عبر السنين، ظل المخزن العميق في فرنسا يضع الفخاخ ويحفر الزبى لإيقاع الملكية في المغرب دون نجاح، كما ظلت فرنسا عبر كل هذه السنين تصوب بنادقها نحو المصالح المغربية في العديد من المحافل والمنتديات، إضافة إلى ما تحبكه من سيناريوهات تشهيرية في صحافتها.
لكن ما يقع في ربوع فرنسا هذه الأيام من انتفاضات واحتجاجات في أكثر من عشرين مدينة، بسبب الدم البارد الذي قتلت به الشرطة الطفل العربي الأصل ناهل، وما ينم عنه هذا الحادث من عصبية وميز عنصريين واضحين، هو شئ من العلقم الذي صنعته فرنسا لتضعه في الكأس المغربية، وهاهي تذوقه بكل مرارته بينما يتفرج العالم بأكمله على الانحدار المدوي الذي تنزل إليه الدولة الفرنسية بشكل سريع في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.
فالتاريخ القريب لقنواتها التلفزية يسجل بخزي كيف ضخمت أبواقها حادثة إلقاء الشاب محسن فكري بنفسه إلى داخل آلة طحن النفايات ليسترجع سمكه المصادر فسحقته الآلة بسرعة لم يستطع معها النجاة بنفسه، وهي الحادثة المؤلمة التي سعى الإعلام الفرنسي جاهدا كي يجعل منها شبيها لحادثة محمد البوعزيزي في تونس لعلها تتحول إلى انتفاضة عارمة تقلب الأوضاع في المغرب.
وبالرغم من الرد الفعل السريع الذي أبدته السلطات المغربية، وسرعة تجاوب القضاء المغربي في التحقيق في حادثة محسن فكري، فقد ذهبت النوايا السيئة في فرنسا إلى أبعد حد، وبدأت تنقل المزاعم والمغالطات كون المغرب أصبح كالقدر يغلي تحت نيران الاحتجاجات من شماله إلى جنوبه، بل ذهبت قناتها التلفزية المعروفة بمعاداتها للمغرب، فرانس 24، إلى حد فبركة مشاهد وصور منقولة عن استعراضات النقابات في فاتح ماي، لتزعم انها صور لاحتجاجات في مدينة الحسيمة.
ولعل ذاكرة الباحثين والمؤرخين لا يمكنها إغفال عمليات التحريف والتزوير التي قام بها الإعلام الفرنسي حينما سعى إلى تحويل إضراب مفبرك عن الطعام قامت به أميناتو حيدر إلى قضية رأي عام. قبل أن تكتشف الصحافة العالمية أن أميناتو حيدر مجرد مدعية لم تضرب عن الطعام بل كانت تخرقه خلسة بالأكل في الأماكن المختفية. أما الإعلام الفرنسي فقد ظل يسبح في برك الادعاء والتحريف ساعيا ليصنع من هذه السيدة مناضلة إفريقية، بل رفعها إلى مقام المهاتما غاندي في الهند، قبل أن تزل قدماه فيفاجأ بالمعطيات الدامغة التي كشفها الإعلام المغربي كون أميناتو حيدر مجرد إنسانة مبتزة، تزايد على قضايا حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، وكونها استفادت من أموال مغربية في إطار تعويضات هيئة الإنصاف والمصالحة.
ونفس الاخفاقات لقيها الإعلام الفرنسي حينما سعى جاهدا ليجعل من نشطاء حركة 20 فبراير فتائل ليشعل بها الفتنة في المغرب، وحول اسم الناشط حينها أسامة الخليفي إلى تشي جيفارا مغربي، قبل أن تعلق رجلاه في وحل فضيحة ضبط فيها متلبسا في محاولة اغتصاب طفل قاصر، فتتحول صورة المناضل في الإعلام الفرنسي الى “بيدوفيل” مولع بممارسة الجنس على أطفال أبرياء.
وبالرغم من أن المغرب انكوى أكثر من مرة بنار الخزي والكذب الفرنسيين، سواء من خلال أسطورة بيجاسوس أو تحريف قضايا عرضت أمام القضاء المغربي في إطار متابعات الحق العام، لتصبح بلغة المخزن الفرنسي قضايا لحقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، فإن الإعلام المغربي تعامل مع الاحتجاجات الهوجاء لأصحاب السترات الصفراء في فرنسا بموضوعية كبيرة، بالرغم من التجاوزات المبالغ فيها لرجال الأمن في فرنسا، ومواجهتهم لحقوق الاحتجاج والتعبير بعنف فاق بكثير الأساليب التي واجهت بها الجيوش العسكرية ثورات تيميشورا برومانيا سنة 1989 أو ساحة تيانانمين في الصين في نفس السنة.
وبالأمس القريب غرقت فرنسا في انتفاضات اجتماعية ضد قانون التقاعد تحولت إلى ثورات عارمة في الشوارع العامة يواجهها الأمن الفرنسي بعنف شديد. وهاهي فرنسا تجني اليوم ما صنعت أياديها من خبث وخساسة، لتزحزح الملكية في المغرب، لولا أن مكرها لم ينطل على أحد داخل المغرب أو خارجه، لتتحول الثورة التي حلمت بها فوق التراب المغربي، إلى نار حارقة في عشرات المدن والقرى الفرنسية، بينما المغرب ينعم بالهدوء، وإعلامه يكتفي بنقل الأحداث ودعوة فرنسا إلى الاتعاظ بهذه الدروس، ومعالجة شؤونها الداخلية، والكف عن حشر أنفها في قضايا القارة الإفريقية.
Laisser un commentaire