بريس تطوان
لقد أصبح في حكم المؤكد الآن لدى المهتمين بعملية التاريخ للمغرب أن تاريخه عامة (القديم والحديث) في الجنوب والشمال على حد سواء ما يزال يحتاج إلى تاريخ بناء على الوثيقة لسبر أغوار وقائعه وأحداثه بإنصاف وموضوعية بعيدا عن الأحكام الجاهزة التي تطيح بالنزاهة العلمية المنشودة.
إن تلكم الوثيقة تستمد أهميتها المعرفية وقيمتها العلمية من خلال ما تقدمه من معلومات مفيدة تضيف جديدا لميدان التاريخ لحدث ما.
وفي هذا الإطار داخل هاته الندوة المباركة المقامة تحت عنوان “تطوان وثورة الملك والشعب من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر” تأتي مداخلتي المعنونة “العائلات التطوانية واحتضان أفراد المقاومة وجيش التحرير من خلال كناش لمقاوم تطواني”.
قبل الحديث عن هذا الكناش لا مناص لنا من الحديث عن صاحبه.
صاحبه: هو المجاهد أحمد العلمي صاحب بطاقة المقاوم : رقم 525275 المزداد سنة 1919 والمتوفى سنة 2002 والمنخرط في صفوف الحركة الوطنية سنة 1937 الرجل الذي عينه الطريس ليكون مشرفا على عملية استضافة رجال المقاومة.
ولمعرفة هذا الرجل رحمة الله عليه عن قرب ومكانته في المقاومة ومتزلته عند الطريس نقدم شهادة أصدرها في حقه هذا الأخير سنة 1966.
عبد الخالق الطريس – ملف المقاومة رقم 75531 بطاقة رقم 512788
أنا الموقع أسفله أشهد بأن المناضل السيد أحمد المختار العلمي من رواد الوطنية المغربية في عهدها الأول، حيث تمرس في الحقل الوطني منذ نعومة أظفاره، جنديا مجندا، قارع الاستعمار الإسباني في وقت جبروته وطغيانه وأشرف على خلايا سرية لعبت دورا خطيرا تحت نظام الحماية.
وتعرف على عالم السجن بتهم وطنية مختلفة من حمل للسلاح، وتشكيل لتنظيمات، وتوزيع للمناشير منذ سنة 1942م عائدا إليه سنة 1947 و1948 ثم 1949م – كما فرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته مدة ثلاثة شهور. وقد عانى من جراء ذلك ألوانا كثيرة من العذاب والتنكيل، ما تزال رواسبها عالقة بجسمه، ومؤثرة في صحته إلى حالنا الراهن، مما أكد صلابته وصدق إخلاصه.
وبإقدام فرنسا على إبعاد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، سارع أحمد العلمي إلى تنظيم خلية سرية للعمال تتأهب لمواجهة أي موقف عدائي من القضية المغربية يمكن لإسبانيا أن تقدم عليه.
وعند الشروع في حركة المقاومة تجاه الاستعمار الفرنسي كلف من طرفي بالسهر على راحة الوافدين من المقاومين إلى تطوان، ومد مختلف المساعدات إليهم.
وفي أثناء هذه الفترة بعث به إلى إقليم الناظور في مهمة تتصل بشراء الأسلحة ومقابلة بعض المقاومين، أثبت فيها كفاءته ووطنيته.
وقد أثبت بما أوجزته من حياته النضالية في مراحلها العديدة إخلاصه المكين وولاءه الموصول الله والوطن والملك.
يشهد الله وجميع المطلعين على حقيقتها وواقعيتها والله لا يضع أجر من أحسن عملا.
إمضاء عبد الخالق الطريس
تطوان في 1966/4/3
ويقول عن نفسه المجاهد أحمد العلمي في تقييد(1) يتعلق بنبذة عن حياته “وعند البدء في حركة المقاومة تجاه الاستعمار الفرنسي كلفت من قبل الأستاذ المرحوم الطريس بالإشراف المباشر على راحة أعضاء المقاومة الوطنية الوافدين على مدينة تطوان، وكنت على اتصال دائم ومستمر مع قادة المقاومة آنذاك، ومن جملتهم السادة : أحمد زياد – الحاج أحمد المذكوري – وبلحاج العتابي وغيرهم. كما كلفت أيضا بالارتحال إلى مدينة الناظور من أجل الاتصال ببعض المواطنين العاملين في صفوف الجيش الإسباني بمدينة مليلية المغتصبة، وأخذ الترتيبات اللازمة من أجل جلب بعض الأسلحة واستعمالها”.
الكناش: عنوانه ينضح بمضمونه، مضمونه الذي ينهض دليلا وحجة كافية على أن الكثير من أهل تطوان قد ساهموا في استضافة المقاومة بعد نفي المغفور له محمد الخامس بالأكل والمال وأنهم كلهم قد ساهموا في ذلك من أغنياء ومتوسطي الحال سواء كانوا من أصول أندلسية ريفية، أو جبلية، أو فاسية، أو جزائرية.
وجدير بالذكر أن المقاومة السرية تأسست في تطوان يوم 19 غشت سنة 1953 عندما قدم إليها من الدار البيضاء الأستاذ عبد الكبير الفاسي بأمر من جلالة الملك محمد الخامس ليتصل بالأستاذ الطريس ويتفق معه على ما يجب أن يعمل في حالة حدوث ما أصبح مؤكدا بأن الاستعمار سينفذ خطته العدوانية ضد العرش في غضون ساعات محدودة طبقا لمعلومات توصل بها جلالته من مصادر أمريكية.
مسألة نفي جلالة الملك المرتقبة تأكدت لدى الطريس من لدن سفير الولايات المتحدة بطنجة.
الطريس والفاسي كانا قد اجتمعا في دار الأول فتعاهدا على المصحف لخدمة الوطن والعرش وكان شاهدا على ذلك ولد الطريس الأستاذ محمد.
في أوائل شتنبر من سنة 1953 بدأ رجال المقاومة السرية من الجنوب يفدون على تطوان للاستقرار بما فارين من الاستعمار جاؤوا إليها إما لشعورهم من الخطر الناتج عن المطاردة الاستعمارية لهم أو بأمر صادر عن قيادة المقاومة المسيرة من طرف عبد الكبير الفاسي المقيم بمدريد الذي كان على اتصال بالطريس قصد تسهيل إدخالهم إلى المنطقة الشمالية.
الكناش إذن كما قلنا يتعلق بساكنة تطوان عامة التي انتمت لعائلات غنية وأخرى متوسطة الحال قامت باحتضان رجال المقاومة.
والكناش في الأصل عبارة عن جرد لأسماء عائلات تطوانية ساهمت في احتضان المقاومين من شتنبر 1953 إلى دجنبر 1955 الفترة الزمانية المذكورة قسمت فيه إلى ثماني دورات كل دورة تختلف عن الأخرى من حيث المدة.
كيف كانت تتم عملية احتضان هؤلاء المقاومين من لدن أهل تطوان المذكورين في الكناش من ألفها إلى يائها.
في كل صباح كان المقاوم أحمد العلمي المكلف بالسهر على أمور المقاومين اللاجئين إلى الشمال يلتقي بالزعيم عبد الخالق الطريس في منزله فيعين له مجموعة من الأشخاص أو المنتمين لأسر تطوانية ليكلفوا بالواجبات لذلك اليوم، فيذهب أحمد العلمي عندهم ويخبرهم ويعود من بعد ذلك في الزوال أو في الوقت الذي حدده معهم ليأخذه بمعية بعض رجال المقاومة إلى أماكن إقامتهم.
والملاحظ أن هناك من المحسنين من كان يدفع المال وبه يشترى الأكل. وهناك من كانت مساهمته تتكرر أكثر من مرة في الدورة الواحدة.
– جنان الصفار بالطوابل تنازل عنه أهل الصفار مفروشا للمقاومين بكل مرافقه وغلله طوال إقامتهم في تطوان إلى أن جاء الاستقلال.
– جنان الرهوني ببوجراح.
– جنان الطريس قرب جنان الصفار.
– جنان بريشة.
– مقر بشارع عبد اللطيف المدوري بالترنكات .
– مقر بباب السفلي.
– دار زوزيو بطريق سبة القديمة تعاقب على سكناها العدد من الفدائيين.
– دار بمرتيل في ملك عائلة مصطفى وضعتها هاته الأخيرة تحت تصرف المجاهد أحمد العلمي ليستضيف فيها المقاومين.
– دار بالطالعة في ملك المجاهد أحمد العلمي وأخيه سيدي أحمد.
الجنانات الثلاث الصفار والرهوني وبريشة كانت تستعمل أيضا للتدريب من طرف رجال المقاومة لكونها كانت وقتئذ خارجة عن المدار الحضري.
إن ما قام به أهل تطوان من احتضالهم للمقاومة كما يظهر هذا الكناش ليس بغريب عنهم فهم خلف لخير سلف توارثوا المجد وحب الجهاد دفاعا عن أرض الإسلام يفهم ذلك من خلال تاريخ تطوان نفسه. فتطوان منذ تأسيسها إلى الآن، تطوان ابنة غرناطة استطاعت أن تكتسب أبوتها الشرعية عن جدارة واستحقاق من المغرب، المغرب الذي منحها أرضه فحمته وحمت حدوده ضد الاستعمار في القديم والحديث بكل أصناف ساكنيها بفضل ارتكازها على مبدأين أساسين شكلا بالنسبة لها عاملي وجود وصيرورة نحو المستقبل بتحد واعتزاز فيهما قهرت أعدائها استمدتها من إرثها الحضاري العربي الإسلامي الأندلسي. فما هما يا ترى هذان المبدآن؟
أولهما: الاندماج والانصهار بين ساكنيها من الوافدين عليها في حقب مختلفة من تاريخ تأسيسها إلى الآن. بدءا من الأندلسيين الأوائل وأهل الريف وأهل الجبال مرورا بالمورسكيين وأهل فاس وأهل الجزائر وانتهاء بمن قصدوها في القرن العشرين بمن فيهم أهل المقاومة بعضهم تصاهر مع أهل تطوان الأمر الذي جعله يستقر فيها.
إن هذا الاندماج بين ساكنيها لا شك قد ورثته عن الأندلس التي انتهت قبل القرن الخامس عشر وأثناءه إلى درجة من الوعي الثقافي والسياسي أزاح عنها العصبية الأثنية وأقر بدلها الأنسية الأندلسية بين ساكنيها المختلفين وبذلك تكون تطوان ابنة غرناطة أعادت ماضيها في الحضر بالمغرب والدليل أن الكثير من أعيانها اليوم من أصول غير أندلسية. هؤلاء من أهل تطوان الذين صهرتهم والذين ناضلوا في صمت من أجل تحرير المغرب وهم المذكورون في هذا الكناش ومنهم المقاوم أحمد العلمي التطواني الذي هو من أصول جبلية شريفة.
– ثانيا الجهاد: فالمدينة ما تأسست إلا من أجله. وفي المصادر تذكر بالثغر، وأهلها أهل جهاد ورباط.
إن هذين المبدأين ورثتهما تطوان في سنة 1953 إلى 1956 كمعطيين تاريخيين وتمكنا من الظهور بوضوح ليطفوا على السطح فيها بفضل ثلاثة أمور:
– أولا: الاختلاف بين فرنسا وإسبانيا بشأن القضية المغربية واستعداد الثانية للتفاهم مع الوطنيين المغاربة ومساعدتهم ليس حبا في المغرب ولكن لتصفية حساباتها مع غريمتها فرنسا.
– ثانيا: الوازع الديني لدى أهل تطوان صغارا وكبارا الذي رأى في المقاومين الجنوبيين بمثابة المهاجرين، لذلك استضافوهم بقلب رحب.
– ثالثا: النضج السياسي المكتسب لدى أهل تطوان المتمثل في السياسة الإصلاحية الواعية التي مارسها حزب الإصلاح في تطوان والمتمثلة في خلقه لمدارس حرة ونشره للصحف وإقامته للندوات.
كانت وراء تربية الأفراد فيها على حس راق لمفهوم فكرة المواطنة القائمة على أساس العدل، المساواة التضحية بالغالي والنفيس، الوحدة والاستقلال.
هاته المواطنة التي رأوها ورقة رابحة يجسدها في الحاضر وفي المستقبل النموذج المثالي الطريس الرجل الثقة الوحدوي، وعندما أتى هؤلاء المقاومون إلى تطوان سنة 1953 وجدوا أرضيتها مهيأة لهم ماديا ومعنويا ليقوموا بعملهم النضالي على أحسن وجه عمل أفضى إلى تحرير المغرب سنة 1956.
لعلنا في هذا العرض نكون قد أضفنا جديدا إلى عملية التاريخ للمقاومة المسلحة المغربية التي أدت إلى استقلال المغرب في المجال الاقتصادي الذي أبان عنه بوضوح كناش المجاهد المقاوم أحمد العلمي الذي اقتصر فيه فقط على ذكر جزء من المساهمة الفعلية المادية والمعنوية التي قدمها أهالي تطوان لتعزيز المقاومة المذكورة. مساهمات تنضاف إلى مساهمات أخرى مكملة لها تتمثل في الحلي وأملاك باعوها قدمها نفس الأهالي باقتناع وطواعية مدفوعين بروح الشعور بالواجب والمسؤولية تجاه الدين والوطن لا غير.
العنوان: تطوان وثروة الملك والشعب “من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”
الناشر: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير
(بريس تطوان)
يتبع…