احتضنت مدينة جدة السعودية نهاية الأسبوع المنصرم، مؤتمرا دوليا بمشاركة نحو 40 دولة بهدف الاتفاق على المبادئ الأساسية لتسوية سلمية مستقبلية، تنهي الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي الوقت الذي عرف الاجتماع حضور مستشاري الأمن الوطني وكبار المسؤولين في عديد من الدول العربية والإفريقية والغربية، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر وقطر، إضافة إلى دول منظمة “البريكس”، وممثلين عن الاتحاد الأوروبي، اختار المغرب العزوف عن الحضور بدون أن يقدم أي تفسير رسمي للغياب ، ما يطرح مجموعة من القراءات حول هذا القرار.
أولها حسب الخبير في العلاقات الدولية أحمد نور الدين، مسألة “اللغط الدبلوماسي” اذ أنه حين تتعدد المبادرات وتكاد تتداخل في توقيتها الزمني، يتم خلق نوع من هذا اللغط، الذي يشوش على إيجاد الحل السياسي ويعقد الوصول إلى التوافق بين الأطراف المتنازعة. وهذا ما نراه في حالة الأزمة الاوكرانية، حيث تزامنت مبادرة الدول الافريقية، والمبادرة التركية ومبادرة الأمين العام للأمم المتحدة، ومبادرة سابقة للجامعة العربية وأخيرا مبادرة المملكة العربية السعودية وغيرها.
والثاني، يتابع نور الدين في حديثه مع “الأيام24” أن مبادرة مؤتمر جدة لا يمكن أن نصفها بالمتكاملة، وذلك في غياب طرف أساسي هو روسيا، وبالتالي اذا لم تكن هناك تفاهمات مسبقة وغير معلنة مع موسكو من طرف الرياض، فحظوظ المبادرة للنجاح شبه منعدمة..و ثالثا: المغرب في وساطته لحل الخلافات يعتمد على عنصرين اساسيين، ثقة الأطراف في مصداقيته، ثم تعبير تلك الأطراف عن رغبتها في الوساطة، ومن غير توفر الشرطين فلا حظوظ لنجاح اي مبادرة للصلح.
ثم يضيف رابعا، نور الدين، أنه ولتوفير الشرطين السابقين لنجاح الوساطة، غالبا ما يشتغل المغرب بعيدا عن الاضواء ودون ضجيج إلى أن تتحقق الأهداف.
وبخصوص سؤال تأثير الشراكة الاقتصادية مع روسيا على موقف المغرب من النزاع، قال المحلل السياسي أن الجواب قد أعلنه المغرب في ثلاثة مواقف رسمية، الاول كان قي فبراير 2022 حين امتنع عن المشاركة في التصويت على قرار للأمم المتحدة يدين روسيا وغادر ممثل المغرب القاعة، لأن إدانة روسيا في بداية النزاع كان نوعا من تصفية الحسابات الغربية معها وكان سيعقد الوضع ولا يساهم في تهدئته، بل من شأنه أن يدفع موسكو نحو التطرف أكثر في الخيار العسكري مما سيهدد السلم العالمي، وهذا ما لا يرغب فيه أحد وهو ما أكدته الخارجية المغربية في بيان رسمي يفسر موقفها المتشبث بالتسوية السلمية للنزاعات مما يبقي الباب مفتوحا أمام موسكو، وفي نفس الوقت رفض بيان الخارجية المساس بالوحدة الترابية وسيادة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة وهو موقف مغربي واضح رافض للإعتداء على أراضي أوكرانيا المعترف بها دوليا. وبالتالي يتابع نور الدين، فلا مجال لإتهام المغرب بتقديم المصالح الاقتصادية على المبادئ والقانون الدولي في هذا النزاع او غيره.
وأشار المتحدث إلى أن الموقف الثاني كان سنة بعد ذلك، حين صوت المغرب مع قرار أممي يدعو إلى “سلام شامل وعادل” وهذا يتماشى مع توجهات المغرب ومبادئه التي وردت في البيان الذي أشرت اليه أعلاه.
ثم أبرز نور الدين الموقف الثالث، والمتمثل في كلمة رئيس الحكومة المغربية في “قمة روسيا إفريقيا” التي إنعقدت نهاية شهر يوليوز 2023 في سانبطرسبرغ ، حيث عبر المغرب بوضوح عن ضرورة حل النزاعات بطرق سلمية وضرورة احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، ويضيف : قال ذلك من داخل اجتماع يحضره الرئيس الروسي وينعقد في روسيا، وفي ذلك تأكيد على ثبات الموقف المغربي على المبدأ وعدم ازدواجيته، وأن المغرب يتبنى الشفافية في المواقف وينبذ الإزدواجية والإنتهازية في سياسته الخارجية.
وخلص أحمد نور الدين، إلى أنه ومن خلال هذه المواقف الرسمية الثلاثة للمملكة المغربية، لا أحد يمكنه أن يتهم المغرب بعدم الوضوح في الموقف من الحرب الأوكرانية أو بمحاباة جهة على حساب الشرعية الدولية.