الخط :
A-
A+
تميزت سنة 2023 التي نستعد لتوديعها واستقبال سنة جديدة، بمواصلة تنزيل مجموعة من الأوراش الكبرى والمشاريع التي أشرف الملك محمد السادس على توقيع الاتفاقيات الخاصة بالبعض منها وأعطى انطلاقة البعض الآخر في زمن الأزمة، زمن كورونا الذي استثمر المغرب فيه وجعله مرحلة جديدة لإصلاح الأعطاب التي كشفتها هذه الأزمة العالمية، هذه الأخيرة التي وقفت عاجزة أمامها دول كنا نعتقد أنها قوية وقادرة على الصمود في مواجهة مثل هذه الأوبئة وتأثيراتها على الجانب الاقتصادي والاجتماعي.
الجدية والتحلي بقيم المواطنة ضرورة ملحة
لقد تميزت سنة 2023 كذلك بكونها سنة شاهدة على خطاب ملكي وضع خارطة طريق للعمل ولتنزيل كافة الأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة، ولمواجهة التحديات والعراقيل التي تذوب أمام قوة المملكة المغربية المتجدرة في أعماق التاريخ، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل الانهزام أو أن تكون من الدول العاجزة على مواجهة مصيرها داخل عالم متقلب، عالم يتغير بسرعة ولا مكان فيه للضعفاء.
إن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش، كان مناسبة وحدثا كبيرا حدّد فيه الملك الصفات والخصال التي يجب أن يتحلى بها المغاربة جميعا، كل من منصبه، من أجل مواجهة التحديات وتذويب الصعاب، للاستمرار في بناء هذا البلد، في محيط يعيش تقلبات وصراعات عصفت العديد منها بدول وجعلتها تفتقد لأبسط مكونات الدولة.

هذا الخطاب الذي لُقب بخطاب الجدية، بعدما كرّر الملك محمد السادس فيه هذه الكلمة 15 مرة، والتكرار كما هو معروف يفيد التأكيد، ما يبرز ويوضح بجلاء، أن الجدية باتت صفة يجب أن يتحلى بها الجميع، خاصة المسؤولين الذين يتقلدون مناصب داخل مؤسسات الدولة، ويشرفون على تتبع وتقييم تنزيل المشاريع الإصلاحية والتنموية الكبرى التي يقودها الملك محمد السادس في بلادنا.
فبعد أن ذكّر الملك محمد السادس في بداية خطابه، بنعمة التلاحم الدائم، والتجاوب التلقائي، بين العرش والشعب التي أنعم بها الله على المغرب، والتي مكنته من إقامة دولة – أمة، تضرب جذورها في أعماق التاريخ، وتحقيق العديد من المنجزات، ومن مواجهة الصعوبات والتحديات، إضافة إلى تأكيده على أن المغاربة معروفين، بخصال الصدق والتفاؤل، وبالتسامح والانفتاح، والاعتزاز بتقاليدهم العريقة، وبالهوية الوطنية الموحدة، وأيضا معروفين على الخصوص بالجدية والتفاني في العمل، عاد الملك محمد السادس إلى الإشارة إلى أن درجة التقدم والنضج الذي وصل إليه المسار التنموي لبلادنا اليوم، يحتاج إلى الجدية، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة، وفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، التي يستحقها المغاربة.
لقد أكد الملك محمد السادس خلال هذا الخطاب على أن ما يدعو إليه، ليس شعارا فارغا، أو مجرد قيمة صورية، وإنما هو مفهوم متكامل، يشمل مجموعة من المبادئ العملية والقيم الإنسانية، مشدّدا على أنه “كلما كانت الجدية حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات”، ومشيرا كذلك إلى أن الجدية تتجلى أيضا في مجال الإبداع والابتكار، الذي يتميز به الشباب المغربي، في مختلف المجالات، كما تتجسد أيضا عندما يتعلق الأمر بقضية وحدتنا الترابية.
ودعا الملك محمد السادس إلى أن تظل الجدية مذهبنا في الحياة والعمل، وأن تشمل جميع المجالات، وأولها الحياة السياسية والإدارية والقضائية من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة، وأيضا في المجال الاجتماعي، وخاصة قطاعات الصحة والتعليم والشغل والسكن، إضافة إلى ضرورة تحلي الفاعلين الاقتصاديين، وقطاع الاستثمار والإنتاج والأعمال بالجدية المطلوبة واللازمة، مشدّدا على أن الجدية كمنهج متكامل تقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعة قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
الملك محمد السادس والجدية في مواجهة تداعيات الأزمة العالمية وتوالي سنوات الجفاف
لم يفوت الملك محمد السادس الفرصة خلال خطابه الموجه للأمة بمناسبة عيد العرش لسنة 2023 دون أن يثير الانتباه لخطر وتداعيات الجفاف الذي أصبح مشكلا بنيويا في بلدنا، بسبب قلة التساقطات المطرية، بل انعدامها في جل مناطق المملكة، حيث أشار إلى أن تداعيات الأزمة التي يعرفها العالم، وتوالي سنوات الجفاف، ساهمت على المستوى الوطني، في ارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، وهو ما دفعه لتوجيه الحكومة لاتخاذ التدابير اللازمة، قصد تخفيف آثارها السلبية على الفئات الاجتماعية والقطاعات الأكثر تضررا، وضمان تزويد الأسواق بالمنتوجات الضرورية.
وأكد الملك محمد السادس بعد إشارته إلى ظهور بعض بوادر التراجع التدريجي لضغوط التضخم، على المستوى العالمي، في الآونة الأخيرة، أننا في أمس الحاجة إلى الجدية وإشاعة الثقة، واستثمار الفرص الجديدة، لتعزيز صمود وانتعاش الاقتصاد الوطني، مشيرا في هذا الصدد إلى أنه أطلق مشروع الاستثمار الأخضر للمكتب الشريف للفوسفاط، وقام بتسريع مسار قطاع الطاقات المتجددة، من خلال ترأسه لاجتماع يهم هذا الموضوع، وقدّمت أمامه الحكومة في هذا الاجتماع مشروع “عرض المغرب”، في مجال الهيدروجين الأخضر، داعيا إياها للإسراع بتنزيله، بالجودة اللازمة، وبما يضمن تثمين المؤهلات التي تزخر بها بلادنا، والاستجابة لمشاريع المستثمرين العالميين، في هذا المجال الواعد.

وإلى جانب كل هذا، وقف الملك محمد السادس خلال ذات الخطاب، على أزمة تدبير الموارد المائية، في ظل أزمة الجفاف والانخفاض المهول في حقينة سدود المملكة، ما تسبب في معاناة بعض المناطق من البلاد من مشكل نذرة مياه الشرب، حيث أشار إلى أن مجال تدبير الموارد المائية، يتطلب المزيد من الجدية واليقظة، ومؤكدا في هذا الصدد حرصه على بلورة البرنامج الوطني للماء لفترة 2020-2027، وداعيا في الوقت نفسه للتتبع الدقيق لكل مراحل تنفيذه، ومؤكدا على أنه لن يتساهل مع أي شكل من أشكال سوء الحكامة والتدبير، والاستعمال الفوضوي واللا مسؤول للماء.
وكان الملك محمد السادس، قد ترأس شهر ماي 2023 بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل خصصت لتتبع البرنامج الوطني للتزود بالماء الصالح للشرب ومياه السقي 2020-2027، في إطار العناية والرعاية السامية التي يوليهما الملك محمد السادس لقضية الماء ذات الطابع الاستراتيجي، والتي كانت، على الخصوص، موضوع التوجيهات الملكية الهامة التي تضمنها خطاب افتتاح البرلمان في أكتوبر 2022 وثلاث جلسات عمل ترأسها أيضا.
ودعا الملك خلال هذه الجلسة إلى تسريع وتيرة هذا البرنامج الوطني وتحيين محتوياته، حيث أعطى تعليماته للحكومة بتخصيص اعتمادات إضافية هامة بما يمكن من رفع ميزانيته الإجمالية إلى 143 مليار درهم، لتسريع مشروع الربط بين الأحواض المائية لسبو وأبي رقراق وأم الربيع، والذي تم إنجاز الشطر الاستعجالي لهذا الربط على طول 67 كلم؛ ودعا كذلك إلى برمجة سدود جديدة، وتحيين تكاليف حوالي 20 سدا يتوقع إنجازها، والتي ستمكن من الرفع من قدرة التخزين ب 6.6 مليار متر مكعب من المياه العذبة؛ بالإضافة إلى سريع مشاريع تعبئة المياه غير التقليدية، من خلال برمجة محطات لتحلية مياه البحر، والرفع من حجم إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة؛ ناهيك على تعزيز التزود بالماء الصالح للشرب في العالم القروي، من خلال توسيع التغطية لتشمل المزيد من الدواوير وتعزيز الموارد اللوجستية والبشرية المعبأة.
من جهة أخرى، وبالنظر إلى الوضع المناخي والمائي الذي أثر خلال سنة 2023 مرة أخرى بشكل سلبي، على سير الموسم الفلاحي وتوفر المراعي، أعطى الملك محمد السادس تعليماته السامية للحكومة لتفعيل، وعلى غرار السنة السابقة، الإجراءات الاستعجالية لبرنامج مكافحة آثار الجفاف، داعيا مختلف القطاعات والهيئات المعنية، إلى مضاعفة اليقظة في هذا المجال الحيوي، والتحلي بالفعالية والجدية في تنفيذ المشاريع المبرمجة وفقا للجدول الزمني المحدد.
الملك محمد السادس والجدية في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية في المدة المحددة

بالرغم من الأزمة التي يشهدها العالم بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، ألح الملك محمد السادس خلال نفس الخطاب على ضرورة استكمال ورش الحماية الاجتماعية في الآجال الذي حدّدها مسبقا، بالرغم من كل التغيرات التي شهدها العالم ووصل تأثيرها لبلادنا، حيث أكد في خطابه أن نهاية سنة 2023 سيتم الشروع وكما كان مقررا مسبقا في منح التعويضات الاجتماعية، لفائدة الأسر المستهدفة. وهي الخطوة التي شدّد على أن ستشكل ركيزة أساسية في النموذج التنموي والاجتماعي المغربي لصيانة كرامة المواطنين في كل أبعادها.
وفي هذا الصدد، وتنزيلا للتعليمات الملكية بخصوصهذا الورش الملكي الكبير، شهدت سنة 2023 تنزيل المرحلة الثانية من ورش الحماية الاجتماعية، وهي مرحلة تعميم التعويضات العائلية، حيث تم فتح بوابة التسجيل في السجل الوطني للسكان، وأيضا السجل الوطني الاجتماعي، للتمكن من تحديد الفئات المستحقة للدعم الاجتماعي والتعويضات العائلية.
وقد بدأ الشروع في تنزيل هذه المرحلة وفق الجدولة الزمنية التي حدّدها الملك محمد السادس لتنزيل هذا الورش، بالرغم من الأزمة التي يشهدها العالم وترخي بظلالها على بلادنا، وذلك من خلال تمكين الأسر التي لا تستفيد من هذه التعويضات من الاستفادة، حسب الحالة، من تعويضات للحماية من المخاطر المرتبطة بالطفولة أو من تعويضات جزافية.
وتنقسم الأسر المستفيدة من هذه التعويضات إلى فئتين، تشمل الفئة الأولى الأسر التي لديها أطفال دون سن 21 عاما، وتهدف إلى الحماية من الأخطار المتعلقة بالطفولة مثل الهدر المدرسي، أما الفئة الثانية، فستستفيد منها الأسر التي ليس لديها أطفال أو التي يزيد عمر أطفالها عن 21 عاما. حيث من المنتظر أن يستفيد من عملية تعميم التعويضات العائلية، ما يقارب سبعة ملايين طفل في سن الدراسة، تستفيد منها ثلاثة ملايين أسرة.
الملك والتشبث بالجدية بمعناها المغربي الأصيل في ظل اهتزاز منظومة القيم والمرجعيات في العالم
شدّد الملك محمد السادس خلال نفس الخطاب على ضرورة التشبث بالجدية بمعناها المغربي الأصيل في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، بسبب حاجتنا لذلك، من خلال أولا الجدية في التمسك بالقيم الدينية والوطنية، وبشعارنا الخالد الله – الوطن – الملك؛ وثانيا في التشبت بالوحدة الوطنية والترابية للبلاد؛ وثالثا في صيانة الروابط الاجتماعية والعائلية من أجل مجتمع متضامن ومتماسك؛ رابعا وأخيرا التشبث بالجدية في مواصلة مسارنا التنموي، من أجل تحقيق التقدم الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
زلزال الحوز مأساة ومناسبة لإظهار تفاعل المؤسسات مع خطاب الجدية

لم يمر على خطاب الجدية، أقل من شهر ونصف، حتى ألمت ببلادنا كارثة الزلزال، فبالرغم من الألم الذي خلفته والأسى والحسرة في نفوسنا، إلا أنها كانت مناسبة اكتشف فيها العالم معدن المغاربة وخصالهم، كما كانت مناسبة أظهرت مدى تفاعل كل شرائح المجتمع ومؤسسات الدولة مع دعوات الملك محمد السادس للتشبث بالجدية والمواطنة والقيم الإنسانية النبيلة، وهي صفات جمعت المغاربة ووحدتهم، وجعلتهم يحولون نقمة كارثة الزلزال إلى فرصة ومناسبة لإظهار توحيد صفوفهم وتضامنهم من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، في مشاهد تناقلتها كبريات القنوات والصحف العالمية، وأدهشت شعوب العالم.
فبالعودة للحديث عن كارثة 8 شتنبر 2023، وبعدما تناسلت العديد من الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفيد حدوث زلزال بالعديد من مناطق المغرب، مع اقتراب منتصف ليلة الجمعة – السبت 8 شتنبر، بدأ الجميع يتساءل عن مركز وبؤرة الزلزال وعن حجم الخسائر المادية والبشرية التي خلّفها، خصوصا وأن الجهات المختصة التزمت الصمت وهو أمر طبيعي في ظل عدم توفر معلومة دقيقة في الحين، لكن لم يكن أكثر المتشائمين يتوقعون أن هذه الكارثة ستخلف وراءها قتلى بالمئات وخسائر مادية كثيرة.
وما هي إلا دقائق حتى أصدر كل من المعهد الوطني للجيوفيزياء والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، بلاغا مشتركا، أعلنا فيه أنه تم تسجيل هزة أرضية بلغت شدتها 7 درجات على سلم ريختر، مركزها جماعة إيغيل بإقليم الحوز، بعمق 8 كيلومترات، في تمام الساعة الحادية عشرة مساء و11 دقيقة من يوم الجمعة 8 شتنبر 2023، ووصل صداها لمجموعة من مدن المملكة، جعلت المغاربة يعيشون ليلة سوداء ويترقبون الحصيلة الأولية والإجراءات المتخذة من طرف الجهات والسلطات المختصة لمواجهة هذه الكارثة…

الجدية في تنزيل التعليمات الملكية لمواجهة كارثة الزلزال
ومباشرة بعد وقوع الكارثة، أعطى الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تعليماته للقوات المسلحة الملكية، بشكل مستعجل، ليلة وقوع الزلزال، لنشر وسائل بشرية ولوجيستية مهمة، جوية وبرية، إضافة إلى وحدات تدخل متخصصة مكونة من فرق البحث والانقاذ، ومستشفى طبي جراحي ميداني، حيث تفاعلت القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية بكل جدية مع التعليمات الملكية، وقامت بشكل سريع باتخاذ التدابير الضرورية على مستوى القيادة العليا والحاميات العسكرية للمملكة، للتواصل والتنسيق مع السلطات المحلية، كما تم نشر وحدات للتدخل، وطائرات، ومروحيات، وطائرات بدون طيار، ووسائل هندسية، ومراكز لوجيستية بعين المكان بهدف تقديم الدعم الضروري لمختلف القطاعات المعنية والساكنة المتضررة.

وإلى جانب ذلك، فبعد أقل من 24 ساعة على وقوع الكارثة، ألغى الملك محمد السادس الزيارة الخاصة التي كان يقوم بها لفرنسا، حيث عاد إلى أرض الوطن بشكل عاجل، ليترأس ﻣرﻓوﻗﺎ ﺑﺻﺎﺣب اﻟﺳﻣو اﻟﻣﻠﻛﻲ وﻟﻲ اﻟﻌﮭد اﻷﻣﯾر ﻣوﻻي اﻟﺣﺳن، ﺑﻌد زوال اﻟﺳﺑت 9 ﺷﺗﻧﺑر 2023 ﺑﺎﻟﻘﺻر اﻟﻣﻠﻛﻲ ﺑﺎﻟرﺑﺎط، ﺟﻠﺳﺔ ﻋﻣل ﺧﺻﺻت ﻟﺑﺣث اﻟوﺿﻊ ﻓﻲ أﻋﻘﺎب اﻟزﻟزال المؤلم، اﻟذي وﻗﻊ يوم اﻟﺟﻣﻌﺔ 8 شتنبر، واﻟذي ﺧﻠف ﺧﺳﺎﺋر ﺑﺷرﯾﺔ كبيرة وﻣﺎدﯾﺔ ﻓﻲ العديد ﻣن ﺟﮭﺎت اﻟﻣﻣﻠﻛﺔ.

وترأس الملك أيضا يوم 14 شتنبر 2023 بالقصر الملكي بالرباط، اجتماع عمل خصص لتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا من زلزال الحوز، والذي كان موضوع تعليمات ملكية خلال جلسة العمل التي ترأسها يوم 9 شتنبر 2023. وبعد أقل من أسبوعين على هذا الاجتماع، ترأس الملك محمد السادس يوم الأربعاء 20 شتنبر 2023، بالقصر الملكي بالرباط جلسة عمل أخرى خصصت لبرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة من زلزال الحوز، وهي جلسة جاءت امتدادا للتوجيهات الملكية خلال اجتماعي 9 و14 شتنبر، والتي وضعت لبنات برنامج، مدروس، مندمج، وطموح يهدف إلى تقديم جواب قوي، منسجم، سريع، وإرادي.


وبالإضافة لذلك، فقد ترأس الملك محمد السادس، يوم الخميس 19 أكتوبر 2023، بالقصر الملكي بالرباط، مجلسا وزاريا، خصص للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2024، حيث تم خلاله الإشادة بردة الفعل الإيجابية والنجاعة الكبيرة في تدبير كارثة الزلزال، والتي أبان عنها المغرب تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، من خلال الحرص وبكل جدية من طرف كل المؤسسات والقطاعات الحكومية المتداخلة في الموضوع، على تنفيذ التعليمات الملكية السامية، وإعداد برنامج مندمج ومتعدد الأبعاد، يشمل كل القطاعات، ويهدف إلى إعادة الإعمار وتأهيل المناطق المنكوبة، ويهم حوالي 4.2 مليون من ساكنة المناطق المتضررة، بغلاف مالي يقدر بـ 120 مليار درهم، على خمس سنوات..

وبالتشبث بالجدية التي دعا إليها الملك محمد السادس خلال خطاب العرش لسنة 2023، فقد حرصت الحكومة على احترام التوجيهات الملكية خلال صياغة مشروع قانون مالية سنة 2024، والذي ارتكزت توجهاته العامة على أربعة محاور أساسية أولها، تنزيل برنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة من زلزال الحوز، وتعزيز التدابير الرامية للحد من التأثيرات الظرفية. حيث سيتم تنفيذا للتعليمات الملكية السامية الإسراع بتنزيل هذا البرنامج، وفق مقاربة مندمجة، وباعتماد حكامة متناسقة، من خلال وكالة تنمية الأطلس الكبير، في إطار تعاقدي يشمل كل المتدخلين؛ وذلك بمساهمة كل من الميزانية العامة للدولة والجماعات الترابية، وصندوق التضامن الخاص بتدبير آثار الزلزال، وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الدعم والتعاون الدولي.
وخلال المجلس الوزاري وكل هذه الجلسات والاجتماعات التي ترأسها الملك محمد السادس، بعد فاجعة زلزال الحوز، كان كل المسؤولين المعنيين يستعرضون أمام الملك محمد السادس كل الخطوات والتدابير المتخذة من خلال تحليهم بالجدية والمواطنة وحرصهم على تنزيل التعليمات الملكية على أرض الواقع وبدون تخاذل، خاصة وأنه أشرف شخصيا على تتبع كل ما يرتبط بكارثة زلزال الحوز، منذ الساعات الأولى التي تلتها، وهو ما جعل هؤلاء المسؤولين أمام امتحان صعب، فرض عليهم تنزيل كل ما ورد في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2023، خطاب الدعوة للتشبث بالجدية، بمعناها المغربي الأصيل.
زلزال الحوز.. تلاحم العرش والشعب والتشبث بقيم المواطنة و “بتامغرابيت الحقيقية”
لقد شكلت كارثة الزلزال فرصة كذلك لإظهار مدى تلاحم العرش العلوي والشعب المغربي، حيث أظهر الملك محمد السادس على أنه في طليعة المتضامنين قولا وفعلا مع ضحايا وجرحى هذه المأساة، حيث انخرط في حملة التبرع بالدم التي شهدتها كل مدن المملكة، وقام يوم 12 شتنبر 2023 بالتبرع بالدم لصالح مصابي الزلزال، وهي خطوة تجسد العناية الملكية السامية وتعبر عن تضامن الملك الكامل وعطفه على الضحايا والعائلات المكلومة، كما تعزز أيضا الدعم المعنوي لمختلف المبادرات والإجراءات التي تم اتخادها لإنقاذ ومساعدة ومواكبة الأشخاص المتضررين من زلزال الحوز.

وفي خضم مشاهد الدمار والموت التي خلفها “زلزال الحوز”، برزت قيم التضامن والتلاحم والكرم بين المغاربة، بشكل أوضح، وظهر المعنى الحقيقي لتامغربيت الحقيقية، وأيضا التنزيل الحقيق لما دعا إليه الملك محمد السادس خلال خطاب الجدية، من خلال تشديده على أننا في أمس الحاجة إلى التشبث بها، بمعناها المغربي الأصيل، في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات ، وتداخل العديد من الأزمات.
إن محنة الزلزال الذي ألم ببلدنا، كشفت وحدة المغاربة وجمال معدنهم، وقدرتهم على الصبر في أوقات الشدة والمحن، والتعامل معها بكبرياء وطيبة قلب، ومسارعتهم إلى التضامن والتآزر ومد يد المساعدة إلى بعضهم البعض، من خلال تمسكهم بالقيم الدينية والوطنية، وبشعار المملكة الخالد: الله – الوطن – الملك؛ وأيضا من خلال التشبت بالوحدة الوطنية والترابية للبلاد؛ وهو ما أظهرته قوافل التضامن والمساعدات الإنسانية القادمة من الأقاليم الجنوبية والتي حلّت بالمناطق المنكوبة.

وإلى جانب ذلك، فقد كانت المشاهد الكثيرة، سواء تلك التي تعبر عن كرم المنكوبين، الذين حرصوا على حسن وفادة من تنقل إلى مناطقهم المدمرة بفعل الزلزال، من إعلاميين ومسعفين ومتضامنين، أو تلك التي تتعلق بمغاربة سارعوا إلى التبرع بالدم، والتضامن مع المتضررين بما يحتاجونه من مأكل ومشرب وملبس وأغطية وخيام، رغم فقرهم وحاجتهم إلى ما يساهمون به من تبرعات، وهي صورة من صور التشبث بالجدية بمعناها الأصيل من الجانب المتعلق بصيانة الروابط الاجتماعية والعائلية الذي دعا إليها الملك محمد السادس، من أجل بناء مجتمع متضامن ومتماسك.

Laisser un commentaire