عبد العزيز أكرام-صحافي متدرب
كان مجال التدريس بالمغرب ولا يزال محط تساؤلات ونقاشات مستفيضة منذ زمن، حيث أنه ظل شاهدا على مخططات وسياسات عمومية مختلفة، في مضامينها وتوجهاتها وكذا حدودها الزمنية، إذ أن الإصلاح بهذا المجال ظل كثيرا مرتبطا بتوجهات الحكومات المتعاقبة والوزراء المتعاقبين على رأس الوزارة الوصية.
وإلى ذلك، لطالما نادى أكاديميون وباحثون تربويون إلى أن الرفع من نجاعة التعليم بالمغرب بمختلف المستويات يتطلب أساسا إعادة النظر في بيداغوجية التدريس المعتمدة، حيث لا يزال ربما “عنصر الحفظ وشحن المتعلمين بمعلومات مكثفة حاضرا في مراحل مختلفة من التعليم بالمملكة”.
وفي هذا الصدد، كشفت دراسة صادرة حديثة على أن التعليم المغربي “يعتمد أساسا على البيداغوجية التقليدية للتدريس القائمة على التلقين؛ حيث يصبح الأستاذ الفاعل الأساسي في العملية التعليمية، في حين أن الطلبة يتحولون إلى مجرد متلق ثانوي ليس لهم أي دور سوى استهلاك المعرفة”.
الدراسة المنشورة بالعدد الأخير من “مجلة العلوم الاجتماعية” بألمانيا أوردت أن التعليم بالمملكة “يعاني من إشكالات بيداغوجية مختلفة، سواء تعلق الأمر بالمدرسة أو بالجامعة، ذلك أن المدرسة يجب أن تركز على تنمية مهارات التلاميذ فيما يتعلق بالتواصل والاستقلالية والتواصل والتنظيم والعمل الجماعي على مستوى الممارسة بدل التركيز على المعارف النظرية”.
وزادت أن بيداغوجية التدريس المتبعة “تَعُد المادة العلمية الهدف الأساسي من التدريس وتهتم بالدرجة الأولى بكثرة المواد والدروس والامتحانات إلى درجة أن الشباب عند إكمالهم للسلك الثانوي مثلا لا يكون بمقدورهم تذكر ما سبق أن درسوه من معارف خلال هذا السلك، وهو ما يشكل مفارقة واضحة مع الواقع الذي يؤكد أن التجربة هي التي كانت وراء أعظم الاكتشافات العلمية”.
وفيما يخص بيداغوجية التدريس بالسلك الجامعي بالمغرب، أبرز المصدر عينه أنه “وعلى الرغم من تضاعفت الميزانية المرصودة من طرف الدولة للتعليم العالي ما بين 2000و2017 إلا أن هذه الميزانيات لا تنفَق على البحث العلمي لكونها تُوجه أساسا إلى التسيير اليومي واللوجيستيك وهو ما لا يساهم في خلق أية قيمة مضافة للجامعة بالنظر إلى كون الطلبة الحاصلين على شواهد التخرج يحملون فكريا نظريا لا يتلاءم وسوق الشغل”.
وأوضح أنه “غالبا ما يتم تفسير البطالة في صفوف الخريجين بنوع من عدم التلاؤم بين التكوين وسوق الشغل حيث أن القطاع العام لا يشغل سوى 32% من هؤلاء الخريجين، على خلاف القطاع الخاص الذي يشغل نسبة 62%”، مشيرا إلى أن “انخراط المقاولات في تأطير الطالب قبل ولوجه ميدان الشغل يتسم بالضعف”.
الدراسة المعنونة ب “بيداغوجية التدريس بالمغرب” أكدت في السياق ذاته أن الجامعة المغربية “لا تسهم في أي تقدم اقتصادي أو اجتماعي، وذلك لكون إحداث أي ثورة صناعية أو تكنولوجية لا يمكن بدون بحوث علمية تجريبية، كما أكد على ذلك المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي خلال الماضي بعد أن أشار إلى الحاجة إلى التأسيس لثقافة المبادرة والابتكار لتعزيز البحث بالجامعات المغربية”.
“ويعتمد نمط التدريس بهذه الجامعات على إلقاء المحاضرات من قبل الأساتذة، وبالتالي فالامتحانات الفصلية ترتكز على الاسترداد والاستظهار أكثر، حيث إن الطلبة تعايشوا مع بيداغوجية التلقين وباتوا يركزون على منهجية الحفظ للحصول على الشهادات، عوض الاهتمام بتكوين أنفسهم وصقل مهاراتهم”. توضح الدراسة.
وانتقدت سريان هذا النمط على مباريات ولوج المدارس والمعاهد وكذا الوظائف، إذ “لا يزال الاختبار الكتابي معيارا لانتقاء الناجحين، وفيه يتم سرد المعارف النظرية واستظهارها”، معتبرة أن هذه البيداغوجية “حولت الطلبة إلى آلات لتخزين المعلومات والمحفوظات”.
ورغم كل هذه الإشكالات، إلا أن تقارير المؤسسات المكلفة بإصلاح منظومة التعليم لم تتطرق إلى الإشكال الجوهري المتعلق بتقليدانية بيداغوجية التدريس المعتمدة، باستثناء تقرير اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين الصادر في سنة 2002 والذي تحدث صراحة على أن الأهداف التربوية المرتبطة بالبرامج المسطرة يتأثر بسيطرة مناهج تعليمية ترتكز على التكرار والتقليد والحفظ، اعتبارا لكون المدرسين لا يزالون يعتبرون أن العملية التعليمية هي مجرد تمرير بسيط للمعارف.
وخلصت الدراسة إلى أن “بيداغوجية التلقين هي السبب الرئيسي لأزمة التعليم بالمغرب وهو ما يؤثر كذلك على نجاعة وجودة البحوث العلمية المنجزة”، بالإضافة إلى أن “إصلاح التعليم لا يمكن القيام به بدون تغيير نفسية الأساتذة والطلبة وبناء التفكير النقدي لديهم من خلال اتباع بيداغوجية جديدة تقوم على تنمية قدرات الطالب الشخصية”.