كيف اهتدى بنكيران إلى توظيف القضية الفلسطينية لشحن المغاربة وتأجيج مشاعرهم بما يغذي التضليل ويكرس انعدام الثقة؟

من الابتزاز السياسوي الرخيص الذي ينم عن سلوك مريض شائع في بيئة “البيجيدي”، إلى التحامل على وزير الخارجية ناصر بوريطة واتهامه بـ”الدفاع عن الكيان الصهيوني”: بنكيران يرفع هذه المرة سقف التضليل والتخوين إلى حده الأقصى بتهجمه على محددات وثوابت السياسة الخارجية المغربية مستخدما نفس القاذورات الكلامية التي دأبت عليها الطغمة الحاكمة بالجزائر لإظهار المغرب وكأنه يبارك سياسة التقتيل والتهجير الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وقراءة هادئة ومتأنية في بيان الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، تدلنا على أن الحزب ترسخت لديه القناعة  بأن  مشروعه الإسلاموي فشل في كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يعد بإمكانه مرة ثانية سرقة السلطة من خلال استخدام الدين وإيهام المغاربة بأن وصول الإسلام السياسي إلى السلطة بقدر ما هو اكتمال للإسلام يحفظ المؤسسة الملكية من الانفلات الاجتماعي، فهو  يحقق من جهة ثانية نهضة اقتصادية وتنموية شاملة بالبلاد. مثل هذه القناعة جعلته يخطط لمناورات أخرى يتصالح من خلالها مع صناديق الاقتراع التي لفظته كما تلفظ الوديان الأسماك المريضة لتموت. هزيمة في حجم الفضيحة أصابت الحزب بعقدة اللسان طيلة أشهر إلى أن نطق ببيان فيه من الابتزاز والتخوين ما يكرس السلوك الرخيص للحزب في تكريس الخداع وتسويق الكذب والسراب للمغاربة.

ملخص البيان أن “استهجنت” الأمانة العامة للحزب مواقف وزير الخارجية وألصقت له تهمة “المدافع عن الكيان الصهيوني في بعض اللقاءات الإفريقية والأوربية”. مثل هكذا كلام اقترضه البيجيدي لفظا ومضمونا من أدبيات أعداء الوطن، وسبكه في بيانه بنيّة شحن المواطنين وتأجيج مشاعرهم عبر توظيف القضية الفلسطينية والبناء عليها كقضية مقدسة لا تقبل المساومة. غاية البيجيدي من تخوين رئيس الدبلوماسية المغربية والتحامل على ثوابت ومحددات السياسة الخارجية التي تضع القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها إلى جانب القضية الوطنية، هو الظهور بمظهر حامي المغرب من أية منزلقات قد تنحرف إليها السياسة الخارجية المغربية، والسعي من خلال ذلك إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية وتنصيب نفسه كحامل لهموم وتطلعات المغاربة في الشأن الداخلي كما الخارجي. 

مناورة من هذا القبيل تستوجب طرح أسئلة بسيطة تقودنا الإجابة عنها بشكل لا لبس فيه إلى حقائق دامغة مفادها أن البيان لا علاقة له بقدسية القضية الفلسطينية ولا بتخاذل الدبلوماسية المغربية. وإنما هو ابتزاز سياسوي رخيص الغاية منه تخويف المغاربة من أن الدبلوماسية المغربية بصدد التفريط في القضية الفلسطينية، وبث البلبلة والشقاق بين أبناء البلد الواحد. فلنسأل البيجيدي وأمينه العام عبد الإله بنكيران: ألم تأت إعادة العلاقات مع إسرائيل في سياق مرتبط باعتراف الولايات المتحدة رسميا بالسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه؟. ألم يعرب حزب العدالة والتنمية الذي كان يرأس التحالف الحكومي عن دعمه لهذه المبادرة التي كان طرفا فيها بواسطة أمينه العام السابق سعد الدين العثماني؟. ألم يوقع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بصفته رئيسا للحكومة في دجنبر 2020 على اتفاق استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل إلى جانب كل من جاريد كوشنر ومئير بن شبات، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي؟ كيف يجرؤ الحزب اليوم على التحامل على القرارات الحكومية التي كان طرفا فيها؟ وكيف أوقعه التهافت السياسي في تبني مواقف وخطابات أعداء المغرب التي يروجون لها ويعتبرونها سببا لمعاداته؟. كل هذه الأسئلة وغيرها تقودنا إلى حقيقة دامغة وهي أن الحزب كاذب ومناور يمارس السياسة بأقنعة مزدوجة ومن دون قناعة سياسية بعينها أو منظومة مبادئ وأخلاق يدافع عنها، فهو ينقلب ويتقلب بسرعة قياسية من الضد إلى الضد كلما اقتضت مصلحته ذلك. وكل الوسائل بالنسبة إليه متاحة إذا كانت ستكسبه نقط ارتكاز ضاعت منه بسب عقد من التدبير الكارثي للحكم، وغوص قيادييه في فضائح أخلاقية وسياسية مدوية. 

استخدام الورقة الفلسطينية وتغليفها بسيل من التهم والمغالطات تذهب إلى حد استهداف الثوابت المغربية وتخوين رئيس الدبلوماسية المغربية، تقتضي متابعة قضائية وإدانة حكومية وبرلمانية واسعة، ووقفة قوية من لدن الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية للتنديد بقاذورات البيجيدي التي تجاوزت حدود المواقف وإبداء الرأي إلى سقف أعلى يصب في اتجاه التضليل والتخوين، وأصبحت أدبياته بشأن فلسطين تأخذ من فرط تكرارها طابع الشحن والتسميم لمواطنين يعتقد هؤلاء أنهم عديمو الإدراك، فيحاولون صياغة وعيهم على مزاجهم بما يغذي التضليل ويكرس انعدام الثقة بين أبناء الشعب الواحد.

والملفت أيضا أن الفكر الشعبوي المترسخ في أدبيات البيجيدي،كما يتقن بشكل كبير فن الدجل والكذب، فإن لديه خبرة فريدة في اختلاق المبررات والمسوغات المقبولة لاقتحام قلوب الناس وتحويلها إلى الهدف المنشود. ومن هنا فإن خطورة بيانه تتجلى ليس لأنه فقط تخويني متطاول على الصلاحيات الدستورية للملك، ولكن كون أصحابه يدركون أن فلسطين أم القضايا بالنسبة للمغاربة وكلما كانت الخدعة كبيرة بشأنها، كان تصديقها أسهل. هكذا بنى حزب المصباح سياسته منذ عقدين ويزيد، على قناعة سخيفة بأن المغاربة بحاجة بين الفينة والأخرى إلى أقراص سياسوية دينية (على غرار إسرائيل عدوة للإسلام وللمسلمين.. وما إلى ذلك) لتنشيط جانبهم الروحي ومن ثمة شحنهم وتقوية فرص الاستقطاب في صفوفهم.

فظاعة هذا الابتزاز الرخيص الذي يستمتع بتسويق التضليل والوهم للرأي العام الوطني، لا تقل فظاعة عن الأداء المثير للتذمر والسخط الذي ميز حكم البيجيدي. والعالة تكمن في الإسلام السياسي الذي سرق به “البيجيديون” الحكم، وهو إسلام يشكل خطرا حقيقيا ليس فقط على المجتمع المغربي، بل على سمعة الإسلام نفسه، حيث استعمال الدين في مجال السياسة هو أبغض وسيلة للكذب على الشعوب وأشدها خطرا على أمنها واستقرارها.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق