
الوالي الزاز -كود-العيون///
[email protected]
حظي المعارض لجبهة البوليساريو، الفاضل ابريكة بشعبية كبيرة في مخيمات تندوف، وإستأثرت قضيته بالإضافة لناشطين إثنين معه بمؤازرة كبيرة داخل مخيمات تندوف بعد إختطافهم والزج بهم في سجن الذهيبية سيء الذكر، أين تعرضوا لمختلف أصناف التعذيب والنفسي والجسدي فيها منذ تاريخ الإعتقال الموافق لـ 18 يونيو إلى غاية 14 من شهر نونبر من سنة 2019.
وتحول الفاضل ابريكة بعد فترة الإختطاف وإطلاق سراحه، لاسيما إثر عجز جبهة البوليساريو عن إدانته إلى أيقونة مدافعة عن حقوق الإنسان، إذ أصر على الإنخراط في العمل الحقوقي والدفاع عن الحريات بمخيمات تندوف، مُعرفا بحقيقة الوضع فيها، ذلك المرتبط بالإنتهاكات الجسيمة والممنهجة في حق الصحراويين بمخيمات تندوف فوق التراب الوطني.
“گود” سألت الفاضل ابريكة عن مساره السابق في جبهة البوليساريو وتحوله لمدافع عن حقوق الإنسان وتجربته المريرة في السجن ووضعية حقوق الإنسان في مخيمات تندوف الآن.
سؤال 1: إذا أردتم تعريف الجمهور بكم، من هو الفاضل ابريكة؟
إسمي الفاضل بريكة، وأنا من مواليد مدينة الداخلة سنة 1968، كبرت في مخيمات تندوف منذ نشأتها على التراب الجزائري، وتم تجنيدي في صفوف بوليساريو في سن 14 عاما، وتم تعييني كضابط في الاتصالات العسكرية في سن 16، إلى حدون إعلان وقف إطلاق النار سنة 1991، ليتم إرسالي في مهمة بمنطقة الساحل والصحراء مع أعضاء ممن كنا نسميهم بجاليات الجنوب، وهم المجموعات البشرية القادمة من موريتانيا ومالي التي كانت تسكن معنا المخيمات. ارتكزت هاته المهمة التي كلفتنا بها البوليساريو والسلطات الجزائرية على تهيئ الظروف من تهجير أعداد هائلة من مناطق شمال مالي وشرق موريتانيا، الذين كنا نغريهم بالإلتحاق بالبوليساريو على أساس تأسيس دولة البيظان الجديدة، وكل ذلك كان من أجل التأثير في مخرجات تحديد الهوية، عبر تضخيم أعداد ساكنة المخيمات.
بعد ذلك بسنوات قليلة، لجأت للأراضي الإسبانية، التي استمريت فيها بصفوف بوليساريو، حيث كنت أساهم في جمع المساعدات الإنسانية لفائدة ساكنة المخيم، ونرسلها للرابوني قصد توزيعها على الصحراويين هناك. لكن مع توالي الأيام، خصوصا بعد أن نزحت لإسبانيا، أصبحت تتكشف أمامي الصورة الحقيقية لقيادة بوليساريو، وأصبح وهم “الدولة الصحراوية” يتهاوى، بعد خروج مجموعة من الحقائق إلى العلن، بما فيها تهريب المساعدات الإنسانية، وتناسل الروايات حول جرائم قيادة بوليساريو
السؤال الثاني: ما الدوافع التي جعلتك تكون في طليعة المناضلين ضد بوليساريو اليوم؟
بالنسبة لي، فإن النقطة التي أفاضت الكأس في علاقتي ببوليساريو، هي لحظة اختطاف ابن عمي القيادي الخليل أحمد بريه، الذي شكل قضية كبرى طبعت مساري النضالي ضد بوليساريو إلى اليوم. فالخليل لا يزال ضحية اختفاء قسري بالسجون الجزائرية منذ سنة 2009، وزاره إبنه بسجن لبليدة سنة 2011، غير أننا كأفراد عائلته لم نتمكن من معرفة مصيره منذ 12 سنة إلى اليوم. هذه القضية دفعتني إلى فتح صفحة من النضال، ضد من كنت أراهم إلى الأمس بني جلدتي، فقد اكتشفت تواطؤ كبير بين الجزائر وقيادة بوليساريو، من أجل سحق كل صوت يعارض توجههم، وهو فعلا ما تأكد لي مع الأيام.
نظمتُ يوم 05 مارس 2019 وقفة احتجاجية أمام السفارة الجزائرية بمدريد، وهي الوقفة التي شكلت شرارة احتجاجات عارمة بالمخيم، من أجل كشف مصير الخليل، ونفس الوقفة هي التي أثارت عداء بوليساريو والجزائريين ضدي، غير أنني استمريت في نضالاتي ضدهم، وبدأت في كشف ملفات انتهاكاتهم وفضحها، بما فيها ملف الطفلة صفية، التي اشتهرت حكاية اغتصابها وقتلها من طرف قياديين ببوليساريو، بالإضافة فضح العشرات من قصص التعذيب والقتل خارج نطاق القانون التي تورطت فيها بوليساريو بسجن الرشيد وباقي مراكز الإحتجاز السرية الموجودة بالمخيمات.
ورغم كل محاولات الإغراءات المادية من طرف الجزائريين وبوليساريو قصد شراء صمتي ، طورت مع الزمن أشكال سلمية في نضالاتي ضدهم، حيث أعلنت التحاقي بالمبادرة الصحراوية من أجل التغيير التي أطلقها الحاج أحمد باركللا، والتي شكلت أحد محاور النضال من أجل الحقيقة بالمخيمات.
سؤال الثالث: نعرف أنه على إثر احتجاجاتك السلمية، تم اختطافك من طرف بوليساريو، هل يمكن أن تقرب القراء مما وقع بالضبط قبل وبعد اختطافك؟
يوم 27 أبريل 2019، قدمت من إسبانيا للمخيمات، في زيارة لأمي التي كانت مريضة آنذاك، وتلقيت على إثر تواجدي هناك تهديدات مباشرة بالقتل، من طرف مبعوثين من براهيم غالي وسيد أحمد البطل. كان المخيم في ذلك الوقت يشهد حراكا حقوقيا ضخما، على إثر حظر حركية الصحراويين داخل خارج المخيم، وهو ما جعل الظروف مواتية لتأجيج عملنا النضالي ضد الرابوني والجزائريين، حيث نظمت رفقة مجموعة من الصحراويين، وقفة أمام مفوضية غوث اللاجئين، وكانت لحظة فارقة في سعينا لإسماع صوت المقهورين بالمخيم.
في يوم 18 يونيو 2019، كنت في زيارة لأحد المراكز الطبية الموجودة هناك من أجل الإستشفاء، حيث دامهتني مجموعة من عناصر ميليشات بوليساريو، التي انهالت علي بالضرب، واختطفتني إلى سجن الرشيد، الذي قضيت فيه أسابيع تحت التعذيب، وبعدها إلى سجن الذهيبية، الذي بقيت فيه رهن الإحتجاز والتعذيب لمدة أشهر، قبل أن تخضع السلطات الجزائرية وبوليساريو للضغط الدولي ويطلقوا سراحي، بعد الهبة الحقوقية الدولية التي شاركت فيها منظمات دولية عديدة، بما فيها الآليات الأممية لحماية حقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس ووتش، الذين راسلوا الجزائر من أجل حثها على إطلاق سراحي، كما أن الأمين العام للأمم المتحدة تطرق لقضيتي في تقريره السنوي حول الصحراء. كل هذا كان مصدر ضغط على النظام الجزائري ومعه بوليساريو، الذين أطلقوا سراحي صاغرين.
كل نضالاتي السلمية ضد بوليساريو، لم تجد أي دعم أو مساندة ممن يسمون أنفسهم بالحقوقيين الصحراويين، الذين يقدمون أنفسهم للعالم كمدافعين عن حقوق الإنسان. كل هؤلاء اختاروا الصمت عندما كنت رهن الاختطاف من طرف بوليساريو، وهم أنفسهم من يبلعون ألسنتهم عندما يتعرض الصحراويون بالمخيم للتنكيل من طرف الجزائريين وبوليساريو؟ وهنا أطرح السؤال: أليست ساكنة المخيم صحراويون يستحقون الدفاع عنهم؟ لماذا لا نسمع هؤلاء يوما يتحدثون عن الضحايا الصحراويين مثل الطفلة صفية والخليل أحمد والمئات من الصحراويين المختفين بسجون بوليساريو؟ لماذا لا نسمع لهم حديثا عن الشباب الصحراويين الذي أحرقهم الجيش الجزائري داخل الحفر، في مشهد يذكرنا بعهد محرقات هتلير البشعة؟
سؤال الرابع: كيف تقيمون الوضعية بالمخيمات، بالنظر إلى تصاعد موجة الاحتجاج على إثر تزايد القمع ضد قبيلة السواعد؟
الوضعية بالمخيم، لا يمكن أن نفهمها دون أن نربطها بحجم الفشل الذي راكمته البوليساريو على امتداد السنوات الأخيرة. فقيادة بوليساريو، وبالخصوص بعد اتخاذها لقرارها المتهور بخرق وقف إطلاق النار سنة 2023، وضعت نفسها في موقف حرج جدا أمام صحراويي المخيمات، بحيث خسرت ورقة الكركرات التي كانت تستعملها كورقة ضغط على المغرب، وذلك بعد تأمين معبر الكركرات تماما من طرف الجيش المغربي، وهو الشيء الذي أسس لواقع جديد على الأرض، فالحزام الأمني جنوبا، قد تم مده إلى الحدود الموريتانية، ليقطع دابر بوليساريو ومحاولاتها التضييق على حركية العربات على الطريق الدولية، أما الجزء الشمالي منها قرب تويزكي، فقد أصبح يشمل أراضي كانت بوليساريو إلى الأمس القريب تستغلها في أنشطتها التهريبية، دون الحديث عن الخسائر البشرية التي تعد بالعشرات في ما كانت تسميه بوليساريو بالأراضي “المحررة”، وأصبحت اليوم أراضي محرمة على ميليشياتها.
هذه التطورات على الأرض فضحت أوهام الأقصاف التي تروج لها البوليساريو، لتنضاف إلى العوامل التي خلقت واقعا جديدا بالمخيمات، مع انكسار حاجز الخوف لدى الصحراويين هناك، خصوصا في ظل تنامي السخط لدى الشباب من الممارسات الإجرامية لقيادات بوليساريو وعائلاتهم. وكان أحد تمظهرات هذا السخط والغضب تجاه الرابوني، إيقاف شاحنة تابعة لأحد قياديي بوليساريو مخصصة لتهريب البنزين، من طرف مجموعة من الشباب الصحراويين قبل أسابيع، كانت في طريقها تجاه شمال مالي وموريتانيا، حيث توجد أسواق تهريب المساعدات الإنسانية الموجهة للمخيمات.
قيادة بوليساريو، على ضوء كل ما راكمته من الفشل، أصبحت تواجه بعنف، أي شكل من أشكال الاحتجاج، وهو ما وقع بالضبط ضد توقيف شاحنة تهريب البنزين، حيث اختطفت عناصر بوليساريو، المناضل الصحراوي محمد سالم ماءالعينين سويد، بعد بثه لفيديو على صفحات التواصل الاجتماعي، يفضح فيه ممارسات قيادة الجبهة.
وكان اختطاف ولد سويد، بمثابة الشرارة التي أشعلت احتجاجات قبيلة السواعد، وهي للإشارة قبيلتي أنا أيضا، والتي لا تزال تقود منذ أسابيع مظاهرات واعتصامات مفتوحة في مواجهة الالة القمعية التابعة لبوليساريو، رغم ما تعرض له شبابنا ونساءنا من تعذيب وتنكيل.
هنا يجب أن ننتبه لمسألة هامة في محاولة فهم ما يقع بالمخيمات، فالجزائر، التي تريد أن تسلم زمام الأمور بالمخيمات لقياديين من أصول جزائرية، فرضت تكليف مريم السالك حمادة، بوزراة داخلية بوليساريو، وهي الجزائرية الأصل، المعروفة بعلاقاتها المشبوهة مع ضباط المخابرات الجزائرية، وذلك لتسهيل تنسيق عمليات قمع أي صوت معارض بالمخيمات. ومنت حمادة ليست إلا مثال للعديد من قيادات بوليساريو المعروفين بالحسانية “بصحراويي انطلاقة كيل”، أي من يقدمون أنفسهم كصحراويين، وهم ليسوا إلا جزائريين يحتفظون بمنازلهم بمدينة تندوف، التي انطلقوا منها على بعد مسافة كيلومتر واحد ليقطنوا المخيمات، ولم يعرفوا الصحراء أبدا.
هؤلاء هم من يعتمد عليهم الجزائريون، في التحكم في بوليساريو، وقمع الصحراويين المنحدرين من الصحراء، وحرق محلاتهم التجارية ونهب قوتهم. واستهداف قبيلة السواعد اليوم، يعكس الخوف لدى الجزائريين من قبائل الساحل، التي يريدون أن يكسروا تمردها بالعنف، حتى يتم بث الخوف في نفوس باقي المكونات القبلية، وليتمكن الجزائريون من القبض بالقوة بزمام الأمور بالمخيمات.
السؤال الخامس: كيف تنظرون لمستقبل عملكم النضالي ضد الواقع المزري بالمخيمات؟
أنا أعتبر أن الحريات التي ننعم بها في بلدان اللجوء، هي فرصة يجب أن نستغلها من أجل خدمة حقوق أهالينا بالمخيم، وهذا ما دفعني إلى أن أبدأ معركتي الجديدة أمام القضاء الإسباني، ضد براهيم غالي ومن معه من المجرمين. التوجه للقضاء الإسباني، بصفتي لاجئ بإسبانيا، يشكل فرصة لمقاضاة غالي، كونه أحد أكبر الجلادين، ولديه الجنسية الإسبانية.
معركتنا من أجل حقوقنا لا تزال مستمرة، وبوليساريو الذين يروجون بأن القضية أغلقت، يعرفون بأن مسار التقاضي متواصل، وأن القضية تنتظر الإستماع لكل الضالعين في تعذيبي وتعذيب وقتل العشرات من الصحراويين، وأنا سأتابع هذا المسار حتى ينتهي، ولو تطلب الأمر رفع قضيتي أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
في نفس الوقت، أنا أشارك بشكل مستمر في دورات مجلس حقوق الإنسان بجنيف، حيث أقدم ترافعات شفهية أمام الدول الأعضاء، وأتفاعل مع الآليات الأممية بخصوص موضوع حقوق الإنسان بالمخيمات، وهو عمل حقق نتائج هامة، كان من بينها المقرر الاممي الصادر عن الفريق العامل المختص بالاحتجاز التعسفي، والذي شكل ضربة موجعة للنظام الجزائري ولمن يحاولون إسكات صوتي ضد الظلم الذي يطال الصحراويين على التراب الجزائري.
يجب على كل الأصوات الحرة أن تنتفض ضد قيادة بوليساريو الجاثمة على قلوب الصحراويين بالمخيمات لأكثر من خمس عقود. لقد ترسخت لدي القناعة بأن عدو الصحراويين الأول هم هاته القيادة وكل الذين يدورون في فلكهم، الذين ينهبون قوت الضعفاء بالمخيمات، ويستغلونهم لأهدافهم السياسية الدنيئة. كل المكونات القبلية بالمخيمات، يجب أن يدركوا بأن ما يتعرض له السواعد اليوم، هو أحد فصول التنكيل بأي من يقف في وجه الجزائريين وبوليساريو، وأن الدور قادم على باقي المكونات، ما لم تلتحم إراداتها ضد هذا الواقع.