كتبت الجريدة الإلكترونية الفرنسية “Mediapart” مقالا شديد اللهجة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي حسب ذات الجريدة ومنذ إعادة انتخابه، أصبح أكثر عزلة من أي وقت مضى ويثير الغضب ضده متجاهلا كل التنبيهات الموجهة إليه، مقتنعا بأنه لا يزال بإمكانه السيطرة على إيقاع البلاد في حين بدا أنصاره الأكثر ولاءً يشعرون بخيبة أمل.
وأشارت الجريدة إلى أن اللقاء الذي كان مقررا عقده مساء الثلاثاء المنصرم مع المنتخبين الموالين له وصفه الكثيرون بعدم الفعالية ولن يحل الكثير من المشاكل العالقة ووفقًا لعدد من الشخصيات من الأغلبية التي أصبحت هجينة ومفككة، منذ أن اختار رئيس الدولة اللجوء إلى القانون 49-3 من أجل تمرير إصلاح نظام التقاعد بالقوة.
عزلة السلطة
أصبح قصر الإليزيه قلعة حزينة تخترقها كل الرياح ويُطلب من الصحفيين عند البحث عن الأخبار بالاكتفاء فقط ببعض المعطيات غير المكتملة والجمل الفضفاضة ولا يلتقي الوزراء برئيس الدولة إلا في مناسبات نادرة ولا يفهم مستشارو الإليزيه أنفسهم ماذا يفعلون هناك، كل هذا العالم يراقب بلا حول ولا قوة، وجميع التفسيرات المقدمة من طرف الملحقين الصحفيين بقصر الإليزيه أكدت الإحساس بالفراغ وبالخروج التام عن التغطية، وأن هذا الاتجاه ليس بالجديد، كما ذكرت جريدة Mediapart عدة مرات، لكنه ساء في الولاية الثانية.
فالأشخاص القادرون على التحدث بصراحة إلى رئيس الجمهورية هم بالفعل قلة ومحسوبون على رؤوس الأصابع وذلك قبل إعادة انتخابه، أما الآن، فهم لا يشغلون إلا قلة، خصوصا أن المعني بالأمر أصبح الآن حذرًا من كل شخص ومن كل شيء ومنزعج من طموحات الأشخاص.
ولا يمكن لرئيس الدولة أن يعتمد في محيطه فقط على كاتبه العام، الرجل القوي في الإليزيه أليكسيس كولر، وعدد قليل من أشباه “الاستراتيجيين” وفي الأغلبية كما في الحكومة، يرى الكثيرون أن سلوك وردود أفعال هؤلاء منحطة ولا يدركون ولا يفهمون أي شيء بشأن ما يجري”، وهذا حسب شخصية ماكرونية يائسة مما يقع، مشيرًة إلى المدى القصير للحياة السياسية لهؤلاء.
فمع كل صعوبة جديدة، حسب نفس المصدر، ينتظر إيمانويل ماكرون كيف ستسير الأمور، وبدلاً من أخذ زمام المبادرة لتجنب المشاكل، فإنه يترك الأمور تتفاقم، متوهما أنه “في غضون ثلاثة أيام، سينتقل الناس إلى شيء آخر «ولا يزال يعتبر نفسه قادرا على ضبط إيقاع البلاد، كما أنه لايزال مسلما بقدرته على القرار رغم تنامي التعبئة.
وتقول الجريدة إنه إذا ما صدقنا أن أول أصداء تسربت من الإليزيه، فإن رئيس الجمهورية لا يزال يسعى إلى منح نفسه الوقت ولن يصدر أي إعلان يوم الأربعاء. ويبدو أنه لن يستسلم تحت أي ضغط. على المدى القصير ولن يفكر في تعديل وزاري أو استفتاء أو حل الحكومة ولا يشغل باله، تضيف الجريدة، إلا استقبال الملك البريطاني تشارلز الثالث في قصر فرساي الأسبوع المقبل.
إيمانويل ماكرون لديه مشكل واحد فقط: هو نفسه.
إلى ذلك الحين، يسخر من الوضع موال سابق لرئيس الدولة، قائلا بأنه “سيفعل كالمعتاد … لا شيء” على أي حال. ويشير نفس المصدر إلى أن الغضب المعبر عنه في الشارع يتجاوز الموضوع الوحيد لإصلاح نظام التقاعد. فهذا الغضب يتجسد حول شخص إيمانويل ماكرون وطريقته في ممارسة السلطة: “وحشية واحتقار وانفرادي”.
الجريدة تؤكد على أنه بعد انتخابه للمرة الثانية على التوالي ضد اليمين المتطرف، بدون أغلبية في الجمعية الوطنية، فمن الواضح أن رئيس الجمهورية لم يفهم الرسائل والتنبيهات التي تم إرسالها إليه ورؤيته لنفسه هي صورة نرجسية، ومقاربته للأحداث بعيدة عن الواقع، وتكشف ذات الجريدة على الواقع السياسي الحالي بفرنسا فلتنفيذ سياساته الليبرالية – التي من دونها سينهار كل شيء – استراتيجياته السياسية – تصفية حزب الجمهوريين – فرئيس الدولة مستعد لجعل البلد تغرق، حتى لو كان ذلك يعني دفنًا نهائيًا لما تبقى من التماسك الاجتماعي، في هذا السياق، تبدو جميع الحلول التي تتخيلها السلطات هي سخيفة. لأن المشكلة لا يمكن حلها من قبل الشخص الذي هو السبب الرئيسي في خلقها.
والخلاصة لدى من دعموا رئيس الجمهورية منذ عام 2017 وعباراته الصغيرة وإهاناته وصمته وصورة الكمال التي صورها لهم قبل بضع سنوات قد تم تشويهها وبدأ الكثيرون في فهم أن إيمانويل ماكرون لديه مشكل واحد فقط: هو نفسه.