تمهید:
مـن المعـلـوم الـذي لا مريـة فيـه أن المسلمين اختصوا بالإسناد، واعتنـوا به لتوثيـق مـعـارفهم؛ لأنـه مـن أكـد الوسائل الـتـي فـطـرهـم الله عـز وجـل عليهـا لحفظ رسـوم شـريعتهم، كيلا يقعـوا فيمـا وقعـت فيـه شـرائع الأمـم الأخـرى مـن تبـديل وتحريف. ولأجـل ذلـك شـاعت وذاعـت مقولة: “الإسناد خصيصـة مـن خصائص هذه الأمة”.
وقـد تـواترت أقـوال الأئمة والحفاظ في بيان مزايـا الإسناد، يكثر ذكرهـا والإشادة بمـا في كتـب المصطلح وكتـب الرجـال. ونحـن نسـتعيض عـن سـردها بذكر كـلام نفيس في الباب للإمام أبي محمـد ابـن حـزم رحمه الله لما فيـه مـن الغنيـة والكفايـة عـن إيـراد غــيره، قـال في كتابه “الفصـل، في الملـل والأهـواء والنخـل”: (… والثالـث مـا نقـلـه الثقـة عـن الثقـة كـذلك حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يخـبـر كـل واحـد مـنـهـم باسـم الـذي أخـبره ونسبه، وكلهـم معـروف الحـال والعين والعدالة والزمـان والمكـان، على أن أكثـر مـا جـاء هـذا المجيء فإنه منقـول نقـل الـكـواف، إما إلى رسول الله صلى الله عليـه وسـلـم مـن طرق جماعـة مـن الصـحابة رضي الله عـنهم، وإمـا إلى الصـاحب، وإمـا إلى التابع، وإما إلى إمـام أخـذ عـن التـابع، يعـرف ذلـك مـن كـان مـن أهـل المعرفة هـذا الشـأن، والحمد لله رب العالمين. وهـذا نقـل خـص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهـل المـلـل كـلـهـا، وأبقـاه عـنـدهـم غـضـاً جديداً علـى قـديـم الـدهـور منـذ أربعمائة عـام وخمسين عامـاً في المشرق والمغرب والجنـوب والشمال يرحـل في طلبـه مـن لا يحصـى عـددهم إلا حـالقهم إلى الأفـاق البعيدة، ويواظب على تقييـده مـن كـان الناقـد قريبـاً منـه، قـد تـولى الله تعالى حفظـه عـلـيـهـم، والحمـد له رب العالمين… إلى أن يقـول عـن نقـل اليهـود: إنهـم لا يقربـون فيـه مـن موسى كقربنـا فيـه مـن محمد صلى الله عليه وسلم؛ بل يقفون ولابـد حيـث بينهم وبين عليـه السـلام أزيـد مـن ثلاثين عصـراً في أزيـد مـن ألـف وخمسمائة عـام، وإنمـا يبلغـون بالنقـل إلى هلال وشماني وشمعون ومرعقيبـا وأمثالهم، وأظـن أن لهـم مسـألة واحـدة فقـط يروونهـا عـن حـبر مـن أحبـارهـم، عـن نـبـي مـن متـأخري أنبيائهم، أخـذهـا عنـه مشـافهة في نكاح الرجـل ابنته إذا مات عنهـا أخـوه، وأمـا النصارى فـلـيـس عنـدهـم مـن صـفـة هـذا النقـل إلا تحـريم الطـلاق وحـده فقـط على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه).
وللمدرسـة المغربيـة إسـهام وافـر في هـذا المجـال؛ حيـث تجـد أعلامهـا فرسان الميـدان، لا يستنكفون عـن شـد الرحـال إلى الشيوخ، والجلـوس إلـيهم، وتـــدارس مرويـــاتهم، بكـل صـوف التحمـل والأداء: مـن سمـاع، وعـرض وإجازة…
ومـن أعلامهـا المرموقين في هـذا البـاب : الإمـام أبوعبـد الله محمـد بـن عمـر بـن رشـيـد الفـهـري السبتي (ت721هـ) الـذي تميـز في هـذا البـاب، واعتـنى به، ويمكن إبراز مدى عنايته من خلال هذا العرض في مبحثين وخاتمة:
المبحث الأول: صور عنايته بالإسناد
إن المتتبع لأعمـال ابـن رشـيد، والمتصفح لبحوثهـا، ليجـد فيوضـا تنهمـر انهمـارا، فـلا يـدري أيهـا يتلقـف، وأيهـا ينتقـي، ولكـن يـكـفـي مـن القـلادة مـا أحـاط بـالعنق، أو حسبك مـن غـنى شـبع وري؛ كمـا قيـل، ودونـك مـا اقتطفتـه بهـذا المبحـث مـن صـور وضـاءة، في ستة فراقـد لامعـة، تجلـي مجـال الاعتنـاء بالإسناد عن هذا العلم الأشم، ففيها مقنع وغنية، والله أعلم.
1-ربـط اللاحـق بالسـابق: تتجلى عنايـة الإمـام ابـن رشـيـد بـجـلاء ووضـوح مـن خـلال رحلتـه الماتعـة المسماة: “مـلء العيبـة، فيمـا جمـع بطـول الغيبـة، في الرحلة إلى مكـة وطيبـة” الـتي خلـد فيهـا صـورا مشـرقة، وصـفحات وضيئة مـن المثابرة وتحمـل الشـدائد والصعاب مـن أجـل لقـاء الشيوخ ومجالستهم للأخـذ عـنهم، ولا يكتفي في ذلـك بالسماع، بـل يـحـرص على توثيـق تـلـك المجالس عـبر استدعاء يقدمه للشيخ، فيجيـزه الشيخ مـذيلا ذلك بخطه، وتجـده كذلك لا يكتفي بإدراج اسمه فقط؛ بل يشـرك معـه الحاضرين ممـن صـحبوه في الرحلة، والغائبين ممـن قـصـرت بهـم النفقة، والصغار والـولـدان ممـن يـرجـولهـم صـالح الأثر.
وللتمثيـل نـورد نموذجـا مـن استدعائه الصغير: فصـل مـن وقـف علـى هـذا الاستدعاء مـن علمـاء الآثـار، الذين شهدت لهـم بـدوام الظهـور علـى الحـق صحيحات الآثـار، كفيـل بـأن يجيـز جميـع مروياتـه ومنقولاتـه ومقولاتـه
ومصنفاته: للفقيـه الصـدر أبي علـي بـن رشـيق. والفقيـه الكاتـب أبي عبـد الله ابـن الـدراج. والفقيه الفاضـل أبي القاسـم ابـن الشـاط، والفقيه المصنف أبي عبد الله ابـن عبـد الملك. وابنه أبي القاسم. والفقيـه الصـوفي أبي عبد الله ابـن قـطـرال. وأخيـه النشـأة الصالحة محمـد. وللفقيـه المقرئ أبي عبـد الله السـلوي. وللفقيـه أبي عبد الله الغمـاري. وللفقيـه الأديب أبي الحجـاج الطرطوشي. وللفقيهـين الفاضلين: أبي محمـد عبـد المهيمن بـن عـلـي بـن حـرز الله. وأخيه أبي عبد الله ولكاتـب الأحـرف محمـد ابـن عمـر بـن رشـيد. ولبنيـه وفقهـم الله: أبي القاسم محمـد. وأم السـعد عائشـة. وأم المجـد أمـة الله. ولأخواتـه: عائشـة، وفاطمـة ورحمـة. ولقريبيـه: أبي عبد الله محمـد بـن إبـراهيـم بـن رشيد. ومحمـد بـن رشـيـد ابـن موسی.
والله تعالى يبقيهم للفضـائل أهـلا، ناظمين لـكـل طـالـب حاجـة بمطلوبه شملا، والسلام الأتم يعتمد من وقف عليه ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعـده تـأتي خطـوط الشيوخ المجيزين، ونذكر منهـا خـط أبي بكـر عبـد الله بن أحمـد بـن إسماعيـل بـن إبـراهيـم بـن عبـد العزيـز بـن فـارس التميمـي السعدي الإسكندري. الـذي كـتـب : أجـزت لهـم وفقهـم الله ونفعهـم مـا تجـوز لي روايته بشرطه.
ولم يكتـف ابـن رشـيـد بهـذا فقط؛ بل يذيله بشـبه ترجمـة مصغرة، تعـرب عـن أحـوال الرجـل وطـرف مـن سيرته العلميـة، فيقـول: أبوبكر ابـن فـارس يلقـب بسـراج الـدين، شـيـخ مـن وجـوه النـاس، عـدل، كـان يعقـد الشـروط
بالإسكندرية، وذكـر لي أنـه خـال زيـن الـديـن ابـن المنير، سمع “صحيح مسلم” على الخرسـتاني. توفي ابـن فـارس رحمه الله ليلـة السـبت مـن ربيع الأول، ودفـن عصر يوم السبت عام 684هـ، وكنت رمدا فلم أحضر دفنه، ومر به علي رحمه الله، وصح.
الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة
الكاتبة: د.بدر العمراني: أستاذ السنة وعلومها بكلية أصول الدين بتطوان
(بريس تطوان)
يتبع..