أدونيس: المسلم « العدو الأول » للإسلام.. والعروي مجدد في الدراسات التراثية

Écrit par

dans


حاوره: علي بنهرار

قال الشاعر والباحث السوري اللبناني أحمد سعيد إسبر، المعروف باسم أدونيس، إن “المسلم هو العدو الأول لإسلامه بحيث حول دينه إلى أداة ووسيلة ورأسمال”، مبرزاً أن “المسلم مازال يعيش أزمة وجودية في الغرب، فهو حين يذهب ليعيش في أوروبا يذهب ويعتقد أنه يعيش في بلده مجتمعه تماما، وهذا أمر غير سليم وغير صحيح”.

وأفاد أدونيس، ضمن حواره هذا مع هسبريس، بأن القطيعة مع التراث لديها مهمة واضحة، هي القطع مع السياسي وكل ما يتعلق بالسلطة في الفكر الإسلامي القديم”، منوها بالجهود التي قدمها المفكر المغربي عبد الله العروي في سياق خلق جديد لحركة تراهن على التحديث الفكري للمجتمعات العربية عامة”.

يعيش المسلمون في الغرب اليوم وضعا صعبا وملتبساً، ولهذا أود أن نبدأ حوارنا حول ما صار ينعتُ بـ”التطرف العلماني المعاصر”، أو قُل ما اعتبره البعض المقابل البنيوي لمفهوم “التطرف الديني”، من الناحية النظرية طبعاً. كيف يقرأ أدونيس هذا المفهوم؟

أنا أحتاط من مثل هذه المفاهيم، ببساطة لأن الشعوب الأوروبية أغلبها ضد السياسة الرسمية للدولة؛ يعني من الذي يجسد هذا التطرف إذن؟

الشعوب أو الحكومات الغربية؟ وهنا يبدو لي أنه علينا أن نتحوط كثيراً، لكون هذه الأقاويل في مُعظمها ليست دراسات، أي ليست مبنية على معرفة.

التعميم الذي يعتمل فينا هو المشكلة، فنحن نلتقط حالات معزولة ونعممها لأسباب ما. خذ مثلاً مقتل الشاب نائل في فرنسا، ألم تعتذر السلطة المدنية الفرنسية رسميا؟ لكننا انجرفنا مع التيار الآخر، وغيبنا هذا في إعلام المنطقة، لنكرس مقولة “الغرب متطرف”.

ليس هناك عدو للمسلم أكثر من نفسه، بل صرت أعتبر المسلم هو العدو الأول لإسلامه. لذلك، أقول إنه يجبُ أن نسأل المُواطنين العرب الذين ولدوا في البلدان الأوروبية سؤالا واحداً: هل أنت مغربي أو فرنسي؟ سوري أو ألماني؟ فقط. مشكلتنا أننا نذهب لنعيش في الغرب ونظن أن المجتمعات الغربية مثلنا، وأنها يجب أن تشبهنا. المسلم يعاني يوميا من أزمة وجودية حين يذهب ليعيش في فرنسا أو أي بلد غربي آخر. تجده يتصرف وكأنه في بلد إسلامي، ويحاول العيش وكأنه في بلد غير غربي. وهذه مشكلة حقيقية، لأنها تعبر عن كوننا مجتمعات لم تستوعبْ شعوبها بعدُ معنى المُواطنة.

ودعنا ننظر للأمر بشكل معكوس، هل سيقبل المسلمون أن يأتي الغربيون ويعيشون في المجتمعات الإسلامية كأنهم غربيون؟ لماذا لا نطبق على أنفسنا المبادئ نفسها التي نطبقها في تصورنا للآخر؟

(مقاطعا) ما الذي يود أدونيس قوله بالتحديد هنا؟

أقصد أن هذا تصور جد مُلتبس، يحتاج إلى بحث. وأنا حسب ما ألاحظه، لم يتعرض أحد للمسلمين بمعتقداتهم الخاصة، وإنما في الغرب هناك فضاءات تعد نطاقا مدنيا، أو ملكاً مشتركاً، كالتعليم مثلاً. لنأخذ مثلاً مسألة الحجاب، فمن الناحية المبدئية الحجاب لا يجوز ارتداؤه في المدرسة باعتبارها فضاء مشتركاً، بينما في الشارع وفي المقهى، هناك نساء كثيرات يرتدينه في فرنسا وغيرها. وتطبيق هذه المبادئ ليس بالضرورة “تطرفا علمانيا”. فلا أحد ضد الحجاب في المبدأ، لكن ضده حيث يشترك الجميع في مبدأ واحد. هذا ما تقوله البيانات دائما، لكننا نغض الطرف عنها. نحن فهمنا النموذج اللائكي الفرنسي بشكل خاطئ للغاية.

كيف تعتبره خاطئا وأنت تعرف أن هناك حركة ديكولونيالية برزت، في أفق الباحثين من المنطقة، تحاولُ أن تمارس نوعاً من العصيان الابستيمولوجي تجاه النبرة الاستعلائية للنظريات الغربية وأن تقوض الروح الاستعمارية فيما يتم تحريره محليا؟

مجرد شعارات. وسأحاول أن أجيبك انطلاقاً من بعض الأسئلة: ماذا أخذ العرب عمقيا من الغرب حتى ينفكوا عنه؟ هل أخذنا منهم ديكارت؟ هل يستطيع العربي أن يقول اليوم “أنا أفكر إذن أنا موجود”؟ هل أخذنا المبادئ التي تأسست عليها النهضة الغربية؟ لماذا نأخذ السيارة مثلاً ونرفض المبادئ العلمية التي أدت إلى صنعها؟ نحن جعلنا السيارة كثوب خارجي لا علاقة له بجسمنا. لماذا نتعلم اللغة الفرنسية كنسق للتواصل ولا ننبش في تاريخها الحضاري؟ من تأثر عمقيا بالشعراء الفرنسيين؟ هل عندنا بودلير جديد، أو رامبو، هيجو وأبولينير في محيطنا التداولي؟

لكن، من حق مثقفينا أن ينجزوا أعمالاً تدعي أنها تفك الارتباط الابستيمولوجي مع الغرب، لا أحد سيعترض. بيد أني صراحةً أخشى ألا يكون هناك أي جديد. الحداثة ومفاهيمها بقيت قرنين كاملين هي مدار النقد في العالم العربي. الحداثة والحديث والمحدث ضد القديم والتقليدي والرجعي، إلخ. النقاد الحريصون على التراث العربي لم يقولوا كلاما كثيرا عن روح “الحداثة” التي عرفها العرب. العرب خلقوا مصطلحات حديثة، لكننا مستعمرون ولا يمكن أن ننفصل عن الغرب بدعوى الديكولونيالية، إلا إذا توفرت الشروط الحقيقية لذلك.

نحن لدينا مرض، وأظن أن له الأولوية ليشخصه المثقفون، وهو أن العرب اليوم يعيشون إسلاماً آخر، إسلام الأداة والوسيلة والرأسمال، هذا دمر المسلمين ودمر الإسلام، بحيث لم يعد هناك بعد روحاني. وأكرر القول إن المسلم هو العدو الأول لنفسه، في ممارساته، وفي فهمه للإسلام، مع أنني أحترسُ منه بدوري، لكونه يحتاج إلى بحث معمق، وأعتقدُ سأقوم به قريباً. ثم، يبدو لي أن لدينا أيضاً مرضا آخر هو التبعية؛ بحيث أتساءل دائماً:

لماذا نكره الولايات المتحدة الأمريكية ونتبعها عمليا؟ رغم أننا نعرف أن أمريكا هي أسوأ دولة في تاريخ البشرية لكون نظامها قام في الأصل على استئصال السكان الأصليين بأكملهم.

بخصوص موضوع البحث المحلي، قلتَ إن الوحيد الذي جاء بجديد في حقل الدراسات التراثية هو عبد الله العروي، وأنت تتقاطع مع المفكر المغربي في مفهوم القطيعة المنهجية مع التراث. لكن السؤال المطروح على راهننا: هل يمكن لهذه “القطيعة مع التراث” أن تساهم في تحديث متوننا المعرفية، وبالتالي تسهيل تحاورنا مع الغرب عبر خطاب الند للند؟

تحديث هذه المتون، يجبُ أن ينطلق من حقيقة أنه ليست هناك ثقافة خاصة، إلا الثقافة العملية. ابن سينا وأرسطو وأفلاطون وديكارت ونيتشه، إلخ، مثل الهواء، كل منهم يتكيف معه. بمعنى أن هناك ثقافة كونية واحدة تنضوي تحت لوائها مختلف ثقافات العالم. الفرد غير موجود إلا بالآخر. لكن مشكلتنا التي تجعلنا ضعفاء أمام الغرب، تكمن في الدين، وهي أننا ليست لدينا ذاتية، بل هناك جماعة. والجماعة لا ترسم لوحة ولا تحرر رواية ولا تكتب قصيدة ولا تفكر أصلاً. هذه مهمات الفرد بشكل حصري. فلماذا إدخال الجماعة في الفكر؟

الجماعة مفهوم سياسي سلطوي، وليس فكريا. ومن ثم، لا يمكن على الإطلاق أن نفكر في طرافة مفهوم القطيعة مادام هذا التفكير موجودا بهذه الحدة والقوة الحالية. والقطيعة ليست توجها كليا يروم القطع مع التراث بمجمله، ولكن المقصود به هو القطيعة مع الطبقة التي ارتبطت بالنظام السياسي أو تخصصت في التنظير له، فقط. ولا يمكن أن نقطع مع مجنون ليلى مثلاً. هناك مجرى عميق لا يمكن أن نقطع معه، ولكن يمكن القطيعة مع الماء المتواجد في الضفاف، ومع الماء الذي يتبخر مع مرور الوقت، إلخ.

ما أقصده وقصده العروي أيضاً، هو القطيعة مع ثقافة السلطات، ولكن ليس مع ثقافة المبدعين. فأي مبدع أهم من أي سياسي. ثقافة المبدعين هي ثقافة حية ومُظلمة، عكس ثقافة السلطة المظلمة والمتكلسة. عندما تستخدم الشعر مثلاً، يصبح مديحاً أو هجاءً، وهذا تجسيد أمينٌ للسقوط.

الشعر الذي يعبر عن الذات والألم والحب والقضايا الكبرى، لا يمكن أن نقطع معه. وبالتالي نحن لا نقطع مع التراث كله، بل نقطع مع النتاج الذي ارتبط بالسلطة وأصبح جزءا من التاريخ والأحداث التاريخية تخطته.

لكنك تعرف أن هناك من الباحثين من يعتبر هذه القطيعة مجرد تجريد طريف، وخصوصاً أن مشروع العروي بدأ منذ السبعينات، بينما مازال ما يقوله يُقرأ بحذر شديد بالمغرب والمنطقة. أتعتقد أن التنزيل الفعلي لما قاله العروي مازال يحملُ شيئاً من الجدة اليوم أم إن نداء مشروعه الفكري للحداثة كقيمة انتهى بلا رجعة بعد أن حل زمن “ما بعد الحداثة” رغما عنا؟

أنا لدي رأي مختلف في هذا الموضوع. فالعرب بالنسبة لي لم يدخلوا الحداثة حتى الآن، دخلوا في بعض الجزئيات، لكن لا يمكن أن يصبح المجتمع حديثا إذا بقيت أفكار وقضايا تقرر مصيره ولا يستطيع أن يقول رأيه فيها بحرية، وأنا أقصد التراث الديني بشكل عام. المجتمعات العربية غير حديثة بالمعنى العميق للكلمة لا ثقافيا ولا اجتماعيا ولا حتى سياسيا. لكن ما قاله العروي مازال راهنا، لأنه كان ضمن حركة معينة تراهن على خلق أفق جديد، وأنا أضع عبد الله العروي في الطليعة، لكننا إلى اليوم لم نقطع كثقافة مع القديم، ولا يمكن القطيعة إلا إذا استطاع المفكر العربي أن يطرح على النبوة والنصوص الدينية أسئلة حرة وكاملة.

(مقاطعا) يعني مثل ما فعله نيتشه في الغرب؟

بالضبط، لأنني شخصيا أعتبر نيتشه هو الرجل الحديث الوحيد كنموذج. لكن لا أحد عندنا فعل ما فعله نيتشه إطلاقاً، لا أنا ولا العروي ولا أي مثقف عربي آخر. هذا واضح، لكني لا أتفق مع من يعتبر مشروع العروي تجريداً، ببساطة لوجود عقبات موضوعية في بنية المُجتمع تعيق تنزيله وتعرقل إمكانية النظر فيه. ولهذا أقول إنه ما لم يُصبح المجتمع العربي مجتمعا مدنيا بكامل المعنى، بحيث الإنسان يتصرف لا كمنتمي إلى دين ولا إلى قبيلة ولا إلى طائفة أو عرق، وإنما ككائن حر يقول رأيه في كل شيء، ودون أن يُعاقب، فلن نكون مجتمعات حديثة ومنخرطة في نادي الإنسانية. أنت وأنا نعرف أن حرية التعبير عندنا محاصرة والتفكير عندنا حتى الآن مازال يعد جريمة.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *