
علي بنهرار من مراكش
تُواصل “الحوارات الأطلسية” المنعقدة بمدينة مراكش البحث عن تصورات موضوعية لتنزيل مشروع الأطلسي بمفهومه الأوسع على أرض الواقع وضمان استفادة كل بلدان الحوض من هذه الرؤية الجديدة؛ وكانت تيمة “الثقافة” من العناصر التي لا بدّ من التفكير فيها لتشكيل “هوية أطلسية” ممكنة في سياق ممتلئ بالتعدد والاختلاف وبنوع من الغنى السيوسيولوجي والمعرفي والأنثروبولوجي والفكري.
وفي هذا الصدد قال الكاتب والأكاديمي المغربي المصطفى الرزرازي إن “هذا المشروع الذي يحمل مسمى الأطلسي، سواء بمعناه الإفريقي أو بمعناه الأوسع، قوّته من الجانب الثّقافي أنه يتميز بعدم الاحتكار”، مضيفا أن “هذا الفضاء يتميّز بالتعدد، وحين ننظر إلى الخريطة التي تجمع بلدان هذا الحوض نجد مختلف اللغات: العربية، الإسبانية، الفرنسية الإنجليزية، طبعاً إلى جانب اللغات المحلية التي تتقاطع على امتداد المنطقة”.
ويبدو أن هذا المشروع، وفق ما أبداه الرزرازي، في دردشة مع هسبريس، على هامش “الحوارات الأطلسية”، سيسمح لنا بخلق “مناخ ثقافي متكافئ خارج التوقيعات الجاهزة، وخارج أفق ثنائية الهيمنة، التي تعيشها مشاريع مطروحة تهتجس بهواجس المستعمِر والمستعمَر”، مشيرا إلى أن “هذه العلاقة لا توجد في هذا السياق الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وفي محاولاته الحثيثة لإبراز الأهمية التي ينطوي عليها الشق الثقافي، لم يغفل الكاتب المغربي أن “جميع بلدان الأطلسي سيخول لنا تأسيس منظومة تنظّم للثّقافة الإفريقيّة بشكل واضح، فالثقافة الإفريقية إلى اليوم، مع الأسف، لا تزال تدخل ضمن ما هو أنثروبولوجي، والمبادرة التي تتغيى جمع هذا الأطلسي يتعين أن تكون فرصة للارتقاء بثقافة هذه المناطق لتصبح سردية حصرية قائمة بذاتها ومبنيّة على أسس معرفية، تستطيع أن تضاهي وتنافس مختلف السرديات والثقافات الكونية التي تدخل تحت مظلة العولمة”.
وأكد الباحث بـ”مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” أن “المشروع هو اقتصادي بالمقام الأول، وإنساني واجتماعي وسياسي في مقام أخير، لكن أيضا ثقافي لأنه في نهاية المطاف ما سيؤسس لهذا الفضاء ليست القرارات السياسية، ولكن الشعوب التي تعيش داخل هذه المجموعات الأطلسية”، لافتا إلى أن “الإشارات الملكية لهذا المشروع تدخل في هذا السّياق لأن مضمون النداء الملكي لتأهيل الواجهة الأطلسية يُظهر أن هناك انشغالا بالمسألة الثقافية وبالفضاء الاجتماعي”.
وركز الأكاديمي ذاته على استحضار “عنصر شرط الحياة كقيمة حاضرة في هذا المشروع، ولهذا لم يهمل التصور المعلن للأطلسي الدول التي لا توجد على الساحة”، ونبه إلى أن “هذه الرسالة قوية، بمعنى أنه لا دولة ستظل مبعدة وفق هذه المبادرة. وفي هذا نوع ظاهر من السخاء السياسي”، مشيرا إلى أن “هذا المشروع لا يمثل ضررا لمشاريع أخرى، بل يراعي تكافؤ الفرص والاستفادة الجماعية”.
وتابع قائلا: “لا مراء في أن هذا المشروع ستسنده تصورات فكرية ونظرية وسردية ثقافية، فسردية المشاريع جد مهمة من أجل إنجاحها”، مستحضراً التواجد الثقافي المغربي بإفريقيا، قبل أن يؤكد أنه “كان دائما موجودا وسيتعزز، وإن كنتُ أميل إلى أن يكون حضوره الثقافي مرنا، أي ليس مهمينا. وهذه طبيعة الثقافة المغربية، فهي داخل العمق الإفريقي تتميز بقوتها وتواضعها وإيمانها بالاختلاف، وظلت تتحرك على مسافات معروفة تترك فضاءات للتعايش والتساكن والتواجد مع ثقافات أخرى دون الرغبة في محوها أو إلغائها”.
وخلص إلى أن “الأطلسي كمحيط أيضا، خصوصا من حيث سعة هذا الفضاء، سيسمح للجميع بأن ينتعش ويعبر عن نفسه، والمفروض الآن هو التفكير في جهود النخب الإبداعية والفكرية والبحثية والإبداعية والفنية والفلسفية، إذ يتعين أن ترافق المشروع من أجل منحه معنى داخل أفق هذا العصر، وداخل أفق الشعوب التي تعيش في بلدان حوض الأطلسي، والتي تعيش دائما وهي تتغذى بسرديات تجعلها مؤمنة بالمشاريع، وهذا هو دور الديبلوماسية الثقافيّة”.
Laisser un commentaire