شهادات تعيد فتح السجل الإجرامي للجزائر والبوليساريو في حق أطفال تندوف

Écrit par

dans

هسبريس – توفيق بوفرتيح

يخلد العالم، الاثنين، اليوم العالمي للطفل، في ظروف استثنائية تتميز بتدهور أوضاع هذه الفئة من المجتمع في عدد من بقع المعمور، من الشرق الأوسط حيث تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة دون أن تستثني أحدا؛ وصولا إلى شمال إفريقيا حيث تستباح براءة الأطفال ويداس على كرامتهم منذ عقود من الزمن في مخيمات تندوف الجزائرية التي تتخذها جبهة البوليساريو مركزا لتجنيدهم والمتاجرة بآلامهم وآمالهم وسط دعوات كثيرة لتدخل المجتمع الدولي لوقف الانتهاكات في حق الأطفال المنافية للأخلاق الإنسانية والمرجمة بموجب الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

هذا اليوم هو مناسبة لإعادة فتح كتاب التاريخ الأسود لجبهة البوليساريو ومعها الجزائر، لنقرأ منه صفحات من الإجرام الذي طال طفولة المخيمات منذ تأسيس الجبهة الانفصالية في السبعينيات، على لسان أشخاص اغتصبتم طفولتهم وأحلامهم ليزج بهم في معركة سرعان ما تبين لهم يوم نضجوا أنه كانت خاسرة منذ البداية، وهو أيضا مناسبة لمساءلة جهود المجتمع الدولي وفعاليات المجتمع المدني وكل الضمائر الحية في العالم من أجل فضح هذه الممارسات المستمرة إلى حدود اللحظة بشهادة عدد من التقارير الدولية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} الطفل الذي كان يحلم بالشهادة

أولى هذه الصفحات تلك التي فتحها مربيه أحمد محمود أد (خلال الصورة عندما كان طفلا مجندا)، المُزداد بمخيمات تندوف والعائد إلى أرض الوطن، هو الذي لامست أنامل يديه السلاح في سن مبكر. وعن هذه الفترة من حياته، ذكر الرجل: “حملت السلاح إلى جانب البوليساريو عندما كنت في سن الخامسة عشرة في بداية العام 1996؛ غير أنني قبل ذلك نُقلت إلى الجزائر وليبيا حيث درست رفقة أطفال آخرين، إذ تم إبعادنا عن عائلاتنا وتم غسل أدمغتنا وشحنها بعبارات من قبيل الشهادة من أجل الوطن وغيرها من الشعارات الأخرى المعروفة في خطاب الجبهة”.

وأضاف: “تلقيت فترة تدريبي العسكري بعد تجنيدي في صفوف الجبهة، داخل الأراضي الجزائرية وبالضبط في ولاية بشار، وما زلت أذكر ذات يوم لما كان ضابط جزائري يشرف على تدريبنا على الرماية والقنص حين كان يحثنا على أن نتخيل ونحن نصوب على الأهداف المثبتة في ميادين الرماية كما لو أننا نصوب على رؤوس الجنود المغاربة الذين قيل لنا حينها بأنهم يحتلون أرضنا، كما قيل لنا في الجزائر إننا مشاريع شهداء في سبيل الوطن”.

“أذكر كذلك أنني كنت دائما أتمنى أن لا تنتهي الحرب إلا قبل أن أموت شهيدا فيها؛ فقد ترسخت لدي حينها فكرة أنني ولدت لأُستشهد”، سجل مربيه أحمد محمود أد، الذي لفت إلى أن “البوليساريو ما زالت، إلى حدود اللحظة، ترسل أطفال المخيمات إلى الجزائر لتلقي التدريب العسكري بنفس الطريقة والأسلوب الذي كان في السابق”، مشيرا إلى أن “أبناء القيادات في الجبهة يرسلون لاستكمال دراساتهم في أوروبا؛ بينما يزج بأبناء العامة من الناس في ميادين الحرب كوقود لهذا النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية”.

وأكد أن “الممارسات الاستغلالية والانتهاكات الصارخة والجرائم في حق طفولة المخيمات لا تزال قائمة، سواء من خلال التجنيد أو من خلال الاستغلال السياسي والإنساني لوضعية الأطفال، حيث ينتزعون من أسرهم ويرسل بهم إلى الدول الأوروبية لتتبناهم العائلات هناك”، معتبرا أن “هذه الممارسات يجب أن تنتهي، كما يجب أن يحاسب المتورطون فيها”.

ولم يفت الرجل الذي سبق أن اختطفته السلطات الجزائرية من داخل المخيمات في سنة 2011 بسبب مواقفه المعارضة للبوليساريو، إذ كان من مؤسسي حركة “5 مارس” في تندوف، أن يحكي عن التعذيب والتنكيل الذي تعرض له على أيدي ضباط المخابرات الجزائرية، قبل أن تصبح قضيته قضية رأي عام لتضطر الجزائر تحت ضغوط المنظمات الدولية إلى الإفراج عنه في سنة 2014، ليدخل بعدها في معركة من أجل محاسبة معذبيه أمام المحاكم الدولية.

حمل السلاح وهو في سن الـ14

قصة أخرى من قصص إجرام البوليساريو تلك التي نطق بها لسان أحمد الداه المكي، 57 سنة، ابن منطقة تيرس بإقليم أوسرد، الذي سبق أن جندته البوليساريو في صفوفها قبل أن يعود هو الآخر إلى أرض الوطن؛ بعدما غاص في شريط ذكرياته ليحكي لهسبريس كيف حمل السلاح وهو لا يتجاوز الرابعة من العمر، حيث قال: “في أواخر السبعينيات، التحقت بتنظيم البوليساريو وأنا مراهق، حيث عملت الجبهة حينها على تجنيد آلاف الأطفال والزج بهم في جبهات القتال، إذ كانت تعاني وقتها من نقص حاد في المقاتلين وسعت إلى تعويضه بتجنيد الأطفال والمراهقين”.

وحكى الرجل، وهو يسترجع أحداث تلك الفترة التي يبدو أنه لا يريد أن يتذكرها، أنه تلقى رفقة مجموعة من الأطفال الآخرين أول تدريباته العسكرية في المخيمات في معسكر كان يسمى بـ”معسكر 12 أكتوبر”، مضيفا أن “تجنيد الأطفال في سن مبكر كان شائعا وقتها، إذ كان يتم ذلك على مرأى ومسمع من مسؤولي ووسائل إعلام عدد من الدول؛ على غرار كوبا ويوغوسلافيا والجزائر وليبيا، حيث كان الأطفال ينظمون استعراضات عسكرية بمناسبة زيارة مسؤولي وقيادات الأحزاب الاشتراكية في هذه الدول إلى المخيمات”.

ولفت المجند السابق في صفوف البوليساريو إلى أن الأخيرة “كانت تجبر الأطفال على اتباع برنامج غذائي خاص ووجبات تتكون أساسا من حليب النوق من أجل تسمينهم وإكسابهم بنية جسمانية أكبر من سنهم، حتى يبدون في منظر مقبول وهم يرتدون اللباس العسكري”، مسجلا أن “ممارسات تجنيد الأطفال واستغلالهم في الأعمال القتالية ضد المملكة المغربية ما زالت مستمرة إلى اليوم، وهو ما تؤكده عدد من التقارير والصور التي تروج على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وأشار المتحدث عينه إلى أن “الطفولة في مخيمات تندوف ما زالت تتعرض لأنواع مختلفة من الاستغلال على غرار استغلالها فيما يسمى عملية رُسُل السلام، إذ يتم إرسال الأطفال إلى عدد من الدول الأوروبية لتوظيفهم سياسيا وإنسانيا من أجل الحصول على المساعدات وكسب تأييد الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الأوروبية”، مسجلا أن “هذه العملية نتج عنها انزلاق خطير تمثل في انسلاخ أطفال المخيمات عن ثقافتهم ودينهم؛ بالنظر إلى اختلاف الثقافة ما بين المجتمعين الصحراوي والأوروبي”.

وزاد شارحا أن “الطفل اليوم في المخيمات يفتقر بشكل قاطع إلى أبسط الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية؛ ذلك أن البوليساريو لا تعير أدنى اهتمام للملف الحقوقي، بل تتاجر في معاناة وحقوق ساكنة المخيمات من أجل إطالة أمد هذا النزاع بتواطؤ جزائري”، مضيفا في هذا الصدد أن “الجزائر باعتبارها الدولة المضيفة تتملص من مسؤولياتها في هذا الصدد، على الرغم من أن عددا من الهيئات سلطت الضوء على هذه الانتهاكات التي تقع على الأراضي الجزائرية”.

ودعا أحمد الداه المكي المنظمات الدولية إلى إدانة كل أنواع الاستغلال الذي يتعرض له أطفال المخيمات ومحاكمة مرتكبي هذه الأفعال التي تعد خرقا سافرا لمبادئ القانون الدولي الإنساني. كما دعا كل الفعاليات المدنية والجمعيات الحقوقية إلى الترافع عن هذه القضايا وتسليط الضوء على هذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والأطفال.

فعاليات حقوقية تنشد التدخل الدولي

حملنا رسائل هؤلاء إلى عائشة الدويهي، رئيسة مرصد جنيف الدولي لحقوق الإنسان، التي أكدت بدورها أن “جبهة البوليساريو عملت، منذ اللحظة الأولى لإقامة مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، على استهداف الأطفال من خلال تهجيرهم إلى الدول التي كانت محسوبة حينها على المعسكر الشرقي مع ما رافق ذلك من تشتت أسري وهوياتي”، مسجلة أن “عددا من الشهادات أكدت أن الأطفال المُهجرين إلى هذه الدول كانوا عرضة للتحرش الجنسي وغيره من الممارسات الحاطة بكرامة الأطفال”.

وشددت المتحدثة ذاتها على أن “البوليساريو تعمل كذلك على استغلال المقررات والمناهج الدراسية من أجل غسل دماع الأطفال وشحنهم بالأفكار المشجعة على العنف والكراهية؛ وهو ما يتنافى مع المقتضيات التي نصت عليها اتفاقية حقوق الطفل”، لافتة إلى أن “الجبهة تتحرك وتتمادى في اغتصاب حقوق الأطفال في قفز واضح على كل المبادئ والاتفاقيات الدولية ذات الصلة؛ وهو ما يدفع إلى التساؤل حول طبيعة الفرق بين البوليساريو وبين التنظيمات الإرهابية الأخرى التي تتبنى نفس الممارسات”.

وخلصت رئيسة مرصد جنيف لحقوق الإنسان، في تصريح لهسبريس، إلى “ضرورة تدخل المجتمع الدولي لوضع حد لهذه الظواهر الخطيرة. كما أن المجتمع المدني بدوره مطالب بتكثيف ترافعه وتنويع مبادراته على هذا المستوى”، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن “هذه الانتهاكات التي ترتكبها البوليساريو يتجاوز تكييفها القانوني الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحقوق الطفل؛ لتصل إلى درجة جرائم حرب ترتكب للأسف الشديد داخل النفوذ الترابي للجزائر، مع ما يثيره ذلك من مسؤولية أخلاقية وقانونية لهذه الدولة”.

تفاعلا مع الموضوع ذاته، قال محمد النحيلي، منسق الائتلاف المدني للترافع من أجل الأطفال بمخيمات تندوف، إن “الاحتفال باليوم العالمي للطفل خلال هذه السنة يأتي في ظل وضعية مأساوية لحقوق هذه الفئة على المستوى الدولي، والتي تسائل دور المنتظم الدولي في انتشال مجموعة من الأطفال من مناطق الصراع وحمايتهم من الأخطار المحدقة بهم؛ على غرار أطفال غزة الفلسطينية وتندوف جنوب شرق الجزائر، أمام صمت دولي مطبق”.

في هذا السياق، أضاف النحيلي، في تصريح لهسبريس، أن “الفعاليات المدنية والحقوقية ما فتئت تطلع الهيئات والمنظمات الدولية حول الوضع المأساوي الذي تعيشه طفولة المخيمات”، مسجلا أن “هذا الوضع المقلق يستدعي تدخلا عاجلا من أجل إنقاذ هؤلاء الأطفال من براثين الاستغلال والتجنيد القسري الذين يتعرضون له بعيدا عن أحضان أمهاتهم وبعيدا أيضا عن حجرات الدرس التي كانوا من المفترض أن يكونوا فيها”.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن “هناك قصصا مؤلمة تأتي في هذا السياق؛ وهو ما يستوجب تطوير آليات المرافعة حول أوضاع هذه الفئة”، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن “القرار الأممي الأخير حول الصحراء المغربية هو قرار جد إيجابي على هذا المستوى؛ غير أن الأمر يتطلب تحركا دوليا عاجلا من أجل إيقاف ممارسات اغتصاب حق الطفولة في المخيمات، إذ يتحمل المجتمع الدولي المسؤولة في هذا الصدد ونطالبه بتفعيل التزاماته من خلال العمل مع منع تجنيد الأطفال وتوظيفهم في الصراعات وفق ما هو منصوص عليه في المواثيق والاتفاقيات الدولية”.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *