عرف به أبو العباس بن إبراهيم في الجزء السابع من الاعلام بمن حل مراكش واغمات من الأعلام بهذه السيرة .
( هو محمد بن عبد الله بن عبد الكريم الصفار لقبا، الأندلسي أصلا، التطواني نشـأة ودارا، المراكشي مدفنـا، الفقيـه، الكاتب الخير النزيه، العلامـة الأفضـل. ولد في العشيرة الثانية من القرن الثالث عشر بتطاوين وبها نشأ وتلقى المبادئ العلمية على مشايخها ).
وخص الفقيه محمد داود في تاريخ تطوان للسيد محمد الصفار تعريفا مفصلا بما توفر لديه من تقييد لكاتب مجهول سجل حياة الصفار في اثنتي عشرة صفحة كان يحتفظ بها العلامة الاديب محمد المنوني رحمه الله في الخزانة الزيدانية بمكناس قبل أن تنقل إلى الخزانة الملكية بالرباط وعنها أثبت الفقيه داود جل المعلومات في تاريخه بعد اطلاعه على التقييد المشار إليه : ( لما هاجر أسلافه من الأندلس مع من هاجر بسبب احتلال الاسبان لها قصدوا أولا مدينة القيروان ثم ثغر تطوان والبعض منهم مدينة فاس، وحفدتهم كانوا عمالا بها، والبعض قصد مكناسة الزيتون.
وسبب اتصال الفقيه الصفار بالسلطان الأعظم مولانا عبد الرحمن نور الله ضريحه، أنه أمر كافة عمال إيالته بأن يتخذوا الكتاب من المدن الذين يحسنون الإنشاء والترسيل حيث كانت مكا تبتهم ترد على الأعتاب الشريفة بخط طلبة البادية الذين لا يفهمون خطابا ولا يحسنون جوابا ولا يعرفون نحوا ولا لغة، ومن جملة العمال، عامل تطوان الحاج عبد القادر أشعاش، فطلب من الفقيه الصفار أن يأخذ بيده في أجوبة المكاتب التي ترد عليه من الحضرة الشريفة، فامتنع من ذلك، ولا زال يستعطفه حتى ساعده على ذلك، ولما وصل أول كتاب كتبه على لسان العامل المذكور لسيدنا مولانا عبد الرحمن رحمه الله، استحسنه وقال: الآن اتخذ أشعاش الكاتب، وسأل عنه فعرفه علماء حضرته بحاله ونسبه حيث كانوا معاصرين له زمن قراءته العلم بفاس .
ولما عين السيد عبد القادر أشعاش حاكم تطوان سفيرا لدى فرنسا كما أشرنا إلى ذلك عند الحديث عن هذه الشخصية، كان الصفار ضمن الوفد المغربي حيث تولى الكتابة. وقد طغت سفارة الصفار على رئيس الوفد عبد القادر أشعاش بما خلفه من أثر أدبي، وهو تسجيل هذه الرحلة التي ذاع صيتها ذيوعا كبيرا في الاوساط الفرنسية والاسبانية، وترجمت إلى عدة لغات وأصبحت ضمن الرحلات الدبلوماسية العالمية .
وبعد رجوع الوفد من السفارة بحوالي خمس سنوات، دخل الصفار في دائرة المخزن وعين كاتبا لرئيس الحكومة (الصدارة) ثم تولى منصب رئيس الحكومة وعاش مع ثلاثة ملوك. وهي المرحلة السياسية من عهد الصفار ضمن الترجمة الذاتية لكاتبها المجهول فيقول: (( إن أشعاش لما عزم على الذهاب لفاس لحضور بعض الاعياد مع جلالة السلطان قدسه الله، صحب معه الفقيه الصفار بقصد المشورة معه فيما يعرض له، ولما انقضت حفلة العيد، قبض السلطان على أشعاش المذكور وحيز متاعه ودوابه لجانب المخـزن، وسأل السلطان عن الفقيه الصفار، فأخبر بمجيئه فأمر رحمه الله بإتيانه لحضرته ولما بلغه سؤال السلطان عنه هجس بخاطره هاجس، فاحتمى بضريح سيدي عبد القادر الفاسي رضى الله عنه، فأعلم مولانا عبد الرحمن قدسه الله بذلك، فوجه عليه في الأمان، ولما مثل بين يديه قال له: لك الأمان لانك لم تشارك أشعاش فيما ارتكبه من الجرائم، والمقصود عندنا أن يتبرك بك أولادنا، وعين له أوقات القراءة معهم، ومؤنته تأتيه من طعام مولانا عبد الرحمن رحمه الله من داره السعيدة صباحا ومساء. وبقي معتكفا على القراءة مع الشرفاء مدة، ثم طلب من السلطان قدسه الله، إذنه الشريف في صلة رحمه بتطوان، فوقع على طلبه بخطه الشريف، لا زال الغرض بك، ثم بعد مدة أعاد طلبه بذلك فوقع عليه السلطان رحمه الله بقوله أيضا : لازال الغرض بك ويفهم منه قدس الله روحه أنه كان عازما على ترشيحه للوزارة، وإنما كان ينتظر وصول إبانها، والله أعلم .
ولما عزم السلطان رحمه الله على التوجه لمراكش، أنعم عليه بثلاثمائة ريال وأمره بصحبة ركابه الشريف لاجل استئناف القراءة مع الشرفاء حيث ظهرت نجا بتهم وخصو صا نجله مولاي علي حتى بلغ الرتبة العليا في العلم الشريف، وفي أثناء تلك المدة رشح السلطان رحمه الله، الفقيه المذكور كاتبا بالصدارة مع لزوم القراءة مع الشرفاء في أوقاتها، وكان السلطان رحمه الله ينصت لقرائته مع الشرفاء، وبعد الفراغ منها يتذاكر معه في عدة فنون، ويقدمه للصلاة إذا لم يحضر الإمام الراتب، وإذا أراد السلطان رحمه الله التزوج بامرأة، فهو الذي يعقد له عليها، وكذلك أنجاله الكرام، ولا زال عقد نكاح ولده الخليفة مولاي اسماعيل بيد ورثته بخط الفقيه المذكور وشكله، ثم بعد ما رشحه للكتابة بالصدارة – كما قلنا – استوزره بعد عزل الفقيه السيد العربي الجامعي.
الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية
للمؤلف: محمد الحبيب الخراز
(بريس تطوان)
يتبع…