
حميد زيد – كود//
وأخيرا.
وأخيرا صارت للدار البيضاء كاتبتها. واسمها ميلفينا ميستر.
وليس هذا فحسب.
بل صارت لكازابلاكا بفضل هذه الكاتبة الفرنسية المولودة في الدار البيضاء محققتها الخاصة.
وكما لمدينة لندن شارلوك هولمز فلنا من الآن فصاعدا غابرييل كابلان.
وكما للإنجليز أرثر كونان دايل لنا نحن ميلفينا ميستر. التي صدرت قبل أسابيع روايتها البوليسية الأولى Crépuscule à Casablance.

والتي تدور أحداثها في مدينة الداربيضاء. وفي السنة الأولى من خمسينيات القرن الماضي.
يبدأ هذا “البولار” باتصال من شخص يطلب من محققتنا أن تساعده في الحصول على حقيبة توجد في منزل زوجته. بذريعة وجود خلافات بينهما.
قبل أن تتحول هذه الحقيبة إلى لغز. وإلى لعنة تطارد كل الأطراف المعنية بها.
وقبل أن نكتشف أن بداخلها رسالة تدين المقيم العام الماريشال جوان. وتكشف علاقته بألمانيا النازية.
وأثناء ذلك تقع مجموعة من الاغتيالات.
ويظهر جواسيس. وعناصر مخابرات. وقتلة. ومجرمون من كورسيكا. وبوليس سري. و أمريكيون.
والكل يبحث عن الحقيبة. وعن حاملها. هنري ديلما. الذي لم يظهر له أثر منذ أن كلف غابرييل كابلان بإحضار الحقيبة. وعن لوميغر دوبروي مالك شركة زيوت لوسيير. الذي سيتعرض للقتل.
فكل الشخصيات في هذه الرواية حقيقية.
وحتى الجرائم التي ارتكبت.
وحتى الاغتيالات.
وحتى الصراعات السياسية. والخلافات. بين الفرنسيين. حول تواجدهم في المغرب.
وحتى دائرة الأقلية المثلية في المغرب. التي كان من أبرز وجودها تيودور أوير قنصل ألمانيا في الدار البيضاء
حيث نجحت الكاتبة ميلفينا ميستر في جعل الواقع يخدم الخيال. ويخدم محققتها الخاصة اليهودية القادمة من سالونيك اليونانية.
و ابتداء من الصفحات الأولى يشعر القارىء أن ميلفينا ميستر ابنة لمدينة الدار البيضاء.
وأن هذه الدار البيضاء لم يكتب عنها أحد من قبل كما كتبت هي عنها.
وأنها وضعتها كلها في عمل أدبي.
وأن هذا البولار. هذه الرواية البوليسية. فيها كل كازابلانكا خمسينيات القرن الماضي.
وتتجول بقارئها في أحيائها.
وفي شوارعها. وفي أزقتها. وفي حدائقها. وفي حاناتها. وفي كاباريهاتها.
وفي أسماء الشوارع القديمة.
وتأخذ القارىء ليدخل إلى كابريه le Coq d’Or. لمالكه المغني اليهودي المشهور سليم الهلالي.
الذي كان يقدم وصلات غنائية بنفس الكباريه.
وإلى أشهر المقاهي. وإلى فيوري. ولا شوب. وأوليفيري التي كان افتتحاها حدثا في تلك الفترة.
وإلى فندق ميرامار بفضالة.
وإلى ممر سوميكا.
وإلى الشركات في روش نوار. وإلى الفيلات في أنفا. وإلى الصويرة. الذي تزامن وجود المحققة غابرييل كابلان فيها مع تصوير فيلم عطيل لأورسون ويلز.
وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أعمال روائية مكتوبة بالفرنسية تدور أحداثها في الداربيضاء.
لكنها ظلت تنظر إلينا من فوق.
ظلت تتوجه إلى قارىء فرنسي رغم أن كتابها مغاربة.
بينما نشعر ونحن نقرأ ميلفينا ميستر أنها منا. وأنها ابنة مدينتا. وتحن إليها. وتحتفي بها.
كما لم يفعل مغربي من قبل.
فقد كانت قاعات السينما في الدار البيضاء تقدم الأفلام الأمريكية الجديدة. وأحيانا قبل أن تعرض في باريس.
كما أننا شربنا الكوكاكولا التي كانت تعتبر “مفخرة مغربية” قبل الفرنسيين. لأن السلطان كما يحكى كان شريكا في مصنعها.
ورغم أن المغربي غير حاضر بقوة في هذا العمل الأول للكاتبة ميلفينا ميستر.
باستثناء مساعد غابرييل كابلان ابراهيم.
إلا أن المقاومة ممثلة في هذه الرواية.
وهناك المطالبون بالاستقلال.
وهناك حضور طاغ للدار البيضاء.
بطلة هذه الرواية الأولى بدون منازع.
التي صارت لها محققتها الخاصة. التي ننتظر بفارغ الصبر مغامرة أخرى من مغامراتها.
في عمل ثان لميلفينا ميستر.
تدور أحداثه
في هذه المدينة التي لم تنل ما تستحقه من اهتمام أدبي.
Laisser un commentaire