعطيله قد يحفز الشريك على البحث عن بدائل تقلص أهمية العلاقة مستقبلاً.

ومن ثم، فإن السيادة الوظيفية لا تتحقق بتوظيف الموقع الجغرافي في لحظة التوتر وحدها، بل ببناء شبكات اقتصادية وأمنية تجعل الدولة شريكًا يصعب الاستغناء عن وظائفه الاستراتيجية.

وتكتسب هذه المقاربة عمقًا استراتيجيًا إضافيًا في ضوء التحولات البنيوية التي يشهدها المغرب، من تطوير البنيات التحتية المينائية واللوجستية، إلى توسيع شبكات الربط الأطلسي والطاقي، وترسيخ الحضور الاقتصادي للمملكة في العمق الأفريقي. وقد سبق أن تناولتُ هذه التحولات ضمن **عقيدة حزام الممرات (StraitBelt Doctrine)** التي عملتُ على صياغة مرتكزاتها النظرية وتطوير إطارها الجيوستراتيجي في دراسات منشورة، انطلاقًا من تصور يعتبر أن القوة المغربية في النظام الدولي المعاصر لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على المجال الجغرافي، بل أيضًا بالقدرة على تنظيم التدفقات والتحكم في هندسة الترابط الاستراتيجي. ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية المشاريع المغربية على وظائفها الاقتصادية واللوجستية، بل تمتد إلى قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي إلى **سيادة وظيفية منتجة للنفوذ**، تجعل من المغرب فاعلاً مؤثرًا في إعادة تشكيل شبكات الاعتماد المتبادل بين أفريقيا وأوروبا والفضاء الأطلسي. وكلما تعززت قدرة المملكة على تأمين الممرات التجارية والطاقية واللوجستية، انتقل موقعها في الحسابات الأوروبية من مجرد شريك بحكم الجوار إلى **شريك تفرض أهميته الوظيفة الاستراتيجية التي يضطلع بها داخل هندسة التدفقات الدولية**. وعندئذ لا تعود الجغرافيا مجرد معطى ثابت، بل تصبح قدرة سياسية واقتصادية تتوقف قيمتها على كيفية استثمارها.

**ألمانيا والسويد — دبلوماسية إعادة التأسيس ومنع السوابق السياسية**

كشفت الأزمة مع ألمانيا سنة 2021 عن بعد آخر في إدارة المغرب لعلاقاته مع القوى الأوروبية، يرتبط بحدود الفصل بين التعاون الاقتصادي والتفاهم السياسي. فقد تصاعد التوتر على خلفية الموقف الألماني من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، إلى جانب خلافات بشأن الملف الليبي والتعاون الأمني. وقررت الرباط تعليق اتصالات مؤسسات حكومية مع السفارة الألمانية في مارس 2021، قبل استدعاء سفيرتها من برلين للتشاور في شهر ماي.

وكانت ألمانيا شريكًا مهمًا للمغرب في مجالات الصناعة والاستثمار والطاقات المتجددة والتعاون التنموي. هذه الأزمة لم تكن مجرد خلاف بين وزارتين للخارجية، لكنها مست علاقة ذات امتدادات اقتصادية ومؤسساتية واسعة. ويظهر في هذه التجربة مفهوم **الردع الدبلوماسي غير التصادمي** بصورة مختلفة عن الحالة الأمريكية. فقد اتخذ الاعتراض المغربي شكل إجراءات دبلوماسية واضحة، دون الانتقال إلى تفكيك المصالح الاقتصادية أو إغلاق إمكانية العودة إلى الحوار.

ومع تشكيل الحكومة الألمانية الجديدة بقيادة أولاف شولتس، بدأت عملية استعادة الثقة. وفي يناير 2022، وجه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير رسالة إلى جلالة الملك محمد السادس، أشاد فيها بالعلاقات الثنائية وبالمبادرة المغربية للحكم الذاتي. ثم استؤنف التواصل السياسي على مستوى وزيري الخارجية، وصولاً إلى الإعلان المشترك الصادر في أغسطس 2022.

وقد تضمن هذا الإعلان بين البلدين إحداث حوار استراتيجي متعدد الأبعاد، وتأكيد الموقف الألماني الذي يعتبر المبادرة المغربية جهدًا جديًا وذا مصداقية وأساسًا جيدًا للتوصل إلى حل متوافق عليه في إطار الأمم المتحدة. وتبرز هنا دبلوماسية إعادة التأسيس، التي تختلف عن مجرد المصالحة الدبلوماسية. فاستعادة العلاقات تعيد تشغيل قنوات التعاون السابقة، أما إعادة التأسيس فتسعى إلى توفير إطار سياسي ومؤسساتي يساعد على معالجة أسباب التوتر والحد من احتمالات تكراره.

وتوضح هذه الحالة أن الصبر التفاوضي لا ينتج نتائج سياسية بمجرد امتداد الزمن، وإنما يحتاج إلى تغير في حسابات الشريك، وإلى وجود مصالح مشتركة تجعل العودة إلى التعاون أكثر جدوى من استمرار الخلاف.

أما الأزمة مع السويد، فقد طرحت إشكالية مختلفة تتعلق بالتأثير في القرار قبل تحوله إلى التزام حكومي رسمي. ففي ديسمبر 2012، برز داخل البرلمان السويدي توجه يدعو إلى الاعتراف بالكيان الانفصالي في الصحراء المغربية. ومع وصول ائتلاف الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر إلى الحكم سنة 2014، اكتسب هذا التوجه زخمًا سياسيًا جديدًا، وارتفعت احتمالات انتقاله من المبادرة البرلمانية إلى مستوى القرار الحكومي، في سياق اتسم بميل الدبلوماسية السويدية إلى تبني مواقف أكثر استقلالية في بعض القضايا الدولية. وقد وضع هذا التطور العلاقات المغربية السويدية أمام اختبار دبلوماسي حساس، بالنظر إلى ما كان يمكن أن يترتب عن اعتراف محتمل من تداعيات على العلاقات الثنائية وعلى التوازنات السياسية داخل الفضاء الأوروبي.

وقد أدرك المغرب أن المسألة لا تتعلق فقط بعلاقته مع دولة إسكندنافية، بل بإمكان ظهور سابقة سياسية داخل الاتحاد الأوروبي تؤثر في مواقف دول أخرى بشأن النزاع المفتعل. ومن هذه الزاوية، يمكن تأطير التحرك المغربي بمفهوم الدبلوماسية الاستباقية للسوابق، وهي مقاربة تستهدف التأثير في البيئة التي يتشكل داخلها القرار الخارجي، قبل أن يتحول إلى موقف رسمي يصعب تعديله.

وقد شملت التحركات المغربية اتصالات دبلوماسية وسياسية وبرلمانية، في سياق توتر امتد إلى بعض المصالح الاقتصادية. وفي يناير 2016، أعلنت الحكومة السويدية أنها لا تعتزم الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، مستندة إلى اعتبارات قانونية وسياسية وإلى دعم العملية الأممية.

في هذا الإطار، تحركات الدبلوماسية المغربية جعلت الخارجية السويدية تستند على مراجعة داخلية لمقتضيات الاعتراف بالدول وإلى تقديرات الحكومة بشأن مسار التسوية السياسية والسلمية. هذه النتيجة كانت متوافقة مع الهدف الدبلوماسي المغربي المتمثل في منع صدور اعتراف حكومي.

وتبرز التجربة المغربية في تدبير الأزمة مع السويد الأهمية الحاسمة للاستباق في العمل الدبلوماسي، ذلك أن المواقف الدولية لا تتشكل حصرًا داخل دوائر القرار الحكومي. ففي كثير من الأحيان تتبلور في بيئات سياسية ومؤسساتية تتداخل فيها تأثيرات البرلمانات والأحزاب ومراكز التفكير واتجاهات الرأي العام وشبكات المصالح. وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الملكية الواردة في خطاب 11 أكتوبر 2013 دلالة استراتيجية خاصة، حين أكد جلالة الملك محمد السادس ضرورة «الأخذ بزمام الأمور، واستباق الأحداث والتفاعل الإيجابي معها».

فهذه الرؤية تؤسس لفهم للدبلوماسية يتجاوز منطق رد الفعل إلى التأثير المبكر في مسارات صناعة القرار، ويجعل من الدبلوماسية البرلمانية والموازية امتدادًا مؤسساتيًا للعمل الدبلوماسي الرسمي. ومن هذا المنظور، فإن نجاح المغرب في احتواء الأزمة السويدية لا يُقرأ فقط من زاوية تفادي قرار سياسي غير مواتٍ، بل كذلك من خلال قدرته على إدراك أهمية الفضاءات التي تتشكل فيها المواقف قبل انتقالها إلى مستوى الالتزامات الحكومية. وهنا تتجلى إحدى قواعد الدبلوماسية الاستباقية التي تؤكد أن القدرة على التأثير في مقدمات القرار تمنح الدولة هامشًا استراتيجيًا أوسع من الاكتفاء بالتفاوض حول نتائجه.

ومن ثم، فإن معرفة البنية الداخلية للدولة الشريكة تصبح جزءًا من القدرة الدبلوماسية، لأنها تسمح بتحديد مراكز التأثير والتمييز بين المواقف السياسية غير الملزمة والقرارات الحكومية ذات الآثار الدولية. وقد شهد الموقف السويدي تطورًا آخر في يناير 2026، حين أعلنت ستوكهولم دعمها الصريح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسًا ذا مصداقية للمفاوضات في إطار قرار مجلس الأمن 2797، مع تأكيدها ضرورة التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه يحترم مقتضيات القانون الدولي.

وتسمح المقارنة بين ألمانيا والسويد بالتمييز بين مسارين. ففي الحالة الألمانية، تعلق الأمر بإعادة بناء شراكة بعد أزمة ثقة. أما في الحالة السويدية، فكان التحدي منع قرار محتمل من تغيير البيئة الدبلوماسية للنزاع المفتعل مع العمل على فهم سياقات محاولات بلورة القرار والتحرك نحو خلق تقارب سياسي واستراتيجي يحتوي أي مناورة سياسية غير محسوبة في المستقبل.

والقاسم المشترك بينهما هو محاولة التأثير في شروط العلاقة السياسية، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائج القرارات بعد صدورها.

**العقيدة الملكية لإدارة الأزمات — من الاستقلال الاستراتيجي الشبكي إلى السيادة الدبلوماسية المنتجة**

إن تجميع هذه التجارب ضمن قراءة واحدة يسمح بتحديد بعض السمات التي ميزت إدارة السياسة الخارجية المغربية خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، دون افتراض وجود نموذج جامد يفسر جميع القرارات أو يضمن النتائج نفسها في كل أزمة.

**أولى** هذه السمات هي السيادة التفاوضية، التي تجعل المصالح الأساسية للدولة مرجعية لتحديد حدود التفاوض، دون إلغاء الحاجة إلى التسويات الممكنة. وقد برزت بصورة خاصة في العلاقات مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا، حيث ارتبطت إعادة بناء الشراكات بتطور المواقف السياسية بشأن قضية الصحراء المغربية.

أما **السمة الثانية** فتتمثل في السيادة الزمنية الدبلوماسية. فقد أظهرت بعض الأزمات أن القدرة على تحمل فترة من البرود السياسي قد توفر هامشًا إضافيًا للمناورة والتحرك المحسوب، شريطة ألا تصبح تكلفة الانتظار أعلى من المنافع المحتملة للتسوية.

وتتصل **السمة الثالثة** بمفهوم **المرونة المرجعية**، الذي يفسر اختلاف أدوات التدبير بين واشنطن ومدريد وباريس وبرلين وستوكهولم. فثبات الأولويات لا يفرض تماثل الوسائل، بل يستوجب اختيار الأداة المناسبة لطبيعة الخلاف وموازين القوة وحدود الاعتماد المتبادل.

وتتجسد **السمة الرابعة** في **الاستقلال الاستراتيجي الشبكي**. فالمغرب لم يتجه إلى الانفصال عن شركائه التقليديين، وإنما عمل على توسيع شبكة علاقاته الدولية، وتعزيز حضوره الأفريقي والأطلسي، وتنويع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني.

ويختلف هذا الاستقلال الاستراتيجي عن مفهوم الحياد التقليدي، إذ لا يستند إلى الوقوف على مسافة واحدة من مختلف القوى الدولية، بقدر ما يقوم على صون استقلالية القرار السيادي، وتنويع الشراكات، وتفادي الارتهان إلى قطب واحد في تدبير المصالح العليا للدولة. وقد تجلّت معالم هذا التوجه في الانفتاح الدبلوماسي الذي قاده جلالة الملك محمد السادس نحو قوى دولية وازنة، ولا سيما من خلال زيارتيه التاريخيتين إلى روسيا والصين سنة 2016، فضلاً عن تطوير العلاقات مع الهند باعتبارها قوة آسيوية صاعدة وفاعلاً متزايد التأثير في التوازنات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية الدولية.

ولم يكن هذا الانفتاح تعبيرًا عن انتقال من محور دولي إلى آخر، أو مراجعة للشراكات التاريخية مع القوى الغربية، وإنما جسّد **عقيدة دبلوماسية قائمة على تعددية الارتكاز الاستراتيجي**، تمنح المغرب قدرة أوسع على تنويع مصادر التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والدفاعي، وتوسيع هوامش المناورة في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى. ومن هذا المنظور، تبرز الاستقلالية الاستراتيجية المغربية باعتبارها قدرة على إدارة شبكة متوازنة من العلاقات الدولية، دون الخضوع لمنطق الاصطفاف الحصري أو السماح بتحول الاعتماد المتبادل إلى تبعية سياسية.

ويجد **الاستقلال الاستراتيجي الشبكي** امتداده في بناء القدرات الوطنية التي تسند حرية القرار الخارجي، وهو توجه تكتسب أبعاده الاقتصادية والتنموية أهمية خاصة في ضوء التوجيهات الملكية الأخيرة. ذلك أن تنويع الشراكات الدولية لا يكفي وحده لتحصين استقلال القرار ما دامت سلاسل التوريد الحيوية والتجهيزات الاستراتيجية والتكنولوجيات الحساسة خاضعة لاعتماد مفرط على الخارج. ومن هنا تتحدد العلاقة بين **السيادة الدبلوماسية والسيادة الإنتاجية والتكنولوجية**، حيث تتحول القدرة الوطنية على الإنتاج والتمويل والابتكار إلى عنصر مؤثر في موازين التفاوض وفي قدرة الدولة على تحمل كلفة خياراتها السيادية.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم **السيادة الدبلوماسية المنتجة** باعتباره تعبيرًا عن قدرة الدولة على تحويل مواردها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية إلى استقلال فعلي في القرار الخارجي، بما يقلص قابليتها للضغوط ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة على التكنولوجيا والموارد والممرات الاستراتيجية.

وتظهر **السمة الخامسة** في هندسة **الاعتماد المتبادل**، التي تسمح بتحويل الموقع الجغرافي والشراكات الاقتصادية والأمنية إلى موارد تفاوضية. وقد كشفت العلاقات مع إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة أن أهمية المغرب بالنسبة لشركائه لا تتحدد بحجم اقتصاده وحده، وإنما أيضًا بالوظائف السيادية التي يؤديها في الأمن الإقليمي والربط التجاري والتعاون الاستخباراتي. ويمكن بلورة هذا التصور من خلال مفهوم **التموضع الوظيفي للدولة**، حيث تتحدد القيمة الجيوسياسية بقدرة الدولة على أداء وظائف يصعب تعويضها داخل منظومة إقليمية أو دولية معينة.

غير أن **القيمة الجيوسياسية للتموضع الوظيفي** لا تكتسب صفة الديمومة بمجرد ترسخ الاعتماد المتبادل، إذ تظل خاضعة لتحولات المصالح والتكنولوجيا وإعادة تشكيل شبكات النفوذ والتدفقات الدولية. فكلما استطاع الشركاء تطوير بدائل اقتصادية أو لوجستية أو أمنية، تقلصت قدرة الدولة على تحويل وظائفها الاستراتيجية إلى نفوذ تفاوضي. ومن هنا، فإن المحافظة على هذا الموقع تقتضي تجديد المزايا التنافسية، وتعميق القدرات الإنتاجية والتكنولوجية، والانتقال من مجرد الاستفادة من الموقع الجغرافي إلى امتلاك القدرة على التأثير في هندسة الشبكات التي تمنحه قيمته. فالقوة الوظيفية للدولة لا تتحدد فقط بأهمية ما توفره لشركائها، وإنما أيضًا بصعوبة تعويض الدور الذي تؤديه داخل منظومة مصالحهم الاستراتيجية.

أما **السمة السادسة** فتتمثل في دبلوماسية تحويل الأزمات، التي تسعى إلى تجاوز منطق استعادة العلاقات نحو إعادة تنظيم بعض قواعدها السياسية والمؤسساتية. وقد ظهر ذلك في التحولات التي عرفتها العلاقات مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا حتى السويد، بدرجات مختلفة.

وتندرج ضمن هذه المقاربة **هندسة الكلفة الدبلوماسية**، باعتبارها قدرة الدولة على تقدير ما تستطيع تحمله من أعباء سياسية واقتصادية دفاعًا عن مصالحها، وما قد يترتب على استمرار الخلاف من تكاليف بالنسبة إلى الطرف المقابل. ولا تكتمل هذه المعادلة دون **الاحتياط الاستراتيجي للعلاقات**، الذي يتمثل في المحافظة على قنوات التواصل والمصالح المشتركة الضرورية لإبقاء فرص التسوية قائمة، حتى في أشد مراحل التوتر. فإدارة الأزمة لا تقاس بحدة الاعتراض، وإنما بقدرة الدولة على حماية مصالحها دون استنزاف الخيارات التي قد تحتاج إليها عند تغير موازين التفاوض.

وفي هذا السياق، تكتسب استمرارية التوجيه الملكي للسياسة الخارجية أهمية مؤسساتية. فهي توفر إطارًا زمنيًا يتجاوز تعاقب الحكومات والدورات الانتخابية، وتسمح بالمحافظة على أولويات استراتيجية مستقرة نسبيًا، مع تعديل وسائل التدبير بحسب تطور البيئة الدولية. غير أن استمرارية القرار تحتاج إلى قدرة مؤسساتية على استيعاب المعلومات وتقدير المخاطر وقياس النتائج. فالدبلوماسية المعاصرة لم تعد تقتصر على المفاوضات السياسية، بل أصبحت مرتبطة بالاقتصاد والتكنولوجيا والأمن السيبراني والاتصالات الاستراتيجية وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

ومن ثم، فإن تطور الدبلوماسية المغربية يطرح ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات بعد نشوئها إلى الوقاية الاستراتيجية متعددة المستويات، التي تستبق مصادر التوتر من خلال المعرفة الدقيقة بمراكز القرار الخارجية، وتقييم التحولات الإقليمية، والمحافظة على قنوات التواصل المؤسساتي.

وتتحدد أهمية هذه الوقاية في قدرتها على تقليص الحاجة إلى استخدام أدوات الضغط، لا في تحويل العلاقات الدولية إلى فضاء خالٍ من الخلافات. فالتنافس بين الدول سيظل قائمًا ما دامت مصالحها غير متطابقة، لكن جودة التدبير الدبلوماسي تظهر في الحد من احتمالات تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

لقد اختلفت نتائج الأزمات المغربية مع القوى الدولية. ففي واشنطن جرى احتواء الخلاف بشأن المينورسو مع استمرار التحالف. وفي أزمة ليلى أُعيد الوضع السابق دون تسوية النزاع القانوني. ومع فرنسا تطور الموقف السياسي بشأن الصحراء وأُعيد إطلاق الشراكة. ومع إسبانيا في عهد سانشيز تغيرت المرجعية المعلنة لمدريد وأُبرمت خارطة طريق جديدة. وفي ألمانيا استؤنف التعاون ضمن حوار استراتيجي مؤسساتي، بينما شهدت السويد مسارًا بدأ بعدم تنفيذ الاعتراف الذي دعا إليه البرلمان، وانتهى لاحقًا إلى دعم مقترح الحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات.

ولا تسمح هذه النتائج باعتبار جميع الأزمات متشابهة، أو رد مآلاتها إلى إرادة طرف واحد. لكنها تقدم مادة كافية لفهم كيفية سعي المغرب إلى توسيع هامش قراره داخل علاقات غير متكافئة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وشراكاته الأمنية والاقتصادية واستمرارية توجهه الاستراتيجي.

وتكشف المقارنة بين هذه التجارب أن اختلاف طبيعة الأزمات ومآلاتها لم يمنع بروز منطق استراتيجي في تدبيرها، قوامه تقدير موازين القوة، والتحكم في كلفة الخلاف، والمحافظة على استقلال القرار السيادي. وتكمن الأهمية التحليلية لهذا المسار فيما يتيحه من فهم للعلاقة بين ثبات المصالح الوطنية وتغير الأدوات الدبلوماسية، وبين استمرارية الشراكات وإمكانية إعادة التفاوض بشأن مرجعياتها السياسية.

إن استقراء مسار الدبلوماسية الملكية في عهد جلالة الملك محمد السادس يتيح فهم التحول الذي عرفته إدارة المغرب لعلاقاته مع القوى الكبرى؛ من احتواء الأزمات إلى إعادة التفاوض بشأن المرجعيات السياسية والاستراتيجية التي تحكم تلك العلاقات. وقد أظهرت التجارب المدروسة أن تفاوت الإمكانات لا يفرض بالضرورة الخضوع لإرادة الطرف الأقوى، متى امتلكت الدولة القدرة على تقدير موازين المصالح، وضبط كلفة الاختلاف، والمحافظة على بدائلها الاستراتيجية.

ومن هذا المنظور، تتبلور ملامح **عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية**، تقوم على التمييز بين السيادة باعتبارها حقًا أصيلاً للدولة، والقوة بوصفها قدرة متغيرة على حماية استقلال قرارها وممارسة حقوقها السيادية. فالسيادة لا تستمد مشروعيتها من التفوق المادي، غير أن ممارستها الفعلية تقتضي موارد اقتصادية وأمنية وتكنولوجية، وشبكة علاقات دولية تحد من مخاطر الارتهان الخارجي.

وتفضي هذه التجربة إلى قاعدة دبلوماسية مفادها أن السيادة تمنح الدولة حق القرار، بينما تمنحها القوة الاستراتيجية القدرة على حماية استقلاله؛ وأن فعالية الدبلوماسية تتحدد بمدى نجاحها في جعل احترام المصالح السيادية للدولة جزءًا من الحسابات الاستراتيجية لشركائها.

وفي هذا التمييز تكمن إحدى الدلالات العميقة لهندسة موازين القوة في الدبلوماسية الملكية. فالمغرب لا يحتاج إلى امتلاك مقومات القوة العظمى حتى يصون سيادته، وإنما إلى مواصلة بناء الموارد والبدائل التي تمنحه القدرة على الدفاع عن مصالحه دون الارتهان إلى اختيارات الآخرين.

فالدولة لا تعيد هندسة موازين القوة حين تغيّر حجم القوى المتقابلة، بل حين تنجح في تغيير حساباتها تجاه مصالحها. وتلك هي المسافة بين امتلاك السيادة وامتلاك القدرة على صون استقلال القرار السيادي.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق