بريس تطوان
فهرسة الفقيه بوخبزة:
عرف الأدب العربي قديما وحديثا كتابة الشيوخ لسيرهم الذاتية يترجمون فيها لأنفسهم ويجمعون وأسانيدهم، وبرامج الرواية، وما يتعلق بذلك. كما توضح أخبار من تلقوا عليهم من الشيوخ والعلماء، وغيرها من الفوائد الجمة التي تبرز الحياة العلمية للمؤلف والتي تكشف مصادر الثقافة في عصر من العصور، والنشاط التأليف في شتى مجالات المعرف الإنسانية عند المسلمين، وتمكن من الوقوف على روافد المعرفة لدى العلماء والمؤلفين. وما احتفظوا به من أشكال العلاقة الوجدانية والعلمية التي كانت تربطهم بالشيخ، وما يكنون له من مشاعر المحبة والاحترام، وهو يتحدثون عن طريقة شرحه، وتصوره لقضية من القضايا العلمية، وغيره مما أثرى الساحة العلمية والثقافية في بيئة معينة.
لكننا نلاحظ أن كثيرا من العلماء سمحوا لتلامذتهم وطلبتهم أن ينوبوا عنهم في كتابة فهارسهم والتعريف بالشيوخ وإسناد المرويات ومصادر المعرفة وطرقها، ولنا شواهد منه كثيرةفي تراثنا العربي ولا سيما ما ارتبط بمنطقة الغرب الإسلامي: ” فمن أصناف الأعمال الفهرسية ما نجده في عمل القاضي عياض السبتي، وقد صنع لشيخه أبي علي الصدفي حافظ الأندلس (ت514هـ) معجم مشايخ، وفي عمل أبي القاسم ابن الشاط السبتي (ت723هـ) وقد عمل برنامج شيخه أبي الربيع عبيد الله الحسين العثماني الإشبيلي نزيل سبتة وشيخها (688هـ)… ومن صنف الأعمال الترجمية الصرفة ما نجده في الكثير من الترجمات المفردة التي خص بها الطلبة شيوخهم، أو آبائهم، وغير ذلك فمنها (مرآة المحاسن في أخبار الشيخ أبي المحاسن) من تأليف ولده الشيخ أبي حامد العربي بن أبي المحاسن الفاسي”. وتدخل فهرسة ” مظاهر الشرف والعزة، المتجلية في فهرسة الشيخ محمد بوخبزة” التي صنعها الدكتور بدر العمراني لشيخه الفقيه العلامة محمد بوخبزة الحسني التطواني في هذا الباب.
والفقيه محمد بوخبزة ليس بالنكرة فهو “الشريف الجليل، الماجد الأصيل، الذكي الألمعي، النابه اللوذعي”، والنابغة، الأديب، العلامة، الواعية، مسند تطوان والمغرب. من مشاهير رجالات العلم والثقافة العربية الإسلامية في المغرب، ومن العلماء المشهود لهم بالإحاطة الواسعة بمحتويات خزائن الكتب العربية قديمها وحديثها، وبالمعرفة المتخصصة في ضروب شتى من العلوم الشرعية والعربية، وفي التراث العربي الإسلامي المحفوظ في كبريات المكتبات والمتاحف العربية الإسلامية والعالمية” أما معرفته بالعلماء و الفضلاء وأسمائهم ومصنفاتهم، وما رقموا وما سطروا، فهو بحر لا يجاري، وربيع الحياري”. وهو صاحب خط متميز كتب به العديد من المخطوطات صغيرها وكبيرها، فهو ناسخ متميز يجمع في منتسخاته بين الوضوح والجمال في الخط، وبين الصحة والدقة في النقل ولجودة خطه وحسنه. طلبه الراحل الحسن الثاني لكي يقوم بمهمة الكتابة والنسخ لديه، إلا أنه استعفى من الأمر وطلب بإلحاح من مؤرخ المملكة الراحل عبد الوهاب ابن منصور أن يعتذر عنه للملك ففعل. وهو كثير التقييد مطواع القلم يسعفه في تسجيل ما يحضره اللحظة من خبر أو حدث أو فائدة أو إنشاد أو تحليل أو انتقاد أورد. فكانت باكورة ذلك أعمال تأليفية وتحقيقات كثيرة، فيها المخطوط والمطبوع. وأحد الخطباء المبرزين، وله تأثير على الناس، و أحد المدرسين يقيم حلقته في الوعظ والإرشاد وفي فنون العلم. واعتنى بالحديث وشرحه وإسناده، فتخرج على يديه طلبة كثيرون، وهو من المسندين الذين حملوا العلم رواية عن كثير من الرواة في المغرب والمشرق “ومن العلماء الذين يقصدهم أصحاب الرواية وطلاب الإجازات من المشرق والمغرب، فكتب الإجازات وأذن بالرواية لكثير ممن لازمه أو قصده أو رغب في الحمل عنه”، إضافة إلى ذلك فهو رجل حسن السمت والتؤدة” وحضور وبديهة وفطنة، وفيه من عزة النفس والإباء والإخلاص لمبادئه شيء كثير، مع دعابة ولطافة مع ينبسط إليه من الناس، وخدمة كبيرة لطلاب العلم، وإعانة لهم بكتبه وإرشاداته، لا يبخل على أحد بشيء”. فلا عجب أن يكون له محبون كثيرون وطلبة أوفياء ومن بينهم الأستاذ الفاضل الدكتور بدر العمراني، الذي أنجز هذا العمل الجليل في التعريف بشيخه محمد بوخبزة وصناعة فهرسته.
والذي نلاحظه في هذا العمل، أنه يجمع بين الترجمة العلمية الإخبارية لصاحب الفهرسة وصنع تراجم لشيوخه. وهذا شيء ليس بغريب في تراثنا الثقافي والعلمي، فكثير من الأعمال السابقة تعمد إلى ذكر مشيخة المترجم له وتسمية رجاله وما أخذ عنهم واستفاده منهم، قد امتد ذلك إلى الكتابات الترجمية الحديثة، إذ ” تطور بناء الترجمة والمزج بينها وبين الفهرسة قد أصبح عملا جاريا في أعمال المؤلفين أنفسهم حين كتابة تراجمهم وسيرهم الذاتية، فكتاب الزاوية للشيخ التهامي الوزاني، وكتاب على رأس الأربعين للمؤرخ الأستاذ محمد داود، ومذكرات غير شخصية للشيخ عبد الله كنون، وسيرة ذاتية للفقيه محمد المنوني … كلها تجري في هذا السياق، فيتداخل فيها عمل الفهرسة والسيرة الذاتية والترجمة ويتقاطع كل جنس فيها مع الآخر، فأحرى من يكتب عنهم من طلابهم وتلامذتهم”.
العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)
للمؤلف: الوهابي
منشورات باب الحكمة
(بريس تطوان)
يتبع…