نقاش مدونة الأسرة يقوض « الفكر الإقصائي » ويرفع منسوب « الديمقراطية »

Écrit par

dans


هسبريس – علي بنهرار

قد تكون إحدى أهم الملاحظات التي يسجّلها متتبعو النقاشات السياسية والمجتمعية المرافقة لتعديل مدونة الأسرة أن الجدال كان “حاميّا”، ولكن “سليما وسلميا”، بما أن “الخطابات الشوفينيّة القديمة”، المتمثّلة في “تكفير المختلفين أو تخوينهم”، لم تعد حاضرة بالحدّة نفسها كما جرى في نقاشات مجتمعية حاسمة في السّنوات الأخيرة؛ ولكن هل يمكن اعتبار هذه “الحقيقة النسبيّة” مدخلاً لفهم أسُس شكل جديد من الحوار بين الحساسيات السّياسية المغربية؟

من الناحية المبدئية، يقول المحللون إن “مفهوم الاحتكار، بوصفه مرادفاً للإقصاء، لم يعُد شأناً ذا مصداقيّة في النقاشات التي يواكبها نحو 40 مليون مغربي في الجرائد الورقية والرقمية والتلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، إلخ”؛ بيد أن “الحكاية تحيل على شقّ آخر لم يتّضح بعد حول مدى قدرة هذا “النموذج الصّحي”، الذي قدمته نقاشات مدونة الأسرة (رغم استثناءات قليلة)، على أن يكون بالفعل عملاً ديمقراطيّا خالصاً”.

“نقاش ساحن وسليم”

في إطار البحث عن مسالك موضوعية لفهم “ما جرى” طرحت هسبريس على عبد الحميد بنخطاب، وهو أكاديمي ومحلل سياسي، هذه الإشكاليّة.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

عمليّا، لم ينف بنخطاب أن “النّقاش حول تعديل مدونة الأحوال الشخصية يبرز فعلا شكلاً جديداً للجدال السياسي المتعلق بقضايا مصيرية وجد حساسة مثل مدونة الأسرة”، مُشخّصاً النقاشات بكونها “اتسمت بنوع من الهدوء ونوع من التنافس السياسي والتدافع السلمي، بطريقة مُعقلنة، وبعيداً عن الخطابات الإقصائية أو التخوينية أو التكفيرية”.

قد يبدو قول بنخطاب موضوعيّا حين يستند إلى مقارنات “دالّة”، مثلما حدثَ من “تشنجات حادة في نقاش تعديل مدونة الأحوال الشخصية قبل عشرين سنة”، مرجعا هذه “الحلّة الجديدة للجدال العمومي” إلى “التراجع الذي عرفته بعض التنظيمات السّياسية ذات المرجعية الإسلامية، حيث إنّ خفوت توهّجها ساهم في إرجاع النقاشات إلى سياقها الطبيعي؛ وهذا طبعاً ليس مرتبطا بتراجع انتخابي، بل تراجع مشروع سياسي كانت له مواقف حادة تجاه المخالفين مثلما كان بالضبط لدى حساسيات يسارية مناوئة”.

“التكفير والتخوين هما خطرٌ حتى على الدولة، بما أنهما لا يخدمان الديمقراطية، والملك يشكل حكما ومتابعا لهذا النقاش”، يقول محدّثنا، قبل أن يضيف أن “تغيّر ميكانيزمات الاشتغال هذه المرة لا يعني بالضرورة تغيير التصور السياسي، فالمرجعيات الإسلامية والسلفية ما زالت تعتبر، ومن حقّها ذلك، أن تعديل مدونة الأحوال الشّخصية هو ارتداد عن القيم الإسلامية، وهذه مُحاولة لاختزال مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة في الدين على اعتبار أنه تم تقنينها عقديّا، ومن ثم لا يجب على القانون الوضعي أن يتدخل فيها”.

ولم يبعد المتحدّث ما قام به الواقفون على الطّرف النّقيض للمرجعيات الإسلامية من تجديف، و”لكن هذه المرة ارتأى الكلّ الهدوء والإنصات، وكل طرف سمح للآخر بالتعبير في حدود الممكن، والتوافق على إعادة التوازن إلى نواة المجتمع الأولى، فالعلاقة الزوجية علاقة تراضٍ لا يمكن أن تبنى على القوة أو الهيمنة. كانت هناك مزايدات في هذه النقاشات أيضا، لكنها كانت تدخل في المجمل في حدود المقبول لأنها لا تنزعُ عن الآخر حقّه في التّعبير”، يضيف بنخطاب.

“نقاش يخدم الديمقراطية”

من جانبه حاول الكاتب والباحث سعيد ناشيد أن يمنح الموضوع بعداً سيوسيولوجيّا وفكريّا، حيث قال إن “الطّابع العقلاني الذي اتّسم به النقاش العمومي الحالي حول مدوّنة الأسرة كان نتيجةً للتّراكمات والخبرات القانونية التي راكمها مختلف الفاعلون في الحقل السياسي في علاقتهم بالمجتمع”، مسجلاً في هذا الصدد أن “مدونة الأسرة ظلت أحد الحقول القانونية التي يعرف تعديلها ومراجعاتها نقاشا مستفيضا على امتداد التاريخ القانوني للمغرب”.

ناشيد في تفسيراته لهسبريس أوضح أن “مراجعة هذا القانون في المغرب مرت بمراحل مختلفة بدءاً بالمرحلة التي كان الاعتقاد فيها سائداً بكون هذا القانون من القوانين المقدّسة، التي لا يجب المساس بها وبمقتضياتها، حتى أن إثارة النقاش حول مراجعته كان حتى عهد قريب مكروها ومحرّما يبعث مباشرةً على التكفير”.

وتقاطع ناشيد مع بنخطاب في كون “الوضع مختلف هذه المرة، فالجميع أصبح لديه الحق في طرح أفكاره ومقترحاته بغضّ النظر عن المرجعية التي ينطلقُ منها، سواء كانت سلفية أو إسلامية أو يسارية أو ليبرالية”.

وإذا كان المغرب ما زال معلّقا في مسار الانتقال الديمقراطيّ، فإن المتحدث ربط ما عشناه بـ”الديمقراطية؛ وهو وضع إيجابيّ لا بد أن نحافظ عليه خدمةً للعيش المشترك”، مشيراً إلى “وجود اتفاق حول المبادئ العامة التي تؤطر هذه المراجعة على غرار مبدأ المصلحة الفضلى للأطفال الذي يفترض وجود الطفلات داخل المدرسة وليس في مؤسسة الزواج في سن مبكرة”، لافتا في الوقت ذاته إلى أن “المزايدات السياسية الشعبوية التي كانت تدعي احتكار النقاش أو امتلاك الحقيقة المحيطة به صارت تقرّ بأنّ التدافع أكثر نجاعة من التجديف”.

والخلاصة؟ يقدّمها الكاتب مؤكداً أن “هذا النقاش الصحي يحاصر الفكر الإقصائي الذي يريد أن يخلق تصورا اختزاليا للجدال العمومي، ومن ثمّ هو استدماج عفوي للديمقراطية، ولكن ليست وعياً ديمقراطيّا”. ورهنَ التّفكير الديمقراطي بـ”انخراط النخب في هذا النقاش بعيداً عن التسييس أو الحسابات الانتخابويّة الضيقة، مراعاة لمصلحة المجتمع، المتجسدة في مصلحة الأسرة؛ فالفاعلون حين استوعبوا أن الفضاء هو فرصة للإدلاء بالدلو وليس فرصة لإغراق دلو الآخرين، قدموا نموذجا لقدرة المغاربة على استيعاب ميكانيزمات الديمقراطية حتى لو لم يعلنوا عنها”.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *