سفراء المولى اسماعـيل إلى انـجلـترا.. السفير محمد بن حـدو الـعـطـار (2)

بريس تطوان

وصـف مأدبـة العـشـاء والحـفـل الرسمي:

ويدقق الكاتب ايفلين في وصف حفل العشاء الذي أقامته خليلة الملك شارل الثاني في مذكراته ليوم 24 يناير 1682 (( لقد كنت في هذا المساء صحبة السفير المغربي في القاعة الفاخرة في ( بورسموث) حيث أقيمت مأدبة على شرفه، قدمت فيها الحلويات وعزفت الموسيقى.

وقد كان سلوك السفير وحاشيته في أعلى درجات الإعتدال والإنضباط، وقد اقتضى نظام التشريفات أن يرتب الجلوس أمام المائدة الطويلة على شكل بحيث تجلس سيدة بين كل اثنين من أعضاء البعثة. وقد كان من بين الحاضرين في هذه  المأدبة أبناء الملك غير الشرعيين، وأقصد هنا يقول ايفلين – ليدي ليشفليد وساسيكس ودوقة بورسموث نلي وغير هؤلاء من المحظيات … وكن جميعا يتألقن بما يتزين به من جواهر وبما يمتزن به من روعة مظهرهن، بيد أن المغاربة انتباها للآثاث لم يبد عليهم أنهم تأثروا بأي شيء مما رأوا كما أنهم لم يعيروا انتباها للآثاث وما  إليه .. وقد انصرفوا لتذوق ما على المائدة، ولكن في أدب واحتشام، وتناولوا قليلا من الحليب والماء، ولكنهم لم يتناولوا قطرة من النبيذ، واكتفوا بتناول العصير والشكلاط، كانوا يغضون من أبصارهم فلا يحدقون في السيدات بعيونهم، ولكنهم يتحدثون بلطف، وقد اقتصروا على الاجابة عن الأسئلة التي توجه اليهم بكل سياسة وكياسة.

وعندما حان وقت الانصراف قاموا مرددين شكرهم للدوقة، ومعربين عن تحيتهم، بارك الله دوقة بورسموث وابنها الأمير دوق ريشموند. ولما كان السفير يهم بالانصراف جاء الملك شارل الثاني وتحدث قليلا الى السفير. ولقد اعتاد السفير المغربي  أن يقصد في معظم الأوقات حديقة هايدبارك على صهوة الجواد الذي خصص له، حيث كان يقوم صحبة أفراد البعثة ببعض ألعاب الفروسية، لقد كانوا يثبون بواسطة خيولهم على الحواجز، وكانت الخيول تجري بهم بأقصى درجة، وكانوا أحيانا يقفون على ظهور هذه الخيول وهي تجري بكامل السرعة، وهم أثناء هذا يلعبون برماحهم في رشاقة وخفة تفوق الوصف.

لقد خلفت أعمال الفروسية الجريئة التي كان يقوم بها السفير في هايدبارك تأثيرا على رسام القصر الملكي “السير كونفري كيلر” الذي أخذ للسفير رسما وهو يمتطي صهوة جواده يمسك بالرمح، بينما يرفع الفرس قوائمه الأولى.

وقد قام السفير يقول ايفلين – بزيارة المسارح الإنجليزية حيث شاهد بعض المسرحيات الهزلية، الا أن الملاحظ عليه أنه لم يرفع الصوت بضحكه عند المشاهد الساخرة، بل انه كان يحاول الحفاظ على حيائه ورزانته فيخفي مثل تلك الحركات وقد قام السفير بزيارة أمكنة أخرى مثل جامعة كمبردج، والملاحظ أن هذه الزيارات لم تكن تمر دون نشاط، ففي خلال زيارته لهذه الجامعة حضر مأدبة أقامها على شرفه نائب رئيس الجامعة وعمداء الكليات.

ويقارن ايفلين بين السفير المغربي والسفير الروسي الذي كان هو ايضا حاضرا بلندن في مهمة من لدن القيصر ((وبإختصار فان سلوك السفير الروسي لدى البلاط كان سلوكا فضا وخشنا، اذا ما قورن بهذا السفير المتمدن)) وبعد الاتفاق على مشروع الإتفاقية المغربية الإنجليزية للسلام والتجارة يوم 23 مارس 1682 يضيف الأستاذ عبدالهادي التازي بأن زيارة السفير سجلت حدثا من أبرز الأحداث التي لا يمكن للانسان أن يمر عليها مرورا خاطفا ، ويتعلق الأمر بدعوة السفير لزيارة الجمعية الملكية، حيث حضر في صدر القوم رئيس الأكاديمية كريستوفر ورن .. وبخط السفير المغربي سجل تاريخ زيارته لهذه المعلمة بخط يده على هذا النحو ((الحمد لله، وكتب هذا الحرف خديم المقام العالي بالله محمد بن حدو العطار، وفي ستة وعشرين من يبراير عام ثلاثة وتسعين والف)).

ثم ينتقل الكاتب البريطاني للحديث عن مأدبة الغذاء التي اقيمت على شرفه بحضور البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى البلاط الإنجليزي فيقول ((لقد دعي سفراء الهند الشرقية، حيث انه كان لدينا في لندن في ذلك الوقت السفير الروسي والسفير المغربي والهندي.. دعوا جميعا للغذاء عند السيد اللورد جورج بيركلي …. لقد ذهبت الى حفل الضيافة لتقديم الاحترام للضيوف الواردين. كانوا ذوي طبع متميز وملامح خاصة، لقد تناولنا الغذاء على مائدتين كانتا تضمان السفراء والمترجمين، كانت جلاليبهم من الحرير الفاخر المطرز بالذهب، كانوا يحملون على أكتافهم خناجر ذات أعمدة منقوشة بأشكال ثعابين، أو رؤوس شياطين، مقابضها كأنها من صنع دمشق، ولم تكن معهم سيوف)).

وبعد هذه السفارة الممتعة عاد محمد بن حدو صحبة الوفد المرافق محملا بهدايا من الملك الإنجليزي منها عربة فاخرة مع الجياد التي تصحبها وهدايا أخرى من المعدات العسكرية ، كما حمل معه إلى الملك المغربي المولى إسماعيل مشروع إتفاقية تجارية لم يصادق عليها المغرب بسبب سوء معاملة التجار الإنجليز وتواطئهم مع العناصر المتمردة ، وكان رجوعه إلى طنجة ما بين الثلاثين من غشت وتاسع شتمبر 1682 حيث توجه إلى مكناس لتسليم تقرير عن زيارته إلى المولى إسماعيل).

واستفاد المغرب من هذه الزيارة لأن بريطانيا أخلت مدينة طنجة ورجعت إلى عرينها الإسلامي واسترجعت معالمها الحضارية العريقة وعاد مسجدها الأعظم لأداء الصلوات وإسماع الآذان بعدما كان قد حول إلى كنيسة كتدرائية أسماها الإنجليز.. (سان ايسبري ) كما فعل في باقي المساجد الاخرى كما أشرنا إلى ذلك عند الحديث عن جهود القائد على عبد الله الحمامي الريفي.

محـنـة السـفيـر ابـن حـدو:

وأورد الدكتور عبد الهادي التازي في بحثه المشار إليه ما أوردته المصادر الأوروبية عن المحنة التي تعرض لها ابن حدو بعد رجوعه إلى المغرب فيقول:

((لقد أمعنت المصادر الأوربية في تتبع أخبار ابن حدو بعدعودته إلى بلاده، وخاصة منذ أوائل نونبر 1682، وذهبت بها الإفتراضات إلى ترويج أخبار مفادها أن ابن حدو يعيش ظروف امتحان نتيجة لوشايات ودسائس حيكت للسفير من لدن القائدين احمد بن حدو وعلي بن عبد الله السالفي الذكر، وهو الأمر الذي تؤكده رسالة من ابن حدو أعطار إلى لندن بتاريخ 26 شوال 1093 هـ 28 اکتوبر 1684.

وشرح الكولونيل كيرك جزءا منها حينما قال : (( إن الخصوم السياسيين للسفير ابن حدو كانوا قد أرسلوا يهوديا للتجسس عليه في انجلترا، تسلم لهذه الغاية رشوة باهضة الثمن، وقد عاد اليهودي بتقرير ضد ابن حدو وضد الوقاش وبقية أعضاء السفارة، حيث كان ذلك سببا في تغيير السلطان مولاي اسماعيل إلى شارل بتاريخ 6 ربيع الاول 1095 – 22 يبراير 1684م أي بعد تحرير طنجة يظهر أن سبب المؤاخذة يرجع لكون السفير ربما كان طمع إنجلترا بأمل بقائها في طنجة، مما ورد في الرسالة .. وقدوم خديمنا محمد بن حدو كان ززأ عليه ، وحيث طلبتم منا وصول واحد من خدامنا اليكم وجهناه لكم، ومنذ وصلكم وفرحتم به وتلقيتموه بملقى مليح كان يقول لكم. نقضي لكم عند سيدي طلبكم وينعم عليكم، فحيث وصلنا وذكر لنا ذلك، ها أنت سمعت ما وقع به وما صار له، فكل من قاولكم بشيء قبل هذا أوذكره لكم فقد كذب عليكم ..).

ويضيف عبد الهادي التازي بأن الشرفاء والعلماء لدى السلطان مولاي اسماعيل تدخلوا لصالح السفير الذي لا تجهل علاقته الشخصية بولي العهد الأمير مولاي زيدان واصبح من الرجال المحظوظين في البلاط، وكل بعد ذلك بمفاوضة المبعوث الفرنسي سانت أمانس الذي أرسل من طرف لويس الرابع عشر لمراجعة الاتفاقية التي كان أبرمها بباريس الحاج محمد تميم بتاريخ 29 يناير 1682.

الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره