على إثر ما نشرته صحيفة ليكونوميست: ألم ننبهكم إلى خطورة تعيين سفير صغير السن والتجربة في بريطانيا؟  

من اروع المقولات التاريخية المأثورة، التي تحكى عن خروج العرب من غرناطة، آخر معاقل الفردوس المفقود، أن عبد الله الصغير، آخر ملوك غرناطة، انهار باكيا، وهو في طريق نزوحه نحو المغرب، فنهرته أمه، عائشة الحرة، بقولها: “ابك كالنساء مُلكا لم تحافظ عليه كالرجال”.

وإذا كانت مقولة عائشة الحرة تحمل في كنهها مرارة خسارة العرب في الأندلس، فإنها تظل صالحة لكل الأزمنة، بل إنها تصلح اليوم مقاسا وموعظة لكثير من شباب الحظوة والامتيازات والمظلات الراقية، الذين مكنتهم إمكانياتهم أو انتماءاتهم الأسرية للظفر بمواقع لا يحلم بها أبناء الأسر المتوسطة والضعيفة، مهما اجتهدوا في حياتهم. ثم إن هؤلاء المحظوظين لا يعيرون المهام التي يتكلفون بها كامل العناية والاهتمام، لأنها نزلت عليهم بلا جهد ولا مكابدة. وهكذا تراهم  يغرقون في عالم المتعة والترف والخيلاء، فلا يحسنون الأداء ولا  يرعون مسؤولياتهم خير رعاية.

ولسنا هنا بصدد سرد أسماء هؤلاء، إذ طالما نبهنا في مقالاتنا لكثير من الأمثال والنماذج، ومنهم، على سبيل الذكر لا الحصر، إخوة الحظوة الزعيتريون، ومثلهم أيضا فتية أعضاء الحكومة وفتياتها، وهم كثرة في التشكيلة الحكومية الحالية للأسف، خاصة المنتمين لحزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ومنهم ايضا بعض السفراء من أبناء الوزراء والأمناء والكتاب العامين الحاليين والسابقين، ولعل ابرزهم سفير المغرب في بريطانيا حكيم الحجوي.  

فمن أين لنا بأمهات من مثيلات عائشة الحرة، لكي تنبه حكيم الحجوي، وهو أصغر السفراء المغاربة، وفي ذات الوقت ابن أكبر أعضاء الحكومة سنا، ولكي توقظه من مرقده، أو تستشعره بتيهانه في الامبراطورية التي كانت يوما لا تغيب عنها الشمس.

وقد تتبعناه، بعد أيام قليلة من تعيينه سفيرا للمغرب في بريطانيا، فلم يكلفنا عناء في البحث عنه، إذ عثرنا عليه في عدة أمكنة سياحية وتاريخية وترفيهية وأندية، وهو مشغول بالتقاط صور السيلفي، ونشرها على صفحته بتويتر، كطفل صغير يقضي نهاره وهو يتلهى باللعب. 

لا احد أيقظ فينا هذه العودة للكتابة مرة اخرى عن أصغر سفير في واحدة من  أعرق الملكيات في العالم، عضو دائم في مجلس أمن الأمم المتحدة، سوى هذه الجرأة المبالغ فيها من مجلة “ليكونوميست” البريطانية التي أقحمت نفسها في الحياة الخاصة لملك المغرب وفي الشأن الداخلي لدولة المغرب، وسمحت لزمرة من سمار الليل التافهين، بأن يمرروا لها إشاعات وأكاذيب وجدت طريقها الى النشر في مقال دي محتوى طويل، وممل، وفاقد للصلاحية.

لكن، ونحن لا يهمنا الآن الرد على ترهات المقال، نتساءل عما يفعله السفير الصغير هناك في لندن، وهو يملك كل الوسائل والإمكانيات للتحرك والتأثير، بينما تمكنت جماعة صغيرة، تتكون من أربعة أفراد، خامسهم “منبوذ”: المتطاول على الصحافة ابو بكر الجامعي، والمراهق فؤاد عبد المومني، والهارب من الضرائب المعطي منجب، وعاشق “الشهيوات” كريم التازي، (تمكنت) من اختراق معقله الدبلوماسي وتسجيل أهداف من كل الزوايا؟

الم ينبه برلمان.كوم الى كل هذا حين نشر مقالا، بتاريخ 7 سبتمبر 2022، تحت عنوان “ماذا لو أن بريطانيا لم تحسم موقفها من الصحراء بسبب السفير المغربي الجديد“؟ وقد اعتبرنا في هذا المقال تعيين سفير من هذا الحجم والسن وقلة الخبرة، في دولة من ذاك الحجم والشأن والتاريخ، دولة البي بي سي (BBC) ورويترز (Reuters)، هو استصغار دبلوماسي سيكون له ما بعده، وقد كان ما توقعناه، وهاهو التأكيد يأتي من صحافة بريطانيا التي تهجمت علينا، وسفيرنا هناك في غفلة من أمره. 

وإذ ننشر رابط المقال فلكي نذكر بأننا كنا الوحيدين الذين نبهنا مرة اخرى الى ما يمكن أن يأتي من صحافة بريطانيا العتيدة، ومن محلليها المتمرسين في التحقيق والبحث عن المعلومة. وكان ذلك مباشرة بعد تعيين السفير الصغير، ابن شيخ وزراء الحكومة، في واحدة من أقدم ملكيات العالم (اقدم ملكيات العالم توجد في ست دول، ومنها المغرب).  

وحينما ظهر سفيرنا الصغير وهو يلتقط صورا مع الحراس أمام القصر الملكي في بريطانيا، ومزهو لوحده وسط الحاضرين لحفل أقامته الدولة هناك (الصور رفقته)، كما تباهى بصور اخرى في مأدبة غذاء مع سفيرة إسرائيل في بريطانيا تويبي هوتوفيل المعروفة بمواقفها المتطرفة…نبهنا حينها أن المسؤول المغربي لا يزال يصارع أمواج السن ومضاعفات المراهقة، وأن أعباء المهام أكبر بكثير من نزوعات السن وأحكامه. بل واقترحنا على  الخارجية المغربية حينها إعادته إلى بيت والديه، هنا في المغرب، والاحتفاظ بمنصبه شاغرا إلى أن يكبر سنه، و تنمو معارفه، وحينها بإمكانه أن يلتحق بمهامه في لندن، مقدرين أن هذا القرار هو أقل خطورة من تركه هناك.


وقد نقلنا يومها للرأي العام ردود فعل المعلقين والناشطين على صوره المنشورة على تويتر،  وكلها استهجان وانتقاد وتوبيخ، مطالبينه باحترام دولته ومهمته، وبأن لا يكثر من التباهي، ما دام في مهمة دبلوماسية وليس في رحلة سينمائية لالتقاط الصور والتباهي بالحفلات.

إن نتائج الاستصغار الدبلوماسي بمثل هذه التعيينات تنعكس سوءا على بلدنا وصورتنا، وها نحن نعيدها مرات ومرات لعلها تنغرس في معايير المعنيين بالتعيينات كبيرها وصغيرها. ولقد ذقنا ما ذقناه من رئيس تونس، فاضطررنا لاستدعاء سفيرنا هناك، وها نحن اليوم محتارين في أمر سفيرنا في لندن. 

نعم لقد قلنا حينها إن ما نراه من تورم في الدبلوماسية المغربية ليس بالضرورة شحما وبدانة او صحة وعافية، بل قد يكون عوارض الأمراض التعفنية، او علامة من علامات التدهور الصحي، سيرا على قول الشاعر الكبير المتنبي:

أعيذها نظرات منك صادقة.. أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وقد أنب المغرب احد المعلقين الغاضبين من شطحات السفير السابق بقوله : علموا سفراءكم قبل إرسالهم إلى دول أخرى.. ولعلها خير نصيحة.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق