قضاة مدينة تطوان

بريس تطوان

قبل الحديث عن خطة القضاء زمن الحماية الإسبانية وما بعدها، وجب التذكير بأن مهمة القضاء، قبل هذه الفترة، لم تكن خاضعة في تكوينها لشروط موضوعية وقانونية يمكن الاطمئنان إليها، إذ كان القضاء يخضع في تنظيمه حسب أعراف الجهات التي كانت تناسب البنية الاجتماعية والاقتصادية لكل منطقة متأثرا بصفة مستمرة بالجماعة وليس نابعا من قوة القانون، مع العلم أن الأعراف تختلف بين المدن بل وحتى داخل المدن ذاتها.

ومدينة تطوان لم تشد في تاريخها العريق عن هذه القاعدة مند تأسيسها على يد القائد الحسن المنظري، وإلى فترة الحماية الإسبانية، ومع ذلك عرفت في تاريخها وجود مجموعة من القضاة الأفذاذ استطاعوا أن يحافظوا على هيبة المدينة، وعلى مرتكزاتها التقليدية عن طريق نشرهم للطمأنينة والأمن بين رعيتها بفضل عدالة الأحكام الصادرة بواسطتهم مع التنفيد المباشر والسريع، كالقاضي محمد الرزيني وهو أقدم من تم الوقوف على أسمائهم من قضاة تطوان خلال القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، وكذلك القاضي محمد الكراسي، والقاضي محمد بن سعيد بن قريش، وهو أول من تولى قضاء تطوان من هذه العائلة في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، والقاضي عبد المجيد بن طريقة، والقاضي عبد الوهاب الفاسي، والقاضي عبد الرحمن الزلال.

أما زمن الحماية فقد اتخذ النظام القضائي وجهة مغايرة نظرا للظروف الجديدة التي خضعت لها المدينة وللترسانة القانونية التي وضعها الاستعمار الإسباني قصد التحكم في مفاصل منطقة نفوده كحامي لها.

فكان من أسس هذا التنظيم إنشاء وزارة العدلية، التي كان يرأسها وزير العدلية، وبجانبه رئيس مجلس الاستئناف الشرعي، ثم أعضاء مجلس الاستئناف الشرعي وهم أربعة أفراد ومستشارين لوزارة العدلية، ويمكن اعتبار هؤلاء هم أركان الإدارة المركزية للوزارة، فمقرات عملهم جميعا كانت توجد بمدينة تطوان.

وقد تولى هذه الوزارة ثلاث شخصيات مهمة لها باع طويل في الدراسات الشرعية والتاريخية من مثل الفقيه الرهوني الذي كان على رأس هذه الوزارة سنة 1913 واستمر قائما بأعمالها إلى أن أعفي منها للمرة الأولى عام 1923، ثم أعيد إليها للمرة الثانية مع لقب جديد هو قاضي القضاة، وبقي بها إلى حدود سنة 1934 حيث تم إعفاؤه بصفة دائمة، ليخلفه في هذا المنصب الفقيه محمد بن التهامي أفيلال وفي عهده وضعت لهذه الوزارة ومتعلقاتها أنظمة وقوانين لتنظيم إدارتها ودفاترها ومحافظها ومعاملاتها ومحاكمها، وجميع ماله اتصال بها وبرجالها وأحكامها، ومن أهم هذه الأنظمة والقوانين، صدور الظهير المعلن لاستقلال القضاء بالمنطقة في سنة 1939. وعلى حد قول الأستاذ محمد داود. أعفي القاضي والوزير محمد أفيلال سنة 1954 ليخلفه الأستاذ عبد الله كنون على رأس الوزارة المذكورة.

وتجدر الإشارة إلى مجموعة من الأسماء البارزة التي طبعت تاريخ القضاء بالمدينة خلال هذه الحقبة بمداد الفخر والاعتزاز، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر، الفقيه أحمد الزواقي الذي خلف القاضي التهامي أفيلال في هذا المنصب، فنهض بأعبائه على الوجه المرضي، وأصلح في نظامه ومراسيمه ما وسعه الإصلاح، استمر الزواقي في هذا المنصب إلى أن استعفى فأعفي، ليتولى بعدها قضاء مدينة القصر الكبير خلفا لأخيه محمد الزواقي، سيعود القاضي الزواقي ليشغل نفس المنصب بمدينة تطوان للمرة الثانية والأخيرة سنة 1353 ه. وكذلك فقيه تطوان الكبير السيد محمد المرير الذي عين بظهير خليفي قاضيا بمدينة القصر الكبير سنة 1919، ثم قاضيا بمدينة أصيلا سنة 1925، وبقي بها إلى أن تولى قضاء عاصمة تطوان بظهير حسني سنة 1926.

أما الأستاذ الحسن بن عبد الوهاب أحد أقطاب الحركة الوطنية بالشمال فقد تولى بعد الاستقلال منصب قاضي التوثيق ومستشارا لمحكمة الاستئناف بمدينة طنجة.

العنوان: تطوان إرث وطموحات متوسطية

إشراف: كريمة بنيعيش / سعيد الحصيني

(بريس تطوان)

يتبع

إقرأ الخبر من مصدره