
حاوره: علي بنهرار
قال نبيل فازيو، أستاذ باحث في الفلسفة السياسية والدراسات الاستشراقية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن”إنتاج الخطاب المعرفي النقدي بالمغرب والمنطقة لم يعد يتخذ شكل مشاريع”، معتبرا أنها “ليست مسألة خاصة بنا، بل مشكلة تجتاح العالم الأوروبي أيضا”، مضيفا أن عبد الله العروي ضمن مشروعه الفكري تراجع عن مفهوم القطيعة حين اتجه بدوره لتفكيك هذا التراث بداية من سلسلة المفاهيم مع كتاب “مفهوم العقل”.
وأكد فازيو، في الحوار التالي مع هسبريس، أن “الانكباب على دراسة التراث لم يكن تجزية للوقت أو تعبئة فراغ، بل إدراكا من المفكرين في تلك الفترة أن معركة الراهن تلعب على مستوى التراث في الماضي، ومن ثم اتضح أن من يمتلك التراث يمتلك الراهن”، مسجلا أن “الجابري وقبله الطيب التيزيني وحسين مروة وكل الذين فككوا التراث وكشفوا عن انغلاقاته الدوغمائية قدموا خدمات جليلة للثقافة العربية، وإلا كانت مظاهر الانغلاق مازالت تعتمل فينا”.
نبيل فازيو ربما كغيره من الباحثين يُتابع مقولة “نهاية المثقف”؛ ربما إن شئنا هي مقولة “قديمة”، لكن يبدو أنها ازدادت طرافة حين توقفت عمليا المشاريع الفكرية الكبرى في المنطقة مؤخرا، بمعنى صرنا بدرجة أعلى نُعاين “نهاية المفكر” صاحب المشروع. هل نعيش خريفا فكريا؟.
أولا، شكرا على هذه الدعوة الكريمة. وبالنسبة لهذا السؤال فهو يرتبط بدور المفكر إذا فهمنا أنه يتميز، بشكل من الأشكال، عن المثقف. ولهذا اسمح لي أن أرسم الحدود بين المفهومين، حتى نعرف الأرضية التي نتحرك فيها. عادة، عندما نقول “المثقف”، نحن أمام شخصية مفهومية يفترض أنها لا تكتفي بإنتاج المعرفة، وإنما تلعب دورا معينا على المستوى الاجتماعي والسياسي، ولهذا نُظر دائما إلى فكرة المثقف على أنها فكرة نضالية خالصة؛ أي إنه شخص يؤدي دورا وله أثر ومفعول مجتمعي ثقافي سياسي، بينما نُظر إلى المفكر على أنه شخص يكتفي بإنتاج المعرفة ويتعامل مع النصوص ومع تاريخ الأفكار، ويقترح كما قلتَ مشاريع فكرية. ولا يهم كثيرا، من هذا المنظور، هل لهذه المشاريع أثر مباشر الآن في الثقافة وفي المجتمع أم إن أثرها سيأتي فيما بعد.
طيب، إذا فهمنا المفكر من هذا المنظور يمكن أن نتخيل أنه أستاذ باحث في الجامعة أو دارس في مختبر معين يقوم بتحليل الأفكار في نطاق تخصصه. لكن، في “الثقافة العربية” ومنذ منتصف القرن العشرين، شهدت الساحة ظهور مشاريع فكرية كبرى، خاصة بعد ما عرف بـ”المرحلة الماركسية” في الثقافة العربية. وهذه المشاريع كانت تهجس بسؤال العلاقة بين التراث والحداثة. والذي انتُبه إليه في تلك المرحلة هو أنه بما أن لدينا تراثا، وقد دُرس قبل تلك المرحلة، على الأقل منذ مدرسة جرجي زيدان ومصطفى عبد الرازق، إلخ، فالسؤال الذي طرح هو حول المنهج الذي يجب أن يُدرسَ به هذا التراث. وكان ذلك بالتحديد مع المُؤسْلفات الماركسية، كما هو الأمر عند حسين مروة، الطيب التيزيني أو مهدي عامل. هؤلاء بدا لهم أن المنهج المناسب هو المنهج الماركسي، وفي أفق هذه القراءة الماركسية للتراث يمكن أن نتموقع وننتظم داخل الحداثة.
بعد هذه المرحلة ستتناسل مشاريع، من أبرزها تلك التي عُرفت بـ”نقد العقل”، سواء مع محمد أركون أو عبد الله العروي أو محمد عابد الجابري. هذه المشاريع كان لها دورها المفصلي والمحوري في تحديد علاقة الوعي العربي بالتراث وبالحداثة.. لا تهم كثيرا الاختلافات الثانوية بينها. ولا يهم أن العروي كان في مرحلة معينة من كتاباته مثلا يدافع عن ضرورة القطيعة مع التراث، وطي صفحته، وكان يصفه بأنه كل ما هو “ميت ومُميت فينا”، أو حتى اختلافه عن الجابري الذي اعتبر أنه يجب أن نقيم علاقة اتصال وانفصال مع هذا التراث، أو مع أركون الذي قال إنه يجب توسيع دائرة التراث لكي تشمل اللامفكر فيه. ما يعنينا أكثر هو أن ظهور هذه المشاريع في مرحلة معينة شكّل حدثا ثقافيا وفكريا، أثار انتباه الجميع، وأثار انتباه المسؤولين، حتى على المستوى السياسي، وكانت هذه المشاريع تناقش.
وماذا عن اليوم؟
اليوم، لا يمكن لأحد أن ينكر أن إنتاج الخطاب المعرفي النقدي لم يعد يتخذ شكل مشاريع. هناك استثناءات قليلة، وحتى حين أقول لك هذه الاستثناءات، كأن أذكر مشاريع تكتب الآن على غرار مشروع “نحو إسلاميات نقدية” لعبد الإله بلقزيز، فهي تبقى مشاريع في إطار أكاديمي صرف؛ قد يعلن أصحابها أن هناك رهانات ومقاصد عملية قد يكون لها أثر في ما بعد، ولكن ليس الآن. الأمر مختلف عما عايناه مع الجابري مثلا عندما فكك علاقة المثقف بالسلطة من خلال نموذج ابن حنبل ونموذج ابن رشد؛ كان يفكر في وظيفة المثقف في تلك اللحظة، في أفق أن نستلهم الدرس في إنعاش تلك الوظيفة كما كان يفهمها هو.
فهل نحن أمام انحسار دور المفكر بسبب انحسار هذه المشاريع؟ الجواب في تقديري هو “نعم” و”لا”. نعم، لأن هذه المشاريع كانت تضخ نفسا نقديا على مستوى رؤيتنا النقدية الشاملة للتراث والحداثة، بمعنى أنك كنت تحتاج إلى تكوين في التراث وفي الفكر الحديث لكي تقرأ هذه المشاريع، وكانت هذه المشاريع تدفعك قسرا إلى التموقع داخل هذه الثنائية، فالنفس الشمولي والنقد العام كانا مفروضين. ولا، لأن نمط الكتابة وإنتاج الخطاب الحالي يسير في اتجاه الانفصال عن هذه الكتابات النسقية، ويطرح ربما بدائل جديدة في الكتابة لا نستطيع تكهن أو توقع مفعولها في المستقبل. لدينا الآن انتعاش للكتابة الشذرية. لدينا تركيز أكثر على البحوث الفيلولوجية داخل الجامعات المهتمة بدراسة التراث، سواء في أوروبا بألمانيا أو حتى في باقي الجامعات العربية. لدينا طرق جديدة في المقاربة، تربط المعرفة بالسياق الاجتماعي والتاريخي دون الحاجة إلى هذا الإطار الشامل الذي يؤطر فكرة المشروع. لهذا يصعب الجزم الآن بأن غياب إنتاج مشاريع شاملة أو شمولية يعني بالضرورة انحسار دور المفكر، إذا فهمنا المفكر على أنه ليس هو المثقف بالضرورة.
تحدثت عن فكرة مهمة حول “صورة المثقف” في التراث، وأنت لديك كتاب مرجعي بعنوان “دولة الفقهاء”، كيف يحضر المثقف في هذا “الشكل التراثي للدولة”؟.
كما قلت فإن الجابري، رحمه الله، عندما أراد دراسة مشكلة “المثقف”، أخذ الكلمة وطبقها على التراث؛ بمعنى ذهب إلى ابن حنبل أو ابن رشد أو فقهاء ليبحث عن نماذج للمثقف. ولكن هناك من يتحفظ على هذه الخطوة، كعلي أومليل الذي يربط ظهور ونشأة المثقف بشروط عرفها العالم الغربي. هل يمكن أن ننكر وجود مثقف في الثقافة الكلاسيكية العربية؟ حتى نجيب، دعنا نزيح كلمة “المثقف”، ونركز على الوظيفة؛ إذا قلنا إن هذا المثقف هو شخص يزعج السلطة، أو شخص ينطق باسم جماعة معينة، ويواجه تزييف الحقيقة الذي تمارسه هذه السلطة على هذه الجماعة، سأقول لك بكل اطمئنان نعم، يوجد داخل ثقافتنا الإسلامية الكلاسيكية من لعبوا هذا الدور بامتياز. ولهذا كانت السلطة تضرب ألف حساب للفقهاء. هذه “السلطة الثقافية”، إذا استعرنا عبارة علي أومليل، هي سلطة كان لها مفعولها الكبير في الثقافة الإسلامية. ولكن، من الذي أدى هذا الدور بالتحديد: الفيلسوف؟ الفقيه؟ كاتب الآداب السلطانية؟ الشاعر؟.
في نظري، كانت لدينا شخصيتان؛ الأولى هي الفقيه، لأن هذا الأخير يمتلك رأسمالا رمزيا اسمه الشريعة والشرع، وهو إما قاض أو قاضي القضاة، يعرف دهاليز الحكم، وله علاقة يومية بالرعية، ولهذا تجد دائما الفقهاء يشددون على خطورة الرعية والعامة، وتتذكر أن الخليفة المأمون عندما كتب وصيته عند وفاته كان يؤكد على “العامة”. إذن، بحكم هذا الوضع المعياري كان الفقيه قادرا على أن يلعب هذا الدور. ولكن، لدينا شخصيات أخرى كانت تحاول أن تنافس الفقيه على هذا الدور، مثلا صاحب النصيحة أو الأدب السلطاني، خذ معي ابن المقفع؛ ولكن، هل استطاعوا أن يلعبوا نفس الدور بنفس الحدة؟ لا أظن. لأن الذي بقي يفرض نفسه كسلطة مضادة وموازية لسلطة السياسي هو “الفقيه”.
ولا يعني هذا أن الدولة كانت دولة للفقهاء، بمعنى محكومة من طرف “رجال الدين”. الفقيه لم يحكم نهائيا. ومن أكبر الأخطاء التي ترتكبُ أن تتم المماهاة بين نموذج الفقيه في الإسلام وبين نموذج الإكليروس في المسيحية. الفقيه كان يستشار، قد يؤخذ برأيه وقد لا يؤخذ، مثلا القاضي أبو يوسف يستشار في الخراج ويكتب كتابا عن الموضوع ويقدمه للخليفة، هل طُبق هذا الأمر أم لا؟ هذا سؤال آخر. الماوردي قد يستشار وقد يكتب كتابا حول الأحكام السلطانية في هندسة الدولة من ناحية الأحكام الشرعية، هل أخذ بالنموذج الذي اقترحه؟ هذا سؤال آخر. إذن، هو يقول ما يجب أن يكون من منظور معياري ويطالب الحاكم بالتزام الشرع.
في سياق حديثنا عن التراث، أود أن نخوض في نقاش حول تمحور معظم المتون الفكرية للمشاريع التي سادت في الساحة حول مسألة “التراث”، طبعا في علاقتها بمحاولات استدماج قيمة الحداثة. ثمة من يعتبر أن كم الجهود التي تم بذلها من طرف المفكرين في تفكيك التراث، بالانشداد إلى المنهج، ضيع زمنا كان يمكن استثماره في الحاضر والمستقبل. ما تعليقك؟.
هناك معطى يجب أن نتذكره دائماً، وهو أن هؤلاء لم يكتبوا عن التراث حبّا فيه مثلا. كانت هناك معركة سياسية إيديولوجية بين قوى سياسية اتخذت من التراث رأسمالها الرمزي. عندما كان أصحاب المقالة الإسلامية التقليدية يقدمون أيديولوجيتهم كانوا يتكئون على التراث. مثلا، يأتي شخص ويقول إننا ندافع عن فكرة الخلافة انطلاقا من مرجعية ابن تيمية أو فلان أو علان. لكن، عندما يتخذ باحث أو مفكر يؤمن بالحداثة موقفا عدميا من التراث ويقول إن “هذا التراث ميت ومميت” تعرف ما الخطأ الذي يرتكبه؟ إنه يقدم التراث هدية ثمينة لخصوم الحداثة. وهذا هو الذي حصل. ومن ثم انتبه الماركسيون، وبعدهم الجابري لهذه المسألة. وهنا قوة الجابري في تاريخ الفكر العربي، بحسه السياسي الفريد؛ لقد انتبه إلى أن المعركة الحقيقية ليست في الدفاع عن الحداثة فقط؛ مهما لخصت عن الحداثة، وحتى لو حرّرت الأطنان من الكتب عن الفكر الحديث لا أحد سيسير معك. عليك أن تصفي حسابك مع التراث. ومقولة “تصفية الحساب مع التراث” كان يقولها الجابري دائما، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يفسر لماذا تم الانكباب على دراسة التراث. ومن ثمّ لم تكن دراسة التاريخ العربي الإسلامي مضيعة للوقت نهائيا.
بالعكس، في تقديري، لولا عمل الجابري وقبله الطيب التيزيني وحسين مروة وكل الذين فككوا التراث وكشفوا عن انغلاقاته الدوغمائية لكانت النتائج أسوأ على مستوى الثقافة العربية.
تخيل معي لو لم يظهر شخص ليقول لنا إن المرأة في التراث وضعها لم يكن كما يُروج الآن، ماذا كانت ستكون النتيجة؟ تصور لو لم يظهر شخص يقول لنا إن الدولة في التاريخ الإسلامي ليست كما يروج أصحاب دولة الخلافة اليوم، ماذا كانت ستكون النتيجة؟ في اعتقادي، ما قام به هؤلاء كان حاجة ملحة في تلك المرحلة، ولولاهم لما استطعنا أن نعيد التموقع داخل هذا التراث، ولا أن نعي أن هناك مسارات عقلانية يمكن استثمارها، وأن هناك جانبا مشرقا من هذا التراث يدافع عن العقل والعقلانية، وأن تراثنا ليس فقط كله تحريم لحرية الإنسان وحقوقه.
وظيفة هؤلاء المفكرين كانت مهمة، وهنا أشير إلى مسألة أساسية، فحتى أكبر نقاد التراث، عبد الله العروي، مثلا، في كتاباته الأولى كان يدعو مباشرة إلى “طي صفحة التراث”. خذ “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” أو “أزمة المثقفين العرب” أو “العرب والفكر التاريخي”.. ولكن في ما بعد هو نفسه سيذهب لتفكيك هذا التراث بداية من سلسلة المفاهيم. لماذا سينعطف على هذا التراث؟ لسبب بسيط أن الكل أدرك أن معركة اليوم تلعب على مستوى الأمس: التراث. ومن يمتلك التراث يمتلك الراهن. لهذا وظيفتهم لم تكن إطلاقا مضيعة للوقت. اليوم تطرح مشكلة أخرى، هل يستطيع المثقف أن يفلت أو يقفز على دراسة التراث؟ لا أعتقد أننا صفينا حسابنا مع التراث، ومجالات كبيرة منه لم نستطع أن نستوعب ميكانيزمات اشتغالها وتأثيرها فينا اليوم.
خذ الجانب القانوني من التراث، مازالت الكثير من الدساتير تنضح بمفاهيم تضرب بجذورها في التراث الإسلامي؛ لا أقول إنها إيجابية أو سلبية، ولكن أقول ما هو مفعولها في بناء رؤيتنا للدولة والحق والمرأة والحرية. وعلى مستوى الحق العام كذلك مازالت الكثير من المفاهيم التراثية تفرض نفسنا علينا، وأيضا على مستوى العلاقة بين المرأة والرجل والحريات، إلخ… ومادمنا نستلهم هذا التراث على هذا المستوى فنحن بحاجة إلى دراسته والتعمق فيه. لكن، هل ليُوظف أيديولوجيا وسياسيا؟ بمعنى هل المثقف مازال مطالبا بتوظيف هذا التراث؟ هذا مشكل. وفي نظري، الأفضل أن يدرس التراث كتراث، وأن يدرسه المتخصصون ليوضحوا لنا ميكانيزمات اشتغاله وكيفية انبناء الحقيقة بداخله بمعزل عن الرهانات المعاصرة؛ لأنه بمجرد ما تدخل حسابات المعاصرين في التراث يتم التشويش على دراسته.
لكنك تعرف أن الواقع في النهاية متحرك، وهناك مقولة “نهاية الأيديولوجيا” وتصدع النظريات الكبرى وما تولد عن ذلك من نزعة عدمية؛ هناك من اعتبر ذلك مقترنا، على نحو جدلي، بمقولة “نهاية المثقف” التي صرنا نعاينها في الواقع أكثر من أي وقت مضى. ما العلاقة؟.
فكرة نهاية الأيديولوجيا كانت سيفا ذا حدين؛ من جهة تحمسنا في البداية لظهور موقف نقدي من الأيديولوجيات، وقلنا أخيرا يمكننا إن نفلت من قبضة هذه السردية الكبرى التي هي الأيديولوجيا، وأن نمارس فعل التفكير خارج سطوة هذه القوى المتحكمة فينا، ولكن علينا أن ننتبه في لحظة هيمنة الأيديولوجيا، على الأقل، كانت ممارسة الثقافة تنتج لنا أشخاصا لا يتوقفون عن ممارسة النقد لكونهم كانوا على وعي بأنهم يواجهون من داخل دائرة الأيديولوجيا أيديولوجيا أخرى. في ما بعد لم نعد أمام هذا النمط النقدي، أصبحنا في حالة شبه سكون واطمئنان على أساس أن ما ننتجه ليس أيديولوجيا، ويكفي أن ترمي شخصا بأنه أيديولوجي حتى تتوهم أنت أنك تغلبت عليه، والحال هو العكس لأنك بمجرد إصدار موقف ضد أيديولوجيا فهو يكون صادرا في الأصل عن أيديولوجيا أخرى.
المفكّر الذي كان يتكلم باسم الأيديولوجيا ويعلنها بوضوح هو الطيب التيزيني، مثلا… حتى في قراءته للتراث وللإسلام الناشئ كان يستعمل كلمة مثقف ليشير إلى شخصية النبي، بناء على وظيفته في تلك المرحلة. وتراجع هذا النوع من المثقفين أتاح فرصة ظهور مثقفين جدد. هؤلاء الجدد لا يدعون في معظمهم أداء هذا الدور الأيديولوجي النقدي، وإنما كتاباتهم تتخذ طابعا أكاديميا نقديا، وهذا هو الفرق. الذي يتحمس لذلك الإيقاع النقدي الأيديولوجي، الذي كان يجده في الكتابات الأولى، لا يعثر على ذاته في هذه الكتابات النقدية الجديدة. وهذه مشاريع تكتب بنفس هادئ ولا تدّعي أي دور بطولي، لأن هذا الدور البطولي مرتبط بتموقع داخل رؤية أيديولوجية تنتمي إلى زمن معين. والانتظام اليوم داخل الأيديولوجيا الماركسية، حتى إن كان ممكنا، لن يكون على الطريقة التي عرفناها مع المثقفين القدامى.. ستُطرحُ بطريقة جديدة تعيد التفكير في أزمة دولة الرعاية وتعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية وآليات إنتاج العدالة، بمعنى نمط آخر من هذه التموقعات هو الممكن. ومن ثم نهاية الأيديولوجيا هي نهاية نوع معين من المثقفين، ولا تعني نهاية المثقف بصفة عامة.
ولكن، لماذا في نظرك لم يعد أحد يجرؤ على نطق مفاهيم من قبيل “المثقف العضوي” (غرامشي) أو المثقف الملتزم (سارتر)؟.
هذا سؤال أعم ومرتبط بالحاجة إلى المثقف، خذ معي مثالا بسيطا: سارتر حين كتب دفاعه عن المثقف، يجب أن تتخيل وضعه عندما ينزل الشارع. بمعنى كان رجلا كلامه يسمع وله مفعول وأثر اجتماعي واضح، وكان يضرب له ألف حساب. هل يمكن أن يظهر سارتر جديد من هذا النوع اليوم؟ لا أظن. الحاجة إلى هذا النموذج من المثقف: القائد، انهارت بانهيار نموذج القائد السياسي ورمز القائد السياسي بصفة عامة. اليوم السياسة في العالم، إذا كنا ندقق النظر، لم تعد في حاجة إلى شخصية هذا القائد؛ وأصبحت مختزلة في بعدها التّقني، فلكي تكون سياسيا ناجحا اليوم لم يعد ضروريا أن تكون سياسيا كبيرا ولا أن تكون رمزا كبيرا. ولهذا هذه الحاجة للمثقف المناضل والعضوي في تقديري تراجعت، ثم ظهرت مفهومية على المشهد أصبحت تنافسه وتعيش من مستوى الثقافة المتداول؛ مثلا، شخصية المؤثر الذي ينصت له من ينصتون أكثر مما ينصتون للمثقف.
هذه الفئة صارت تتجه بشكل تدريجي نحو احتكار مفهوم الحقيقة داخل الثقافة المغربية والعربية. لكن، هل الجماهير مستعدة للإنصات للمثقف؟ وهل هذا المثقف قادر أن يعيد النظر في لغة وآليات تواصله حتى يلعب دورا معينا على المستوى الثقافي؟ هذه أسئلة ينبغي أن نطرحها بكل جرأة وأن نتوقف عن هذه البكائيات التي نعيد تدويرها دائما، ونقول إن المثقفين تم إقصاؤهم وتهميشهم، إلخ. فكرة النخبة انهارت، وفكرة العقل التواصلي تعيد هيكلة نفسها، بل الأكثر من ذلك أن فكرة الاستعمال العمومي للعقل أصبحت تُراجع اليوم على ضوء الشروط التواصلية الجديدة. ولذلك الحاجة إلى هذا النموذج النضالي هي التي باتت في أزمة؛ عن ماذا ستسفر هذه الأزمة؟ هذا شيء يصعب توقعه بشكل نهائي.
هناك سؤال آخر يمكننا من فهم السياق الكوني لمشكلة الفكر والأفكار، أي هل هي مشكلة محلية “عربية” بامتياز أم إنها “غربية” أيضا، بحيث يشكو “الآخر” بدوره من انحسار الفكرة وانعدام الأسماء المرجعية التي توقفُ هذا المد من الانحطاط؟.
في العالم الغربي، إلى حدود نهاية القرن العشرين، كان الحديث عن مشاريع فكرية ضخمة أمرا ممكنا. وكان المفكّر يعرف باسم مشروعه. نتكلم مثلا عن فوكو، فنقول “أركيولوجيا فوكو”، ونتكلم عن ديريدا فنقول “إستراتيجية التفكيك”، رغم تحفظ ديريدا على فكرة المشروع أو المنهج. ولكن عموما كنا نفهم أن هذا الفيلسوف أو هذا المفكر أو هذا المؤرخ له نظرة معينة ترتبط باسمه، وأن هذه النظرة قد تأتي على كل ما يوجد أمامه بالدراسة بنفس المنظور. بعدها لم نعد نشهد بنفس الوتيرة ونفس الحدة إنتاجا من هذا القبيل، بل أصبحنا أمام تموقعات داخل الثقافة الأوروبية وأصبحنا أمام إستراتيجيات جديدة. وهذه الإستراتيجيات بنفسها “النتشوي التجزيئي” كانت تعني أن هذا الانفلات من النسق ومن النظرة النسقية أصبح حاجة ملحة لأسباب مفهومة في سياق نقد العقل الحداثي داخل السياق الأوروبي وداخل السياق الغربي بصفة عامة.
في سياقنا، لا أقول إن لدينا نفس السياق، لأن خطاب نقد فكرة النسق داخل العالم العربي ليس هو نفسه في السياق الأوروبي؛ لقد بزغ هناك بعد التشبع بالعقلانية وبعد أن كشفت العقلانية والعقلنة عن تناقضاتها على مختلف المستويات. ويكفي أن نعود إلى كتاب “نظرية الفعل التواصلي” في جزئه الأول لكي نفهم كيف أن هذه العقلنة لم تبق حبيسة الكتب، وإنما كانت هي العقل المنتظم للمجتمع من خلال تحليل هابرماس لفيبر. إذن، هي ظاهرة لها تمظهراتها في الغرب أيضا، لكن في سياقنا نحن، أعتقد أن هناك أسبابا أخرى. وكما قلت، فإن من بين الأسباب تغير نمط المعرفة، فلا الجامعة مازالت هي التي تحتضن تلك المشاريع ولا المعرفة مازالت تنتج بنفس الطريقة التي يقرأ بها المثقفون الأوائل، بمعنى: اليوم، لم نعد ننتظر ذلك المفكر أو المثقف الذي يطلع على نصوص كثيرة لكي يفيدنا بمعلومات.
المعلومات أصبحت منتشرة في كل مكان، بالتالي أصبحت هناك حاجة من نوع آخر لفهم إنتاج الخطاب. ثم هناك مشكل مرتبط بما يمكن أن نسميها الحاجة إلى الثقافة والمثقف في السياق العربي المعاصر. فبعد أحداث ما سمي الربيع العربي ظهرت نزعات تعلن بشكل واضح وصريح “موت المثقف”، والسبب الذي كان آنذاك ظاهرا وواضحا وتبين في ما بعد خطؤه هو أن الجماهير خرجت إلى الشوارع واختفى بالضرورة دور المثقف، وهذا السبب يضاف لهذا النمط الجديد من المعرفة ولهذا النقد الذي نستلهمه من الثقافة الغربية لفكرة النسق ولفكرة المثقف. وفي تقديري هي ليست مسألة خاصة بنا، بل تجتاح العالم الأوروبي أيضا.
لا شك أنك تابعت بعض الاتهامات التي راجت عن حفنة من المفكرين المغاربة، بحيث تم اتهام العروي بـ”التناص”، والجابري بـ”السطو الفكري”، وبلقزيز بـ”الإنشاء”، وطه عبد الرحمن بـ”التعالم والإطناب”، إلخ… ألا تعتقد أن هذا التحامل على المفكرين المغاربة من طرف بعض “المثقفين” يساهم في تهشيم صورة المثقف وحضوره؟.
هناك فرق بين النقد وبين السب والشتم والاتهام الفارغ. هذه الاتهامات إلى زوال. عندما تنتقد الجابري فأنت تعرف الضجة التي كانت تُثار حين يكتب أي كتاب، إلى ماذا كانت تنتهي هذه الضجة؟ إلى لا شيء، في الأخير الجابري مازال يُقرأ؛ ولذكائه هو كان يكتب ببساطة ويستغل قدراته التبسيطية وخبرته كرجل معرفة ورجل تعليم، فكانت تلقى صدى كبيرا، اتفقنا معه أو رفضناه، فهو مازال يؤثر فينا. وما تمت إثارته في السؤال يمكن أن نشبهه بأمراض، يعني أن تنتقد شخصا انطلاقا من موقف شخصي منه فهذا لا يفيد، ولكن كما قلت أنتَ قد يكون له فعلا دور سلبي في تهشيم صورة هذا المثقف أو ذاك. ولكن هو دور محدود. ولكن، في نظري، المقالة القوية والموقف المبني هو الذي يستمر وهو الذي يُقرأ. والدليل أننا انتقدنا هؤلاء المفكرين دائما، وهناك من يقيم الدنيا ولا يعقدها في النقد بمختلف أنواعه بيد أنّ كتبهم مازالت تُقرأ.
حين تجدف على هذه الأسماء: العروي، والجابري، وعبد الرحمن، وبلقزيز، فمن الذي سيُقرأ؟ ومن سيبقى إذن؟ وحين تسأل المسؤولين عن الكتاب وما يروج من كتب الآن ستجد أن هذه الأسماء هي التي تحتكر عدد المبيعات والمقروءات داخل الثقافة العربية. إذن، هذه ظاهرة مرضية تأثيرها محدود ولا قيمة له. الخطاب لا يحتاج إلى من يدافع عنه، هو قوي بنفسه، ويشرع لنفسه بنفسه، حين يكون مبنيا على نفس نقدي ورؤية معرفية صلبة. الجابري توفي منذ سنة 2010، ولكن مازال حاضرا بيننا بقوة، وقس على ذلك غيره من هؤلاء المفكرين الذين تحدثنا عنهم.
Laisser un commentaire