
هسبريس – يوسف يعكوبي
معطيات محينة ودالة عن واقع راهن لفئات واسعة من الشباب المغربي، ذكورا وإناثا، ضمتها مذكرة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بمناسبة اليوم العالمي للشباب؛ المحتفى به في 12 غشت من كل عام.
نسبة الشباب من الفئة العمرية بين 15 و34 سنة غير الحاصلين على أي مستوى دراسي سجلت “تراجعا كبيرا” بين سنتي 2000 و2022، لتنتقل من 35,7 في المائة إلى 8,9 في المائة، حسب البيانات الرسمية.
“التراجع الأكبر” سجلته المؤسسة الإحصائية الوطنية في صفوف النساء (من 47,7 في المائة إلى 12,1 في المائة)، وسكان المناطق القروية (59,5 في المائة إلى 15,6 في المائة)، أي بانخفاض يقدر بـ 35,6 في المائة و49,9 في المائة على التوالي.
وفي مؤشر دال لا يقل أهمية، تطورت نسبة الشباب “الحاصلين على المستوى الثانوي أو أكثر” في منحى “ارتفاع مهم”، حسب توصيف المندوبية السامية للتخطيط التي رصدت انتقاله من 19,7 في المائة سنة 2000 إلى 42,7 في المائة سنة 2022، مشيرة إلى أن “أعلى الارتفاعات” سُجلت، مجددا، في أوساط الإناث وساكنة المجال القروي.
“لم يعد هناك فارق لدى الشباب الحاصلين على المستوى الثانوي أو أكثر بين الرجال والنساء، بعد أن بلغ المعدل 5,1 نقطة مئوية سنة 2000″، تشير معطيات مندوبية التخطيط، مشددة على أن “شباب المناطق القروية انتقلت بينهم هذه الحصة من 5 في المائة إلى 21,9 في المائة”.
“تطور كمي لا يعكس الجودة”؟
عبد الناصر ناجي، خبير تربوي رئيس الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم بالمغرب (أماكن)، سجل بداية بـ”إيجابية كبيرة أنه لم يعد الفرق كبيرا بين القرى والحواضر بخصوص نسب التمدرس دون بلوغ المساواة والإنصاف الكامل”، مشيرا إلى “تقلص في الهوة التعليمية بين الجنسين رغم ما يلاحظ في السنين الأخيرة من تفوق الإناث على الذكور في نسب النجاح ومعدلاتها بأغلب مستويات التعليم”.
ناجي علق على أرقام المندوبية، في إفادات تحليلية لهسبريس، قائلا: “من الناحية الكمية، فإن عدد المتمدرسين ونسبة التمدرس في المستويات الابتدائية، الإعدادية وكذا الثانوية في تحسن مستمر بشكل لا يمكن إنكاره، خصوصا للفئة العمرية الشابة 15–34 سنة”، موردا نسبا خاما تصل 100% في تمدرس الابتدائي و80% بالإعدادي.
“هناك تطور كمي واضح لا يوازيه تحسن في جودة التعلمات لدى الفئات الشابة المتمدرسة”، يشدد الخبير التربوي، مستنتجا أنه “لا يعكس بالضرورة تطورا في جودة التعلمات لدى المتعلمين، وهو ما تعكسه نسب تدني الجودة على مستوى التحصيل الدراسي حسب اختبارات دولية، كتيمس للعلوم والرياضيات وبيرلز بالنسبة لكفايات القراءة”.
وزاد بأن “المغرب يشارك في هذه الاختبارات الدولية المشهودة منذ 1999، أي بداية الألفية التي تشملها الأرقام الرسمية الصادرة، التي تبين تراجع نسب غير الحاصلين على مستوى دراسي”.
“إنجاح دون استحقاق”
في معرض حديثه مع هسبريس، استشهد رئيس جمعية تحسين جودة التعليم بالمغرب بـ “مؤشر معبر ودال ومخيف في الآن نفسه للبنك الدولي، يقيس نسبة التمدرس المتوقعة مُعدلَة بجودة التعلمات”، مضيفا أن “المغرب يسجل 11 ونصف سنة كنسبة تمدرس متوقعة، إلا أنها تصبح ست سنوات ونصف فقط حين يتم تعديلها بمعيار جودة التعلمات”.
كما استحضر أن نتائج “البرنامج الوطني لتقييم التحصيل الدراسي وتقييم مكتسبات التلاميذ” (PNEA)، التابع للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، أكدت “انخفاض التحكم في الكفايات الدنيا لدى أغلب التلاميذ، إذ لا تتعدى نسبة الذين يتحكمون فيها عند نهاية مستوى الابتدائي الربع إلى نسبة 30 في المائة”.
الخبير ذاته عزا السبب إلى ما وصفها “سياسة الإنجاح بنسب مرتفعة دون أن تتوفر فيهم شروط الاستحقاق المطلوبة”، منتقدا “انتقالا سلسا لأغلب التلاميذ دون التحكم في كفايات أساسية”.
وزاد بهذا الخصوص: “باقي مستويات التعليم الأعلى تتحمل معاناة هذه الفئة من ضعف التعلمات، ويصبح التدارك في التعليم العالي أعوَص، مع نسبة هدر جامعي تصل 50 في المائة من المسجلين، ليس لهم المؤهلات لنيل الإجازة”.
وخلص ناجي إلى أن “رهان الوزارة في اتجاه جودة التعليم وضمانها حاضر في خارطة الطريق الجديدة”، موصيا بـ”حتمية واستعجالية الانتقال لمقاربة نوعية في التحصيل الدراسي بدل مراكمة الشواهد”، قبل أن يقترح بهذا الخصوص “خطوة تجويد وتمتين تكوين المدرسين ومواكبتهم بتكوين مستمر، مع مراجعة المناهج والمقررات الدراسية بالاعتماد على لجنة دائمة للبرامج التي نص عليها القانون الإطار، ما سيعجل الوصول إلى الاستقلالية البيداغوجية وتكييف المناهج حسب خصائص كل فئة من التلاميذ”.
“بين الدولي والوطني”
رقية أشمال، أستاذة في كلية علوم التربية بالرباط مهتمة بقضايا الشباب، قالت إن “التقدم الحاصل في مستويات التمدرس والحصول على الحد الأدنى منه، يظل محكوما بثلاثة مستويات أساسية، تتراوح بين ما هو وطني وما هو دولي”، مسجلة أن ذلك ما يُخضع المؤشرات الكمية لضرورة مواكبة معايير دولية في المجال.
وزادت معلقة: “فعلا، هناك بطء في التنزيل ناتج عن إرث قديم، لكن لا ننكر حصول تقدم ملموس في عديد المؤشرات المتعلقة بالتمدرس بغض النظر عن ثنائية الكَم والجودة”.
أشمال شددت، ضمن تصريح لهسبريس، على “ربط مسألة الشباب بالتعليم في النموذج التنموي الجديد الذي يرتكز على دعامة العنصر البشري كأساس لبلوغ مغرب 2035″، مسجلة “طفرة تطور في الرؤية العامة بهندسة جديدة للسياسات التربوية تقطع مع شتات طبع مقاربات سابقة”.
المستوى الأول، بحسب الخبيرة في الشأن التربوي، هو شق الميزانية والاستثمارات المبذولة طيلة عقديْن في المجال التعليمي”، مؤكدة أن نظرة بسيطة في قوانين المالية كافية للتدليل على حصة التعليم من الميزانية العامة للدولة.
أما الثاني فيتصل بالجوانب التشريعية–القانونية التي تجسدت بوضوح في “رؤية استراتيجية وقانون إطار للتربية والتكوين، وربطهما المتلازم مع البحث العلمي والابتكار”.
“مستوى الحكامة” هو ثالث المستويات التي عددتها أشمال، خاصة بالذكر “الابتكار كمعيار دولي أصبح المغرب يراعيه في كل سياساته التعليمية وأصبح يهتم به، لانعكاسه في التصنيفات الدولية، لحرصه على التموقع في التقارير الدولية ضمن اقتصادات المعرفة وغيرها”.
Laisser un commentaire