فهارس علماء تطوان… فهرسة الفقيه محمد بوخبزة (2)

بريس تطوان

– القسم الأول: ترجمة الشيخ الفقيه محمد بوخبزة:

وتندرج الترجمة التي أقامها الكاتب للمترجم له ضمن صنف الترجمة العلمية: وهي الترجمة التي ستستهدف أساسا التعريف بالرجل في إطار انتمائه إلى صنف العلماء أو طبقة من طبقات الممارسين للعلم. وميزتها أن المؤلف يستقي موادها من الوثائق والمصادر التي تتيسر بين يديه. ويمثلها عموما نص الترجمة الوارد في كتب تواريخ الرجال والطبقات وكتب الوفيات اعتنى الأستاذ د. بدر العمراني في بداية ترجمته بتحديد اسم المترجم له ولقبه وكنيته ونسبه وموطنه ومتزله. وكان هدفه من هذا التحديد الدقيق، هو تحقيق الاسم وتوثيق النسب الشريف تبركا به. معتمدا في هذا كله على ما دونه المترجم له بخط يديه، وقد  أظهر العلامة الشيخ بوخبزة تمكنا كبيرا من أبجديات علم الأنساب ومرتكزاته، وأبان عن حذق شديد بأساليب البحث فيه ومقاييسه. قبل أن ينتقل إلى ذكر مرحلة الطلب، وفيها تم التعريف بشيوخه في العلم، ورحلته إليهم للرواية عنهم في مواضع إقرائهم، وقد ذكر في هذا القسم الشيوخ والمصنفات العلمية التي قرأها المترجم عليهم، لأن في ذلك فائدة في التأريخ للعلوم وللكتب العلمية المتداولة في تلك الحقبة من التاريخ.

وبالإضافة إلى الحديث عن الشيوخ والمقروءات العلمية تمثل الرحلة أحد الأسس الهامة في بنية الترجمة، فلا يفوت المؤلف التركيز على هذا الجانب لما له من أهمية في إضاءة كثير من الجوانب العلمية في شخصية المترجم له. والرحلة مظهر للتواصل الثقافي بين الفعاليات الثقافية داخل البلد وخارجه، وهي السبيل للتلاقح والمثاقفة والاحتكاك بين العلماء والأدباء، وفرصة لتبادل المعارف والآراء والخبرات وتعميق المدارك وتقوية الرصيد العلمي والمعرفي. لذلك كانت الرحلة تمثل أمنية كل مثقف عالم، وغايته في مساره العلمي، فذكر أهم الشيوخ الذين شد المترجم له الرحال للجلوس إليهم والأخذ عنهم، كالبشير الإبراهيمي، وبهجة البطار، والشاذلي النيفر…

ثم ذكر أحوال المترجم به، وذلك بتعيين وظائفه في التدريس، أو في مزاولة خطة من الخطط، وإبراز مواقفه، فقد اشتغل في البدء بالمحكمة الشرعية كاتبا أواخر أيام الحماية، ثم بمحكمة السدد بتطوان بعد الاستقلال، فمكث فيها سنين عددا، ثم انتقل منها إلى قسم المخطوطات بالخزانة العامة بتطوان، فانتفع ونفع البلاد والعباد، بما نسخ وفهرس وحافظ عليه من الكتب. وما طرأ له من حوادث ومحن فقد ناله أذى من مدير المعهد الديني أيام الحماية لنشاطه الوطني، ومن الباشا اليزيد ابن صالح..

وذكر الكاتب بعد ذلك تلامذة المترجم له وهم الآن علماء وأساتذة ودكاترة في الكليات، يمثلون أعلام الثقافة في المغرب مما جعله يترك جيلا يحملون مشعل العلم من بعده ويمثلون طريقته في التدريس والعلم، وما احترامهم إياه إلا إبراز لتلك المكانة في قلوبهم، فليست التراجم صورة وصفية للشخصيات والأعلام أو بطاقة تعريفية لهم ولهويتهم وحسب، وإنما هي كذلك صورة وصفية وتشخيص ضمني للمجتمع العلمي الذي احتضن تلك الشخصيات، ووصف دقيق لكل ما أثر فيها وتأثر بها. فغالبا ما تتضمن بعض الترجمات إشارات بالغة الأهمية تأتي في سياق التعريف بالمترجم له، و تحديد مكوناته العلمية والمعرفية، وذلك من خلال التحليات والأوصاف الفنية التي لا تخلو منها ترجمة.

ولا شك في أن استثمار هذه التحليات والأوصاف يفيدنا في استخلاص الاهتمامات الثقافية السائدة في الساحة العلمية والتربوية.

ثم يقوم د. بدر العمراني بجرد مفصل لآثاره العلمية والفكرية ولرصيده التأليفي والإبداعي، مما يكون فرصة مناسبة ونادرة للاطلاع على مختلف أوجه المشاركة العلمية والأدبية التي تميز بها نشاطه الثقافي، خصوصا أن طائفة من تلك الآثارمازالت مخطوطة في مكتبته الخاصة نجاها الله من أن تلعبت بها رياح الإهمال وتطويها يد النسيان .

– القسم الثاني: أساتذته وشيوخه

يعتبر الشيخ أحد الأركان الرئيسة في الفهرسة، لأن أي رواية لا بد أن تتم على يد شيخ، وعبر سلاسل أسانيده. ولم يشذ المؤلف عن هذه القاعدة فأولى لذكر الشيوخ أهمية كبرى في هذه الفهرسة نظرا للدور الذي يلعبونه في حياة الطالب، فبهم يرتبط سنده الذي تتوثق به الروايات، فتصبح مروياته محل ثقة، والأخذ به على أنه النص الصحيح الذي جف عليه قلم مؤلفه، مما يجعل القارئ يشعر بنوع من الاطمئنان فكأنه يأخد هذا المصنف مباشرة من مؤلفه، رغم المسافة الزمنية البعيدة التي قد تفصله عنه.

وتشغل تراجم الشيوخ حيزا لابأس به من الفهرسة ، ويمكننا أن نصنفهم إلى طائفتين:

 الطائفة الأولى:

وتضم شيوخه في الدراية الذين اتصل هم جميعا فقرأ عليهم وسمع منهم. وقد كشفت هذه الأعلام وما تلقى عنها من علوم وما درسه عليها من كتب عن التوجه الثقافي الذي يمثله هؤلاء الشيوخ ومعهم الفقيه بوخبزة، وما يوازيه من إنتاج علمي وأدبي، وما يحمله من تأثير في الأصحاب والطلبة، لتتضح لنا بذلك حلقة مهمة من حلقات النشاط العلمي في تطوان خاصة والمغرب عامة، ولتكتمل الصورة الجامعة لحلقات التراث العلمي في المغرب المعاصر. وترجع أهمية هذا العنصر في الحياة العلمية للطالب إلى كونه يمثل السند الذي تتوثق به الروايات، إذ يصبح المصنف الذي يروي من طريقهم محل ثقة، وكأنه يأخذه مباشرة من المؤلف، رغم ما يفصله عنه من أزمان، فالعالم يستمد أهميته في ما تمثله مشيخته من اتساع، وفيما سبق له من رحلة في طلب العلم ولقاء أهله. وقد ضمنه تراجم شيوخ الفقيه محمد بوخبزة، فاستوعب ما يزيد على خمس وثلاثين ترجمة، أكثر رجالها يمثل العلم في تطوان المدينة مثل أحمد الزواقي وأحمد الرهوني والتهامي الوزاني والعربي اللوه والصادق الريسوني وغيرهم، ممن استفاد منهم صاحب الفهرسة في الدرس القرآني أو في درس العلوم المختلفة. ورغم أن تراجمه تقوم على الإيجاز في عمومها، إلا أنها تنتقي من أحوال الرجال وأخبارهم وموالدهم ووفياتهم ما يكون أكثر تركيزا في الترجمة وإغناء في التعريف بنشاط الرجال وأعمالهم في الدرس والتأليف وممارسة الخطط المسند إليهم. ولذلك كانت عمل هذه الفهرسة بهذه الصفة المستندة التي توثق ممارسة العلم وحركة رجاله في تطاون.

إن الترجمة مما يجري في المصنفات والتآليف ويسعى في عمومه، إلى الإحاطة بالشخصية المراد الترجمة لها من مختلف الجوانب، ويهدف إلى إضاءة تفاصيل حياتها من كل نواحيها، وهي أيضا: أي نص يتضمن معلومات عن الرجل، مثل: اسمه، وتاريخ ومكان مولده، ووظائفه، أي بالنتيجة أن نتوفر على معرفة زائدة تُقربنا من الرجل المعني بالترجمة. فالتراجم جاءت بأشكال مختلفة بحسب المادة المتوفرة عن أصحابها، وأكد أنها مهما قلت مواد الترجمة فإنها تظل لها فائدة في تسليط الضوء على جوانب من حياة المترجم به.

الطائفة الثانية: وهم شيوخه في الرواية:

أ- الإجازة:

لم يهتم الشيخ الفقيه محمد بوخبزة بالإجازات، ولو اهتم بها لكان مسند عصره بلا منازع وليس تطوان والمغرب فقط، ولحصل على أعلى الأسانيد والروايات من أساطين العلماء كالبشير الإبراهيمي ولهجة البطار الذين زارهما في بيتهما، والشاذلي النيفر الذي زاره في مكتبته، والدكتور تقي الدين الهلالي الذي لازمه واستفاد منه، ومشايخه الذين درس عليهم بتطوان كلهم أصحاب إجازة ورواية أمثال أحمد الزواقي وأحمد الرهوني ومحمد الفرطاخ. “وأكثر من هذا الشيخ محمد المنتصر الكتاني كان يحثه على أخذ الإجازة من نقيب الشرفاء الصقليين بفاس السيد الكبير الصقلي، لكنه لم يكثرت لتحفيزه، رغم العلاقة ووثاقة الصلة التي كانت تربطه بالسيد الكبير من خلال الزيارات المتبادلة”.

وقد زهد الشيخ في كثرة الإجازات لأنها لا تطلب إلا من باب التبرك وربط الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يتم بإجازة أو إجازتين، أما العلم فطريقه التعلم والاجتهاد “وعلى كل حال فمن المعلوم أن زمن الرواية انقضى على رأس الثلاثمائة، وأن السنة جمعت، ولم يبق منها شيئا مجهولا، وأن مقصود الرواية بالإجازة إنما هو التبرك بربط الاتصال بأولئك العلماء وأصولهم الحديثية، تقليد علمي جرى به العمل منذ قرون، فمن تبناه وحرص عليه بحسن نية فقد أحسن، وأولى وأحق بالعناية منه حفظ المتون والتفقه فيها والاستنباط بشروطه بعد نقد الأسانيد، والبحث عن العلل وما يتعلق بذلك، وهذا مجال فسيح جدا تنقطع الأعمار دون استقصائه”. ولأجل هذا لم يتعد عدد موجزيه أصابع اليد الواحدة وهم:

– الشيخ أحمد بن الصديق الغماري: أجازه بدون طلب، والسبب في ذلك أنه مدحه في بعض مراسلاته بقصيدة عدد فيها مجموع تآليفه، فأعجب الشيخ أحمد بها وطرب، فكانت المكافأة هي إجازته بكافة مروياته.

– الشيخ الطاهر بن عاشور: أجازه مشافهة لما زاره ببيته سنة (1382هـ).

– الشيخ عبد الحفيظ الفاسي: أجازه ببيت الأستاذ المؤرخ داود بمصيف مرتيل وبطلب من هذا الأخير بعد أن قدمه له وحلاه بالنعوت المشرفة، وكانت الإجازة شفهية لعدم توفر ظروف الكتابة، إضافة إلى أن الشيخ محمد بوخبزة لم يلح في ذلك.

– الشيخ عبد الحي الكتاني: أجازه شفهيا لما التقى به في تطوان، ووعده بالكتابة إن زاره ببيته بفاس، ولما عزم الشيخ على زيارته حالت دون ذلك ظروف قاهرة.

– الإجازة بالمناولة:

وهي في اصطلاح المحدثين طريقة من طرق الأخذ. ويتم تصورها في أن يقدم الشيخ للراغب في الرواية مصنفا يناوله إياه، مع إطلاق الإذن بالرواية له فيه. ويفرق المحدثون بين نوعين من المناولة كلاهما فيه الإذن بالإجازة، الأول: أن يناول الشيخ تلميذه مصنفا في أصله، فيتركه له، أو يسمح بالنسخ منه والتصحيح عليه. والثاني: أن يناوله مصنفا يأذن له في روايته عنه، ثم يمسكه عنه – ولا يمكنه منه، ولا يعتبر الأخذ بها إلا إذا ظفر الطالب بمصنف الشيخ وانتسخ منه أو صحح عليه.

ومن الشيوخ الذين أذنوا له بالأخذ بالمناولة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: أذن له في الرواية عنه مناولة لا إجازة لما زاره ببيته بناحية البقيع وكان الإذن مخصوصا بكتب معينة، وهي: صفة صلاة النبي، وصلاة التراويح، وصلاة العيد في المصلى، وتسديد الغصابة، وفهرسة كتب الحديث بالظاهرية الذي طبع منتخبه، والجزء الرابع من السلسلة الصحيحة

الإجازة بالتدبيج: هو رواية الأقران، لكن لا يمكن لرواية الأقران من غير أن يروي الثاني عن الأول مدبج، وتدبجت رواية الشيخ بوخبزة مع:

– الشيخ صفاء الأعظمي: كان يزور الشيخ محمد بوخبزة مع بعض الأصدقاء بعد إقامته بدار القرآن بالقنيطرة، واستجاز الشيخ مرة فأجازه إجازة عامة، كما أن الأخير استجازه فتدبجا.

– الشيخ عبد الله بن عقيل الحنبلي: زاره ببيته بتطوان واستجاز الشيخ فأجازه، واستجازه الشيخ وتدبجا معا.

– العلامة محمد المنوني: إجازة الفقيه محمد المنوني تدبيجا لأنه لم تكن له رواية عن الشيخ أحمد بن الصديق وعلم اتصال الشيخ بوخبزة به وروايته عنه فرغب في استجازته فأجازه، واستجازه الشيخ فأجازه محمد المنوني فتدبجا.

– الشيخ مشعل بن حميد اللهيبي: عرض على الشيخ الفقيه بوخبزة الإجازة وأن يتدبج معه فقبل وأجاز كل واحد منها الآخر.

وهي في جميع المصنفات والكتب وما إلى ذلك من أحاديث مسلسلة، وطرق وخرقة صوفية، ومواد أدبية وأشعار مما أخذه صاحب الفهرسة عن شيوخه.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره