
حميد زيد – كود//
أنا أصبع مغربية في العقد الخامس من عمرها.
أنا مثلي مثل أصابع كثير من المغاربة من أبناء جيلي.
جئت اليوم لأحكي لكم قصتي.
جئت لأعرّف لكم القمع وأشرحه من وجهة نظري.
جئت لأشرح لكم ما هو الاستبداد يا بناتي.
ويا أيتها الأصابع الغضة.
جئت لأقدم شهادتي عن سنوات الرصاص والجمر.
جئت لأخبركم بمعاناة الأصابع في المغرب. في ذلك اليوم الذي كنا نذهب فيه إلى الكوميسارية. من أجل الحصول على بطاقة التعريف الوطنية.
فقد كان الشباب يأخذوننا معهم.
كان علينا أن نبصم. و أن نتلطخ بالحبر.
و أتذكر. كأنه اليوم. وقوفي في طابور طويل. منتظرا دوري. في الدائرة الخامسة ببلفدير.
أتذكر نزولي من الحافلة. خط 23.
في الرونبوان الشهيرة.
أتذكر خوفي. وتعرقي. وأنا أرى ما تتعرض له الأصابع من ضرب. ومن شتائم. ومن زجر. ومن شد. ومن تعنيف. بسبب أو بدونه.
أتذكر خنصري تختبىء خلف بنصري. أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
أتذكر رجل أمن كان ينظم الصف.
ويصفع كل من تحرك.
وكل من لم يحترم المكان.
وقد كان الشخص الذي يقوم بعملية أخذ البصمات متجهما.
كان وجهه مكفهرا.
كان لا يتوقف عن التدخين. وأثناء ذلك. يقبض على الأصابع. و ينقعها في الحبر.
كان لا يحب ما يقوم به.
ولا يحب مهنته.
كان يبدو من تصرفاته أنه يكره نفسه هي الأخرى.
كان مفزعا للأصابع ولأصحابها الذين دخلوا للتو إلى عالم الكبار. وجاؤوا إلى الكوميسارية. لاستكمال إجراءات الحصول على بطاقة التعريف الوطنية.
لذلك فكرت في الانسحاب.
فكرت أنا الإبهام. أن أقول للسبابة والوسطى. بأنه علينا أن نعود إلى البيت.
وكنا لأجل ذلك نهرش صاحبنا. وننغرس فيه أظافرنا.
كنا نحك جلده.
لكن صاحبنا كان يتقدم في الصف.
كان متوترا وخائفا هو الآخر.
كان يحمل ظرفا أصفر. فيه صور. ومبلغ مالي. قد يكون ثلاثين درهما.
ودون أن أدري قبض علي(أنا الإصبع) ذلك الموظف.الذي كان يجلس في مقعد خشبي. وحطني بعنف مبالغ فيه فوق مكتبه.
وهو يشتمني.
ويشتمنا جميعا.
مصدرا أوامره لي بأن أكف عن التعرق.
محتجا على شقيقتي. التي هي سبابتي المعقوفة. بسبب حادث تعرضتْ له وهي صغيرة.
متهما إياها.
وشاكا فيها. وفي شكلها. وفي بصمتها.
لكني لم أكن قادرا على التحكم في العرق الذي ظل يتصبب منا.
ولم تنفع المناديل. ولا المحارم الورقية. ولا الماء.
فظل ذلك الموظف يصرخ في وجهي. ويدخن بشراهة. إلى أن اضطر في الأخير إلى الاكتفاء بالبصمة المتوفرة لديه.
و ربما لا تُقدّر الأصابع اليوم الحرية التي تتمتع بها.
والتعامل اللطيف من رجال الأمن.
الذين مهما شطوا. فلا يمكنهم أن يحتجوا على أصبع.
لا يمكنهم أن يوبخوا خنصرا بريئا.
بينما كان هذا نهجا قائما في الماضي.
كانت الأصابع ترتعد.
كانت تعاني.
كانت تفكر في الهرب إلى بلاد أخرى.
كانت تخشى من امتحان البصمات.
كأن الدولة كانت تمن علينا وهي تمنحنا بطاقة التعريف الوطنية.
كأنها كانت تعاقبنا لأننا كبرنا.
و رغم أننا لم نتعرض للسجن. ولم نختطف. ولم نقطع من الأيدي.
ورغم أننا مازلنا أحياء.
إلا أن عددا كبيرا من الأصابع المغربية مازالت تعاني من آثار العنف الذي تعرضت عليه.
وما زالت تخاف خوفا مرضيا من البصمات.
على عكس الأصابع اليوم التي لم تعش من حسن حظها الرعب الذي عاشته أصابع آبائها.
وهي الآن تنقر على الجميلات في التيكتوك.
وعلى شاشة الهاتف.
وعلى زر المتابعة.
وعلى فيديوهات نورا فتحي.
ظنا منها أن الأصابع كانت من القديم تتمتع بهذه الحرية.
و بهذه الامتيازات
وبهذا الشعور بالأمن
وبهذه الملذات
وبهذه الصور.
الذي تتمتع به الأصابع اليوم في مغرب ما بعد نصف نهائي كأس العالم.
Laisser un commentaire