إحراق مصادر المعرفة في الزمن العربي !

Écrit par

dans

إحراق مصادر المعرفة في الزمن العربي !

بالنظر إلى السلالات والأسر التي حكمت البلاد العربية ؛ عبر العصور والأحداث والوقائع الفاصلة التي تضيق بها فصول التاريخ السياسي العربي ؛ يمكن للباحث أن يلتقط مؤشرات غاية في الأهمية والخطورة ، لعل أبرزها ظاهرة العمد إلى مصادر المعرفة وكل ما له صلة بنظام حاكم أو شخص بعينه أو تيار فكري مناهض ، ثم العمل على إحراقها وإتلافها وتدميرها أو طمسها ، ويندرج ؛ في هذا السياق ؛ مكتبات بأكملها ومخطوطات وحوليات وسجلات وأدوات ، ويستوي ؛ ضمن هذه المصادر ؛ الأشخاص أنفسهم ، فيلقون مصيرهم بالتصفية الجسدية ، كقطع دابر لكل رواية شفاهية ؛ من شأنها أن تبقي على حياة مصدر معرفي معلوم. ويتساءل المرء ؛ أمام مصادرة هذه المعالم المعرفية والثقافية بوجه خاص ؛ عما هي النوايا والأبعاد التي كانت تقف خلفها ؟

لقد أجمع معظم الباحثين والمؤرخين خاصة على أن تاريخ البلاد العربية كان ؛ في معظم أطواره وأحقابه ؛ دمويا (bloody ) بالمعنى العدائي ذي النزعة التوسعية والانتقامية ، فقد كانت الحروب سجالا لا تفتر بين هذا المعسكر أو ذاك ، وكلما قامت دولة/خلافة على أنقاض أخرى عمد الحاكم/الخليفة الجديد إلى محو آثار ومعالم الأولى ؛ حجرا كان أو ورقا ، وأحيانا تمتد أياديه إلى « العلماء » وكل من ما زال يدين بالولاء إلى الحاكم المخلوع ، وفي حالات كثيرة ؛ وتحاشيا لمغبة الاصطدام المذهبي وكل كتابة ذات علاقة بمناهضة تيار فقهي ما ، أو تفنيد أطروحة سياسية ضد أخرى ؛ عمد كثير من الفقهاء والأدباء والكَتبة إلى إحراق كتبهم أو إتلافها ، ومنهم من تعلل ؛ وراء فعلته ؛ للحيلولة دون وقوعها بأيدي غلاة أشرار أو وشاة فيطالبون برأسه ، على أن الفعل الهمجي هو الآخر كان حاضرا بقوة في إحراق المكتبات ، كما صنع تيمور لنك (1239-1400) بمكتبة بيت الحكمة أثناء غزوه للعراق.

أما الدوافع السياسية والمذهبية ؛ وراء إتلاف الكتب والتصانيف العربية ؛ فسنجد أن الإمبراطورية العثمانية وبسط نفوذها على البلاد العربية أبرز مثال على تصفية وإتلاف كل الآثار ومعالم المعرفة التي تتنافى مع توجهاتها السياسية والمذهبية ، أو تشتم فيها رائحة التغني بمفاخر العرب وفتوحاتهم.

   في التاريخ المغربي …

هناك رواية شفاهية تناقلها الرواة ، مفادها أن الفقيه الحسن اليوسي ؛ دفين إحدى قرى عزّابة بإقليم صفرو ؛ بعث برسالة إلى السلطان مولاي إسماعيل « يؤنبه » شرعا بأن اتخاذ الجثة الآدمية آجرا في بناء الأسوار منهي عنه ، فأرسل إليه يستقدمه إلى بلاطه بمكناس صحبة كتبه ، إلا أن الفقيه تعلل بمرض ألزمه الفراش ، وكان يعلم بمصيره ومصير كتبه فأودعها سرا لدى بعض رجاله . كما أن السلطان نفسه ؛ وتعقبا له لكل ما يمت بصلة إلى أسرة السعديين ؛ أجهز على « القصر البديع » بمراكش فتم تجريده من كل معالم الزينة والفخامة التي عرفها السعديون على عهد السلطان المنصور الذهبي ، ليلا يعود له ذكر في الذاكرة الشعبية .

 كتاب سيعجّل بمقتل صاحبه

اشتهر الفقيه لسان الدين بن الخطيب بلقب « ذو الوزارتين » ، لجمعه بين « وزير الديوان » وكل ما له صلة بمراسلات الخليفة ، على عهد الخليفة محمد الخامس الأندلسي حاكم غرناطة وبين توليه إمارة القضاء ، فكثر حساده وأعداؤه ومناوئوه داخل البلاط وخارجه ، وشرعوا يتحينون الفرصة تلو الأخرى للإيقاع به ،حتى إذا كشف النقاب عن كتاب له أسماه :  » روضة التعريف بالحب الشريف » ، فتلقفه الوشاة طعْما ساما لدى الخليفة ورموه بالزندقة والطعن في « آل البيت » ، ومن ثم بدأ العد العكسي لتصفيته ، وسيلقى مصرعه بمدينة فاس ودفن بها ، لكن حُرقة العداوة ونيرانها في قلوب الوشاة ستخف بعد أن أمروا باستخراج جثته وإضرام النار بها ، على مرأى ومسمع حشود غفيرة ؛ كانت تحج كل يوم جمعة إلى « باب محروق » لتشهد تعليق الرؤوس وإحراقها!

 أين هي معالم الحماية الإسبانية بالمغرب ؟!

  فور الإعلان عن استقلال المغرب وجلاء قوات الاحتلال الإسبانية عمد الفكر الديني الظلامي لدى جمهرة من « الفقهاء » إلى إصدار فتوى بجواز إحراق وإتلاف وطمس كل المآثر والوثائق والمباني ذات الصلة بالإسبان باعتبارهم « كفرة » لا يجوز « شرعا » استخدامها أو الاحتفاظ بها ، وبناء عليه اندرست كل المدارس والحصون والمؤسسات ومراكز الترفيه والتثقيف التي خلفها الإسبان في كل من مدينتي الناظور وتطوان ..!

   هل تاريخنا سليم من البتر ؟

هي إشكالية مركزية معقدة ؛ يمكن أن تنسحب على كل تاريخ الأمم والشعوب ، لكن بالنسبة للتراث العربي ، في جانبه المعرفي المكتوب ؛ فسيكون على الباحث المحقق طرح أسئلة كبرى حول تدْمير وإتلاف أجوبة ظلت حبيسة رفوف مكتبات عدة ، وفي آن واحد سيجد نفسه أمام ركامات من المعارف ، وسيشق عليه حملها على وجه اليقين ، بل التشكيك في صحة رواياتها أمر وارد ، طالما أنها وصلت إلينا عبر مصافي وغرابيل ؛ يختلط فيها السياسي بالديني والإيديولوجي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *