هل يفاقم تدبير القضاء للاعتقال الاحتياطي ظاهرة ارتفاع ساكنة السجون؟

Écrit par

dans


هسبريس – محمد الراجي

عاد ملف الاعتقال الاحتياطي في المغرب بقوة إلى واجهة النقاش العمومي بعد البلاغ الصادر عن المندوبية العامة لإدارة السجون، الذي أكد وصول عدد نزلاء المؤسسات السجنية إلى مستوى قياسي فاق مائة ألف سجين.

بلاغ المندوبية المذكورة أثار ردود فعل من طرف هيئات ممثلة للقضاة، عبرت عن رفضها تحميل مسؤولية ارتفاع الساكنة السجنية إلى القضاة. لكن رئاسة النيابة العامة سبق لها أن حمّلت الجسم القضائي نصيبا من مسؤولية ارتفاع عدد المعتقلين في إطار الاعتقال الاحتياطي.

رئاسة النيابة العامة عممت دورية سنة 2018، أشارت فيها إلى أن العديد من الأشخاص “يتم اعتقالهم دون وجود مبررات قانونية تدعو لذلك، وأحيانا في قضايا لا تتوفر فيها وسائل إثبات كافية تنتهي بالبراءة”.

ولا يَعني ذلك أن “هناك فراغا قانونيا يفضي إلى اعتقال مواطنين بدون مبررات قانونية كما يتصور البعض، وإنما هناك شروط عامة اشترطها المشرع وترك سلطة تقدير توافرها بيد قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق وقضاة الحكم في حالات معينة”.

عبد الرزاق الجباري، رئيس نادي قضاة المغرب، قال في تصريح لهسبريس إن قانون المسطرة الجنائية ميز بين حالتين من الاعتقال بأمر من النيابة العامة على مستوى المحاكم الابتدائية، وهما حالة التلبس بالجريمة، وحالة البحث التمهيدي العادي، وأوضح أنه في حالة التلبس بالجريمة لا يشترط لاعتقال المتهم سوى كون الجريمة المتلبس بها معاقبا عليها بالحبس، وأن ضمانات حضوره أمام المحكمة غير كافية، وذلك حسب المادة 74 من قانون المسطرة الجنائية.

وفي حالة البحث التمهيدي العادي، يُردف رئيس نادي قضاة المغرب شارحا، يُشترط أن يتعلق الأمر بجريمة معاقب عليها بالحبس، وأن يعترف المشتبه فيه بارتكابها أو أن تظهر معالم أو أدلة قوية على ارتكابها في حال عدم اعترافه بها، وألا تتوفر فيه ضمانات كافية للحضور، أو أن يكون خطيرا على الأمن العام أو سلامة الأشخاص والأموال، موضحا أنه في هذه الحالة يلزم وكيل الملك بتعليل قراره، تطبيقا للمادة 47 من القانون نفسه.

وبناء على المعطيات التي أوردها، اعتبر الجباري أن المشرّع المغربي تشدّد في شروط الاعتقال عندما يتعلق الأمر بحالة البحث التمهيدي العادي خلافا لحالة التلبس، مبرزا أن “لهذا ما يبرره واقعا وقانونا، ذلك أن طبيعة التلبس كوسيلة قوية من وسائل الإثبات تفرض عليه أن يتعامل معها معاملة خاصة”.

اللافت في عمل جل النيابات العامة، بحسب الإفادات التي قدمها رئيس نادي قضاة المغرب، هو أنها تلتزم بالشروط المقررة في حالة البحث العادي، حتى في حالة التلبس، رغم أن المشرع لا يلزمها بذلك، معتبرا أن “في هذا التوجه نوعا من الحرص على حريات المواطنين”.

وتابع المتحدث ذاته بأن غالبية النيابات العامة تراقب وتقيِّم في المساطر الخاصة بحالة التلبس مدى خطورة الجاني على النظام العام أو سلامة الأشخاص أو الأموال، وكذلك مدى توافر ضمانات الحضور، وتعلل قرار الاعتقال، وتضيف إلى ذلك مدى خطورة الفعل المرتكب.

ورغم ذلك فإن الاعتقال الاحتياطي في المغرب وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث وصل تعداد الساكنة السجنية، إلى حدود يوم 7 غشت، إلى 100 وأربعة آلاف سجين، في حين أن الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية لا تتجاوز 64600 سرير، بحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

وفي وقت أثار بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ردود فعل رافضة من طرف هيئات قضائية لتحميل مسؤولية استفحال الاعتقال للقضاة، قال الجباري إن الشروط القانونية المتعلقة بتدبير الاعتقال، المنصوص عليها في المسطرة الجنائية، تختلف من قضية لأخرى ومن مشتبه فيه إلى آخر، ولا شك، يردف، “أن هذا الاختلاف حاصل أيضا حتى في تقديرها من قاض إلى آخر، بل ومن مكان إلى آخر بحسب الثقافة السائدة في هذا المكان، التي تعتبر محددا لا يمكن تغييبه في تقدير تلك الشروط”.

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج فقد وصلت نسبة المعتقلين احتياطيا إلى 45.70 في المائة من إجمالي الساكنة السجنية سنة 2020.

وفي إطار التفاعل مع هذا الجدل، أوضحت رئاسة النيابة العامة، في بلاغ أمس، أن معدلات الاعتقال الاحتياطي لا ترقى إلى طموح رئاسة النيابة العامة رغم الجهود المبذولة في هذا الإطار، إلا أنها تبقى مقبولة مقارنة مع نسب الاعتقال الاحتياطي المسجلة في بعض دول الاتحاد الأوروبي بحسب الأرقام التي نشرها مجلس أوروبا خلال سنة 2022، كما هو الحال بالنسبة لهولندا 45،2% وبلجيكا 38،4%، وفرنسا 28،5 %، وإيطاليا 31،5%، والدانمارك 41،3%، واللكسومبورغ 43،3%.

وعلى الرغم من انخفاض نسبة الاعتقال خلال النصف الأول من هذه السنة والجهود المبذولة من طرف النيابات العامة بشأن ترشيد الاعتقال الاحتياطي، فإن فئات مختلفة داخل المجتمع دأبت، في مناسبات عديدة وعبر العديد من المنابر بما في ذلك وسائط التواصل الاجتماعي، على المطالبة بتفعيل آلية الاعتقال لردع مرتكبي الجرائم حتى ولو كانت بسيطة بدل المتابعة في حالة سراح.

ومع ذلك، أضاف البلاغ، فإن قضاة النيابة العامة يلتزمون بالتطبيق السليم للقانون دون تأثر بما ذكر حيث يجنحون في إطار اعتماد مبدأ الملاءمة إلى عقلنة تدبير وضعية الاعتقال، واعتمادها في مستواها الأدنى بالنسبة لأغلبية الأشخاص المقدمين أمامها، وهو الاتجاه نفسه الذي يعتمده قضاة التحقيق في إطار سلطتهم التقديرية واستقلاليتهم.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *