بين عمر بن الخطاب وعمر آل زعيطار جملة واحدة: حاشا ولا يتمثل!!

بضعة أيام قبل حلول عيد الأضحى، وفي حي من الاحياء الشعبية جدا بمدينة سلا بسوق مولاي عبد الله في حي لعيايدة، ظهر شخص قوي البنية، وهو يجوب على متن سيارته الفارهة جدا (كاديلاك رباعية الدفع)، وهي سيارة يفوق ثمنها من 200 مليون سنتيم. وتحت دهشة الفضوليين والمستغربين ظل هذا الشخص يتحرك بخيلاء، وهو محاط بحراسه الشخصيين، ويسأل عن اثمنة الغنم في السوق، ويجود بين الفينة والأخرى بدريهمات على بعض المحتاجين والمعوزين، ليشتري في الأخيرعددا من رغائف الخبز، ويبدأ في توزيعها على الفقراء، قبل ان يحاصر من طرف العشرات من الغاضبين والمحتجين على اسلوبه في التباهي، وتوزيع الفتات عليهم، فانهزم حراسه الشخصيون، وتولى الأمر بعض اعوان القوات المساعدة،كي يخرجوه من ورطته.

وبينما كان أعوان السلطة يجتهدون لإخراج الشخص الثري من تهديدات الحانقين، كان أحد حراسه الشخصيين يصرخ بأعلى صوته: “ارجو الانتباه إلى ان الشخص الذي تحاصرونه هو عمر زعيطار، إنه”…..”، أرجو الحذر والتراجع الى الوراء”. حينها، قالت إحدى النساء الحاضرات: “ومن يكون عمر هذا الذي زارنا وهو يتباهى بالملايير، ليوزع علينا كسرات من الخبز؟ ليته على الأقل وزع قفة العيد، فنحن في أمس الحاجة إليها، و كنا سندعو له كثيرا، ونقول إنه رجل كريم”.

لم تدم حيرة المرأة طويلا، قبل أن يأتيها جواب أحدهم وهو يضحك : “لعله عمر بن الخطاب، بعث من قبره، وجاء ليتفقد أحوال رعيته هنا في هذا السوق، أليس هو سوق الصالحين؟” واطلق ضحكة ساخرة.

نعم، إن جواب الشخص الساخر أعطى وجها ساخرا للمأساة التي عاشها رواد السوق، فعمر الذي حاصره الغاضبون والحانقون، هو أحد الإخوة الاربعة الملقبون بآل زعيطار، وبينما يحمل باقي إخوته أسماء أخرى للصحابة والخلفاء الراشدين، يحمل هو اسم عمر. أما غضب الناس في ذاك اليوم، فله ما يبرره، لأنه في ظل الغلاء الفاحش، الذي تبرعت به حكومة اخنوش على المغاربة، ذهب عمر زعيطار ليرش الدريهمات وكسرات الخبز على من تجاوز غضبهم فقرهم، وعلى من هم في امس الحاجة لحركة تنموية مستدامة، لا لصدقة تستهلك في حينها فلا تسد رمق جوعهم، فبالأحرى جوع ابناءهم. ومثل هذه الصدقات نسميها جامدة وليست جارية، لأنها تساهم في تجميد الوضع لا تحريكه.

إن ما حدث في السوق المتواضع للعيايدة دليل ساطع اننا نمر حاليا من مرحلة الاستهتار والاستصغار، وقد تصدى اناس من ذوي العزة والكرامة لهذا الاسلوب المرفوض من السخاء البلاستيكي او المصطنع، مطالبين بشئ من الجد والجدية في التعامل مع احوال الفقراء.

ولعل عمر المتباهي بالكاديلاك الرباعية، تلقى درسا بليغا من هذه الفئة الجادة من شرائح المجتمع، ما دام لم يقرأ التاريخ جيدا كي يستخلص الدروس من المواقف العظيمة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، خاصة أن اسمه يرتبط بذاك الاسم الطاهر الذي سجل له التاريخ أن قائدا من الفرس يدعى “الهرمزان” جاء يبحث عنه، فوجده نائما لوحده في المسجد، بلباس جد بسيط، ويتوسد برنسه ودرته لاغير، فدهش حينها وسأل: أهذا هو خليفتكم ؟ فأين حجابه ؟ واين حراسه؟ واين قصره ؟ واين ديوانه ؟ فكان الجواب: إنه خليفة يعمل بعمل الأنبياء..وطبعا وبلغة الحاضر نحن ندهش لمن يزور سوقا متواضعا بسيارة “كاديلاك” وحراسا شخصيين وساعة فاخرة وثيابا فارهة، هذا علما انه ليس حاكما ولا خليفة، وليس له من عمر سوى الاسم، ومع ذلك يهم على توزيع القشور على الحضور.

إن الفيض الذي ألقي به هذا الشخص بين رجليه، يتنافى اخلاقيا ودينيا وسياسيا مع كل الضوابط والقواعد، بما فيها القواعد الفلسفية التي درسناها، ومنها نظرية الفيض للفارابي. فالفيض هنا واحد وخالص لله وحده، الذي تفيض عنه الأشياء كما يفيض الشعاع عن الشمس فيعم نورها الكون، ومن تم فاضت الموجودات عن الواحد الأحد فخلق الكون.

إن الواجب الديني يقتضي دفع الزكاة وإخفاء الصدقات، والواجب الوطني يقتضي المساهمة في التنمية ومحاربة الفقر بمشاريع تنموية جدية، لا بكسرات خبز ملهية وملتوية. ولعل المتتبعين لاستثمارات عائلة زعيطار وكيف تنمو بسرعة في الأماكن الراقية نمو الفطر في الخلاء، سيطرحون سؤالا مفصليا عن سر ذهاب عمر زعيطار الى سوق الفقراء وهو يتباهى بأمواله؟، فهل يستعد للترشح الى الانتخابات؟ أم هل يرغب فقط، في استفزاز الفقراء والمساكين؟ ام انها النعرة والخيلاء وحب التباهي والافتخار؟..أما إذا كان الأمر يتعلق بالحنين الى ايام الفقر والبساطة، فقد كان بإمكانه ان يزور السوق في سيارة متواضعة، ودون هذا الهرج والمرج واستعراض الازياء و”خنز الدنيا” ..أما الكاديلاك فليتركها لزيارة الى المولات الكبرى والفنادق الفاخرة في الرباط زالدارالبيضاء.

دعنا من كل هذا وأجبنا ياعمر : كيف وجدت أوضاع “الرعية ” في السوق المنسية، هل حدثوك عن اوحوالهم؟، ام طردوك من بين القياطين، فلم تنفع معهم لا الكاديالاك ولا الساعات ولا الملايين؟.لقد اعتدت أنت وإخوانك أن تؤشروا باصابعكم، فتبسط الجهات المعنية البساط امامكم لتيسير مساطر استثماراتكم، بينما يعاني غيركم الأمرين بين الإدارات ودهاليز المكاتب قبل ان يتخلى أغلبهم عن مشاريعهم، فيغيروا الوجهة نحو جهة أخرى..

تأمل معي ياعمر صور والدك وأخيك، وقد جعلوا من الأماكن المقدسة معرضا للتباهي باللباس والتفاخر امام الانظار بالصور والتدوينات..وتأمل معي الصور المستفزة التي ينشرونها لأملاكهم ومقتنياتهم وسياراتهم والطائرات التي تنقلهم ..تأمل في كل هذا، فهل سيكون جوابك ان صدقاتكم وجمعياتكم إنما جاءت لتزكي الثوبة وتمسح الآثار التي تتركها التدوينات والصور على حيطان الفايسبوك.

وإضافة الى كل هذه التأملات والتساؤلات، لك ان تضيف أخريات ومنها: لماذا خرج الناس يحتجون في الشمال ويشتكون من تراميكم على الملك العام؟ ولماذا انتفض عدد من المواطنين ضدا عن عنف وسلوكيات آل زعيطار في الشارع العام؟ ..إن التوبة الى الله حق لكل مؤمن، ولكن ليس قبل جلد الذات العاصية والمتباهية، وذاك ما يفعله المتصوفة والمجاذيب والباحثون عن الخلاص والصفاء الروحيين، وبعدها يمكن ان تسيروا خارج الذات فتعطوا ما شىئتم من الصدقات، وتؤدوا ما عليكم من زكاة، مطمئنين اولا أكم بدأتم بإصلاح النفس وتهذيبها، ومن تم لكم أن تبذؤوا بالتكرم على الآخرين من المعوزين والمحتاجين..

وأخيرا،فلك ان تتأمل ما قاله السابقون عن الفقر، إنه مأساة مترفة بالآلام التي لا تصلح للتلذذ والتفنن، حتى ولو بالصدقات والسخاء. والفقر عند الامام علي مجرم يجب قتله، وعند الغفاري رفيق للكفر ويسافر معه، لكن افلاطون (هل تعرف من يكون أفاتطون؟) خلص الى اسنتاج هام جدا، وهو ان الفقر والثروة كلاهما ينتج الشر، فحذار من كليهما.



إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق