هسبريس – رشيد الكويرتي
أتى الحريق الذي ضرب غابة مغراوة بإقليم تازة، فضلا عن مساحات شاسعة من الغطاء الغابوي، تشكل فضاء رحبا لرعي قطعان مواشي الساكنة المحلية، على أعداد كبيرة من الأشجار المثمرة، من زيتون ولوز، وخلايا النحل، وهي ممتلكات تشكل مورد رزق للساكنة، خصوصا بدواري آيت اسماعيل وتموغروث.
وبينما كانت خسائر أحد قرويي دوار تموغروث أفدح، حيث تسبب الحريق في نفوق قطيعه من الماعز بعد أن حاصرته ألسنة اللهب وسط الغابة فإن هول النيران وإخلاء ساكنة الدوارين منازلها، جراء تهديدات الحريق، من المواقف التي فاقمت محنة المتضررين في مواجهة هذه الكارثة البيئية المهولة التي ضربت منطقتهم.
وإذا كان المتضررون من هذا الحريق يتطلعون لتجاوز هذه المحنة بعودتهم إلى ديارهم التي لم تصب بسوء بعد أن نجحت فرق الإطفاء في تأمين حمايتها بإبعاد النار عنها، فإنهم يجمعون على أن هول مشاهد الحريق سيخلف في نفوسهم آثارا يصعب تخطيها.
“بقاو فينا غير البهايم”، عبارة رددها أحد ساكنة دوار آيت اسماعيل، في الخمسينات من عمره، وهو يتأهب لصعود حافلة للنقل المدرسي عبأتها السلطة المحلية لإجلاء قاطني المنازل القروية من محيط الحريق، معبرا من خلالها عن حسرته لتركه مواشيه يتهددها خطر ألسنة النيران.

وبينما استسلم المعني بالأمر، على مضض، لتعليمات السلطة المحلية وصعد درج الحافلة المدرسية، كانت امرأة مسنة، بدورها، تتردد في ركوب هذه الحافلة وتود العودة إلى منزلها، قبل أن يقنعها أحد رجال السلطة بضرورة النجاة بنفسها بالإسراع بإخلاء المكان، بالابتعاد عن الحريق الذي كان يأتي على الأخضر واليابس.
ووسط الصخب الذي كان يملأ مكان تجميع أسر دوار آيت اسماعيل استعدادا لترحيلها من محيط الحريق، احترازا من وصول ألسنة النيران إلى مساكنها، كان أحد الأطفال، يبلغ من العمر زهاء 12 ربيعا، يجلس شاردا على أحد مقاعد حافلة النقل المدرسي، وهو يراقب، في حزن وحيرة، “هروب” عائلته وجيرانه من خطر الحريق الذي كان أجيج نيرانه القريب يفاقم محنة المتضررين ويجعل المشهد أكثر هولا.
أغلقت أبواب مركبة النقل المدرسي وانطلقت سريعا، لكن هذه المرة ليس نحو المؤسسة التعليمية التي يتابع الطفل دراسته بفصولها، لكن إلى مركز للاستقبال خصصه المسؤولون المحليون، بمركز جماعة مغراوة، لإيواء العائلات التي تم إجلاؤها بعيدا عن خطر الحريق.
هذه بعض من المشاهد الإنسانية الحزينة التي وثقها فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر حجم المأساة التي عاشتها الساكنة المحلية المجاورة لغابة مغراوة، وهي تتجرع ألم إجلائها من بيوتها وترك مواشيها وممتلكاتها وراءها، إثر وقوع الحريق الذي خلف دمارا واسعا.

وإذا كان المتضررون بدؤوا تجاوز محنتهم بعودتهم إلى ديارهم فإنهم يجمعون على أن المشاهد المهولة لحريق غابة مغراوة المرعب خلفت في نفوسهم آثارا عميقة يصعب تخطيها.
متضررون يروون التفاصيل
“قلقنا كثيرا من وصول الحريق إلى منازلنا والتهامه أرزاقنا”، يقول عمر لطفي، أحد ساكنة دوار آيت اسماعيل، مضيفا أنه، مقابل هلع الجميع، كان وقع مشاهد الحرائق، المندلعة في كل مكان وقريبا من الدوار، كبيرا على نفسية الأطفال على الخصوص.
وأضاف لطفي وهو يتحدث لهسبريس: “لم يكن لنا وقت لنرتب أمورنا ونجمع أغراضنا، مع تهريب مواشينا؛ فبعد أن طوقتنا النيران أصبحنا لا نفكر إلا في النجاة بأنفسنا، وكان علينا الامتثال لرجال السلطة الذين يسابقون الزمن لإجلائنا من مكان الحريق.. لقد كان عليهم إنقاذ البشر أولا؛ لأن النار كانت تزحف بسرعة وتنتقل من مكان إلى آخر”.
وتابع عمر بأنه إذا كان من بين ساكنة دوار آيت اسماعيل من فقد أشجاره المثمرة وخلاياه من النحل فإن الغابة المحترقة تشكل بالنسبة للجميع خسارة فادحة؛ لكونها تعتبر مجالا لمزاولة أنشطة الرعي وتربية النحل بالنسبة للساكنة كلها.

وأكد المتحدث، متحسرا، أنه بفقدان غابة مغراوة فإن مزاولة النشاط الرعوي أصبح مهمة صعبة، مطالبا بضرورة دعم مربي المواشي بدوار آيت اسماعيل بالأعلاف لإنقاذ قطيعهم الذي قال إنه يشكل المورد الرئيس لدخل أسر المنطقة.
أما عبد الله بورايس، في السبعينات من عمره، فكان حضه أسوأ، إذ تسبب الحريق في نفوق حوالي 30 رأسا من ماعزه، وهو القطيع الذي كان يشكل مصدرا مهما لإعالة أسرته.
يقول عبد الله، الذي يقطن بدوار تمورغوث، وهو يتحدث عن تفاصيل هذه الكارثة، إن معاناة نجله، الذي كان يرعى القطيع وسط الغابة، من إعاقة سمعية، جعله لا ينتبه، في الوقت المناسب، لنداءات الابتعاد عن محيط الحريق، مبرزا أن سرعة تدخل السلطة أنقذ حياة ابنه من موت محقق، بينما كانت مهمة تخليص القطيع من جحيم الحريق صعبة للغاية؛ لانتشار النيران بشكل سريع.
وأضاف المتضرر ذاته، متحدثا لهسبريس، أن له 4 أبناء، اثنان من الأشخاص الصم والبكم، وواحد فاقد للبصر، وآخر يخضع لتصفية الكلى لمعاناته من القصور الكلوي المزمن، مشيرا إلى أن فقدانه قطيعه من الماعز سيفاقم محنة أسرته الفقيرة، المكونة من أفراد يعانون من الإعاقة.