الإمام ابن رشيد السبتي وعنايته بالإسناد للدكتور بدر العمراني (3)

المبحث الثاني: دوافع عنايته بالإسناد

مـن البـدهي أن ابـن رشـيد لم تكـن عنايتـه بالإسناد، وانقطاعـه لهـذا المهيع، بحـرد صـدفة محظوظ، أو نزوة عاشـق، وإنمـا هـو عمـل قـد استحضـر فيـه النية، وحـدد فيـه الهـدف، وتمثـل فـيـه الـدوافع المحفزة للمضي قدما، ويمكـن لنـا أن نستوحيها من آثاره التي بين أيدينا، فنعد منها ولا نعددها:

1. طلـب مرضاة الله: وذلك جلي، لأن الطريق المسـلوك، طريـق العـلـم، و”طلب العلم فريضـة علـى كـل مسـلم” كمـا صـح عـن الصـادق المصدوق وصـح عنـه أيضا قوله: “مـن سـلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنـة”. ويشـهـد لهـذا مـا أبـداه ابـن رشـيد رحمه الله في كتبـه، فمثلا في السنن الأبين افتتح بحثـه بعـد الاستخارة بقوله: والله تعالى ينفـع بالنيـة في مبـدا هـذا العمـل ومختتمـه، فإنما الأعمال بالنيات. وأورد سـنده المتصـل بالحـديث، قائلا: كمـا قـرأت على أبي المجاهـد غـازي بـن أبي الفضـل بـن عبـد الوهـاب الحـلاوي قال: أنا الشيخ المعمـر أبـو حفص عمـر بـن محمـد بـن المعمـر سماعـا عليـه قـال: أنـا أبـو القاسـم هبـة الله بـن محمـد بـن عبـد الواحـد بـن الحصين الشيباني قراءة عليـه وأنـا أسمـع قـال أنـا أبوطالب محمـد بـن محمـد بـن إبـراهيم ابـن غيلان قال: أنـا أبـوبكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي: نا عبد الله بن روح المدائني ومحمـد بـن ربـح البزاز قالا: نا يزيد بن هارون: نا يحيى بن سعيد الأنصاري، عـن محمد بن إبراهيم التيميـ قلت: يعني سماعـا أنه سمع علقمة بن وقـاص يقـول: سمعـت عمـر بن الخطاب على المنبر يقـول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى فمـن كـانـت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومـن كـانـت هجرته لدنيا يصيبها أوامرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

وفي كتابه الأربعين البلدانيـة المسمى: “الإعـلام، بـأربعين عـن أربعـين مـن الشيوخ الأعلام”، صرح بقصـده مـن جمع هذه الأحاديث؛ ألا وهـو الاتصال بأشرف الخلق نبينـا محمـد عـليـه الصـلاة والسلام، بقوله: وأعـددناها وسيلة مـن أشـرف الوسائل، وفضيلة مـن أنفـس الفضائل،… وكذلك الإحـراز علـى فـضـل حديث : “مـن حـفـظ على أمتي أربعين حـديثـا مـن أمـر دينهـا بعثه الله عـز وجـل يوم القيامة في زمرة العلماء”.

2، حفـظ السـنة؛ وفي ذلك يقـول في مقدمـة إفـادة النصيح: الحمـد الله الذي جعـل الإسناد خصوصية لهذه الأمة، وأثـارة باقيـة ولجنـة مـن التقـول علـى نبيه صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم واقيـة، واختـار لـه مـن ورثة نبيه صلى الله عليه وسلمـ عصـابة أولي عـدد وذوي عـدد للتحريـف عنـه نافيـة، وبالـذب عـن حوزتـه وافيـة، ولـلأدواء الطارئـة شـافية كافيـة، وجعلهـم الورثـة الـذين لا يسقطهم ولا ينقصهم الحجـب، ولا تغلق دونهـم الأبواب ولا تلـط الحجب وفضلهم على الخلفاء بما اختصـهـم بـه مـن مجـاب دعوته، ووصـفـهـم بـأنهم الذين يحيـون مـا أمـات النـاس مـن سـنته. فهـم أولى المومنين به لاتصـال سببهم بسببه، سلسلة إسناد، أسلحة أنجـاد، صـفـوة أمجـاد، يحمـون حمـى الـدين، وينفـون عنـه تحريف الغـالين، وانتحـال المبطلين، وتأويـل الجـاهلين، كمـا أخـبر عـنهـم سـيد المرسلين.

3. تحفيز الهمـم إلى الاعتناء به: مـن ذلـك مـا قاله في إفادة النصيح عنـد ذكـر قـول عبـد الله بن المبـارك: “الإسـنـاد مـن الـدين، ولـولا الإسناد لأكثـر المارقون الاختلاق والإنشاء، وقـال كـل مـنهم مفتريـا مـا شـاء”: فخلـت عـن ورد غيره نقصـة الأغمار الأغبياء، وخليـت بلؤلؤه كملة الأقمار العلماء، فبـدار يا ذوي الهمـم العليـة إلى الارتفـاع لمنـازلهـم بـدار، وخـذار مـن الانخفـاض عنهـا حذار. فيـا ري المجتهد، ويـا ظـمـأ المقلد . ويشهد لهـا عنايتـه بـولـده الـذي ألـف مـن أجـلـه كـتـاب “إفـادة النصيح” الذي قال عنه: وفي أيـام مقامي في هذه البلاد المغربية، وبسبتة منهـا الثغـر المحـروس، ومحـل منشئي القطـر المـأنوس، لم أزل أحرص على التبكير بإسمـاع بـني محمد هـداه الله وبلغ الأمـل فيـه، وأروض حداثته على تعلـم الحـديث وتحفظه، وأشـربه في قلبه وأمزجـه بطباعـه، رجـاء أن يمن الله الكريم علي وعليه باتباعه، ويجعلنا من أتباعه وأشياعه”.

4. تحريـر الأسـانيد ممـا شـابهـا مـن الاختلاف والاحتلال في الضبط والاتصـال: مثلا ضـبط (الفربري) قـال في “إفـادة النصيح” أثنـاء سـرده لسـند الجامع الصحيح: واختلـف الـرواة في ضبط فائها بين الفتح والكسر، والأصـح الفـتـح بـلـدا ونسـبا. ومـن ينحوبـه نحوالأسماء العربيـة يكسـر بـلـدا ونسبا. ولم يـصـب مـن قـال: إن الفتح في النسـب مـن تغيير النسبة؛ بل النسب بالفتح إلى المفتـوح وبالكسـر إلى المكسـور عنـد مـن عـربـه. وبالفتح ضـبطه خطـا الـرواة الـدراة؛ وبالفتح وجدتـه مقصـودا في البلـد والنسب في صـدر كـتـاب البخاري في النسخة العتيقة التي كتبت بمكة . شرفها الله . وقرئت وسمعـت علـى أبي ذر، وعليهـا خـطـه. وكـذلك وجدتـه في غير موضـع بخـط مـتقن الأندلسيين غير مدافع في زمانه: أبي بكـر ابـن خـير رحمـه الله. وكتـب عليـه صـح صـح علـى النسب والبلد. وقد وجدته بخطه في بعض المواضع بالكسر غير مصحح عليـه… وإشارته إلى آخـر مـن حـدث عـن ابـن شـريح حين قال: وقد روى عنـه أيضـا القاضي أبو القاسـم أحمـد بـن يزيـد بـن عبـد الـرحمن ابـن بقـي هـو وأبـوه وجـده، وهـو آخـر مـن حـدث عنـه بالإجـازة. ولم يزل على ذلك إلى أن غلبـه الكبر وأقعـده عـن التصـرف، فلـزم داره واستخلف على الصـلاة، ولم ينقطـع الأخـذ عنه إلى أن عطلـه الكـبر والخرف فقطـع، ولا أعلـم أحـدا حـدث عنـه في خرفه.

خاتمة: ثمرات عنايته بالإسناد

لـكـل بـذرة ثمرة، إذا اعتـني بهـا، وحافظ عليهـا صـاحبها، وكذلك بالنسبة لابـن رشـيـد الـذي أفنى شبابه في لقـاء الشيوخ والارتحـال إلـيـهـم مـن أجـل السماع أو الاستجازة، لابد أن تكـون جـهـوده قـد أثمرت ثمـارا يانعة، جنيـة
طيبة، منها:

1. تحريـره لسـنـد الجامع الصحيح. ويتمثـل ذلـك في كتابـه الـفـذ “إفـادة النصيح، بسند الجامع الصحيح”.

2. ربط الاتصـال بـين أسانيد المشارقة، وأسانيد المغاربة. والدليل على ذلك في رسالته “الأربعين البلدانيـة” التي وزع فيهـا أربعـين حـديثا على أربعـين شيخا مـن أربعين بلـدا. وكذلك في الاستدعاءات التي تحمـل بـا خـلال رحلتـه
الحجازية.

3. إبـرازه للطـائف الأسانيد كـالعلو؛ مـن ذلـك مـا قـالـه عـن أبي الحسـن ابـن شـريـح: كـان مـع إقرائـه يجلس أحيانـا مـن النهـار لإسماع الحديث، دائبا على ذلك، فسمع النـاس منـه كثيرا ورحـلـوا إليـه، واعتمـدوا في علـو الروايـة مسـافة وصـفـة عليـه. وعمـر وأسـن حـتى روى عنـه الآباء والأبناء والأجداد والأحفـاد، وألحـق الـصـغار بالكبـار . ومـن ذلـك أيضـا السـنـد الـذي سـبق إيراده بحديث “إنما الاعمال بالنيـة”، قـال عنـه: وهـذا السـنـد الـذي أوردنـا بـه هـذا الحديث أعلـى مـا يـروى بـه مسـافة في الدنيا شرقا وغربا، مـع مـا فيـه مـن عـلـو الصفة من اتصال السماع وثقة الرجال . . .

4. حـل بعـض الإشكالات الإسـنادية: مثـل مسـألة المحاكمـة بـين مذهبي البخاري ومسلم في السـند المعنعن.. الـتـي نـاقش فيهـا أدلـة الإمـام مسلم، وفنـد مـا رام به تعضيد رأيه، مناصـرا في ذلك الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني، بقوله: وأن هذا المذهب أظهـر وأرجـح مـن مـذهـب مـن اقتنـع بصحة المعاصـرة فقـط، كمـا اقتنـع بـه مسـلـم ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابـه واختاره، واعتقد صحته، وبالغ في الإنكار على من خالفه.

ولأجـل هـذا وغـيـره مـن الجهـود المبذولة، حظي بالتنويه في هـذا المجـال من أرباب الصناعة وأهل الشأن، مثل:
أبي البركـات ابـن الحـاج البلفيقـي (ت 774هـ) القائـل: وأعظـم عنايتـه بعلـم الحـديث متنـه وسـنده ومعرفـة رجـالـه، ولذلك كـان جـل اشتغاله، وفيـه عظم احتفاله، حتى حصل منه على غاية قصده ومنتهى آماله.

ولسـان الـديـن ابـن الخطيـب الـذي وصفه ب: الخطيب المحـدث المتبحـر في علـوم الـروايـة والإسناد. كـان، رحمه الله، فريـد دهـره عـدالـة وجلالة، وحفظـا وأدبـا، وسمتـا وهـديا، واسـع الأسمعـة، عـالي الإسناد، صـحيح النقـل، أصـيل الضبط، تـام العنايـة بصناعة الحديث، فيمـا عليهـا، بصيرا بهـا، محققـا فيهـاىذاكرا فيها الرجال، جماعة للكتب، محافظا على الطريقة.

هـكـذا حـلـده التـاريخ، وأشـاد بـه، فرحمـه الله، ونفعنـا بعلومـه وأثـاره.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة

الكاتبة: د.بدر العمراني: أستاذ السنة وعلومها بكلية أصول الدين بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع..

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق