بودومة يرثي جواد ب”مسرح الجريمة”: هذا المحروق سيعيش طويلا. هذا المحروق لن يموت. لعنته ستظل تطاردنا، كما في التراجيديا الإغريقية. سامحنا يا جواد. سامحنا لأننا لم نر اللهب

Écrit par

dans

بودومة يرثي جواد ب”مسرح الجريمة”: هذا المحروق سيعيش طويلا. هذا المحروق لن يموت. لعنته ستظل تطاردنا، كما في التراجيديا الإغريقية. سامحنا يا جواد. سامحنا لأننا لم نر اللهب

جمال بدومة كاتب وشاعر ومسرحي//

هذا المحروق سيعيش طويلا. هذا المحروق لن يموت. لعنته ستظل تطاردنا، كما في التراجيديا الإغريقية. سامحنا يا جواد. سامحنا لأننا لم نر اللهب. لم تصلنا الصرخة، لم ننتبه للأنين، لمحنا الشرارة لكننا تركناك تضرم النار في جسدك الهزيل، كي نرثيك. أسمع الآن بَحّتك المؤلمة:

“يُحبُّونَنِي مَيِّتاً لِيَقُولُوا: لَقَدْ كَان مِنَّا وَكَانَ لَنَا. سَمِعْتُ الخُطَى ذَاتَهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَاماً تدقُّ عَلَى حَائِطِ اللَّيْلِ. تَأتِي وَلاَ تَفْتَحُ البَابَ. لَكِنَّهَا تَدْخُلُ الآن..”

كم طرقت من باب ومن حائط ومن ليل ومن نهار. لم يسمعك أحد. لا الوزير ولا المدير ولا الصديق ولا الزميل ولا الفنان ولا الشاعر ولا الزجال ولا الدجال ولا القريب ولا البعيد… كان يمكن أن نصنع شيئا آخر من أجلك يا جواد. يا صديقي. فات الاوان. وهذه النار مخيفة جدا. ستحرقنا جميعا.

https://fb.watch/jH7Xic_CLv/?mibextid=cr9u03

كيف لم ننتبه؟
من ثلاثين سنة وأنت تتدرب على اللهب. من ثلاثين سنة وانت تتمرن على هذه التراجيديا الرومانية الرهيبة. من ثلاثين سنة وانت تهيء جسدك كي تنثره رمادا على رصيف اليوم العالمي للمسرح. من ثلاثين سنة وأنت تحفظ الدور، تفتش عن الإحساس، عن النبرة، عن الصرخة، عن الشرارة، عن عود الثقاب…. لكننا لم ناخذك يوما على محمل الجد!

كيف لم ننتبه؟
كنا نحضر تداريبك كل موسم تقريبا، منذ بدأتها عام 1994 أمام المسرح البلدي في الجديدة، الذي صار يحمل اسم محمد عفيفي. بجسدك انقدته من الهدم، وعندما أعيد افتتاحه مؤخرا، بدل أن يعهد إليك بإدارته أو تنشيط فضاءاته، لم توجه إليك حتى دعوة تافهة كي تحضر مراسيم الافتتاح… الغبن قاتل!

كيف لم ننتبه؟
كنا نشعر بالدهشة والتطهير كلما حضرنا تداريبك الرعناء، بسطل البنزين وعود الثقاب. مسرحية مجنونة في اليوم العالمي وفي اليوم الوطني وكلما تعرضت للظلم والغبن. أحيانًا كنا نضحك: إنه مجرد تمثيل! إنها كوميديا أحمد جواد… لم نكن نعرف أن العرض النهائي كان مقررا في 27 مارس 2023، في الهواء الطلق، وأن المسرحية مأساة!

سامحنا أيها البطل الإغريقي. قبل أشهر قليلة، أرسلت لي عبر صديقنا الشاعر والمسرحي أيوب العياسي تحية جميلة بصوتك الذي لا يزيد إلا تراجيديةً كل مرة أعيد سماعه. سأنشرها اليوم تحية مني الى رمادك. آثرت أن تهديني ببحّتك قصيدة عنوانها “جبال الريف”، كنت قد نشرتها في صفحتي على فيسبوك، وهي تحكي قصة جدي وثلاثة من رفاقه الذين حملوا السلاح مع عبد الكريم الخطابي، سلاّم والحسين وبوجمعة. بينما كان الاربعة مختبئين في أحد البيوت، يستعدون للالتحاق بالمقاومين، داهمتهم قوات الاحتلال، وأثناء المواجهة قُتل الحسين، واعتقل سلام، فيما نجح جدي في الفرار، أما بوجمعة فلم يحدث له شيء، لأنه ببساطة كان عميلا للاستعمار، وهو من باع رفاقه المقاومين. هكذا تنتهي القصة:

“مشاتْ ايام وجات اخرى
اللي هزّ لْعلام عاش الحگرة
والشكّام خْدا وِسامْ
قبر الحُسينْ ما عرَفناه فينْ؟
جدي وسلاّم ولاّوْ أوباش
هاد الشي علاش
بلا ما تَكْعا
ملي نگوليك بلادي صَگْعَة
حاكمينها ولاد بوجمعة”

كم هي مؤلمة هذه الكلمات بصوتك يا جواد. رحمك الله يا صديقي!

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *