حاوره: حمزة فاوزي
يحمل الدكتور إدريس تكير، عالم كواكب بوكالة “ناسا” الأمريكية، “العلم المغربي” في العديد من الدراسات والمهمات الفضائية الكبرى لاستكشاف الكوكيبات خارج كوكب الأرض.
يشتغل تكير على تحليل عينات الكوكيبات واستكشاف خصائصها من أجل فهم تاريخ النظام الشمسي الذي يمتد لملايين السنين، وفي هذ الحوار التالي مع هسبريس يضعنا العالم المغربي أمام مستجدات آخر دراساته وبحوثه العلمية والمهمات الفضائية العالمية التي يشارك فيها.
لم تنقطع صلة تكير، الحاصل على دكتوراه في علوم الكواكب من جامعة “تينيسي نوكسفيل” الأمريكية سنة 2013، ودرجة الماجيستير في دراسات الفضاء من جامعة “داكوتا الشمالية” المرموقة سنة 2008، والباكالوريس في علوم الكمبيوتر من جامعة ولاية بورتلاند سنة 2006، ببلده الأم المغرب، الذي تخرج فيه من جامعة الحسن الثاني بكلية العلوم بإجازة في الفيزياء.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
يؤكد العالم المغربي أن “المملكة المغربية بلد جد مشهور في مجتمع النيازك، ويجب أن يشرع في الاستثمار في مجال الكواكب”.

وهذا نص الحوار كاملا: أنتم تبحثون في عينات كوكيبات خارج كوكب الأرض، ما هو جديد بحثكم إلى حدود اللحظة؟
انتقلت مؤخرا “بعثتان روبوتيتان” إلى كويكبين بدائيين بالقرب من الأرض (مدارهما قريب من مدار الأرض) وأعادتا عينات منهما إلى الأرض. انطلقت المركبة الفضائية Hayabusa2، التي أطلقتها في عام 2014 وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA)، نحو الكويكب 162173 Ryugu في عام 2018، ونجحت Hayabusa2 في جمع عينات من Ryugu ونقلتها من مسافة 250 مليون كيلومتر إلى الأرض في كبسولة مغلقة هبطت في المناطق النائية بأستراليا في عام 2020، كنت أنا عضوا في فريق “JAXA Hayabusa2″، الذي ميز أطياف Ryugu وحلل العينات المعادة، إذ تم العثور على عينات ريوجو مشابهة لـ”نيازك الكوندريت” الكربونية التي سقطت على الأرض، وخاصة “الكوندريت الكربوني CI”، التي لها تكوين عنصري يشبه تكوين الشمس، كما كشف تحليل عينات Ryugu أن هذا الكويكب غني بالمياه والمواد العضوية، بما في ذلك الأحماض الأمينية، واللبنات الأساسية للبروتينات والحياة كما نعلم، إلى جانب احتوائه على “معادن ما قبل القطب” وماس صغير بحجم واحد نانومتر، ربما تكون قد تشكلت أثناء انفجار “مستعر أعظم” قريب قبل تكوين النظام الشمسي.
وفي مهمة ناسا المسماة “OSIRIS-REx”، التي تم إطلاقها في عام 2016 تجاه كويكب (101955) المعروف بـ”بينو”، شاركت فيها كـ”باحث ما بعد الدكتوراه”، خلال مرحلة التصميم والتنفيذ للبعثة، حيث أعادت OSIRIS-REx عينات من Bennu إلى الأرض في سبتمبر من العام الماضي، وحاليا يدرس العلماء هذه العينات التي من المتوقع أن تكون مماثلة لـ”ريوجو” ونيازك “الكوندريت” الكربونية الغنية بالمياه والكربون.
عنصر آخر في بحثي هو دراسة أصل ومصدر الكويكبات الغنية بالكربونات والمياه مثل “Ryugu” و”Bennu” في حزام الكويكبات الرئيسي (بين المريخ والمشتري) من خلال الملاحظات الفلكية الأرضية والفضائية باستخدام تقنية تسمى “التحليل الطيفي الانعكاسي” (حساب جزء من ضوء الشمس الساقط)، إذ تعتبر عمليات الرصد الفلكية “مهمة” لوضع العينات والتحليلات المختبرية المعادة في السياق الواسع للنظام الشمسي المبكر.
هل تشكل هاته العينات مرحلة لفهم تاريخ نظامنا الشمسي أم شيئا آخر؟
توفر دراسة عينات “Ryugu” و”Bennu” معلومات مهمة حول العمليات الكيميائية والديناميكية التي حددت المرحلة المبكرة من نظامنا الشمسي. توفر هذه العينات رقمًا قياسيا أصليا يبلغ 4.6 مليارات سنة منذ ولادة النظام الشمسي، كما يطلق على “ريوجو” و”بينو” اسم بدائي لأن تركيبهما الكيميائي بالكاد تغير منذ تشكلهما في النظام الشمسي الخارجي في درجات حرارة منخفضة. أضيف أنه قد تم تسليم الكويكبات القريبة من الأرض مثل ريوغو وبينو إلى مواقعها المدارية الفعلية في الفضاء القريب من الأرض بسبب اضطرابات الجاذبية داخل الرنين المداري في الحزام الرئيسي الداخلي بين المريخ والمشتري.
لذلك، تسمح لنا دراسة الكويكبات البدائية بالعودة بالزمن إلى الوراء ودراسة النظام الشمسي المبكر.

كنتم جزءا من العديد من البعثات الفضائية لاستكشاف المواد البدائية خارج كوكب الأرض لوكالة ناسا، ما هي أبرز بعثة شاركتم فيها؟
كانت مهمة “Hayabusa2” التابعة لـ “JAXA”، (Hayabusa تعني «صقر الشاهين» باللغة اليابانية) إلى الكويكب Ryugu رائعة، وهي الأبرز في مساري، حيث قمت بمسح لـ”Ryugu” لمدة عام ونصف وجمعت عينات من مناطق مختلفة من الكويكبات، بالإضافة إلى أدوات الاستشعار عن بعد المتعددة (مثل الكاميرات ومقاييس الطيف). لقد نشرت المركبة الفضائية أربع مركبات جوالة صغيرة على سطح الكويكبات، كما قامت Hayabusa2 بتجربة رائعة من خلال نشر مصادم لإنشاء فوهة اصطناعية على سطح الكويكبات. ونشرت المركبة الفضائية كاميرا أخرى لتوثيق إنشاء التأثير الاصطناعي على ريوجو. استخدمت JAXA Hayabusa2 للقيام بالعلوم ولإثبات التكنولوجيا وتجربتها، بعد تسليم عينات Ryugu إلى الأرض في عام 2020، تواصل المركبة الفضائية حاليا رحلتها إلى الالتقاء بكويكب قريب من الأرض سريع الدوران يسمى 1998 KY26 بحلول عام 2031.
هل يشمل عملكم تحديد وجود مؤشرات للحياة خارج كوكب الأرض؟ وهل المريخ هو المكان المناسب مستقبلا؟
دراسة المريخ مثيرة للاهتمام للغاية وتسمح لنا بمعالجة العديد من الأسئلة البارزة في علم الكواكب، بما في ذلك ما إذا كانت الحياة قد نشأت عليه، والبحث عن علامات الحياة السابقة والبصمات الحيوية في السجل الجيولوجي. لقد أرسلت ناسا العديد من المركبات الجوالة لدراسة المريخ، وهناك خطة لإعادة عينات إلى الأرض من هذا الكوكب في المستقبل.
يركز بحثي بشكل أساسي على الكويكبات البدائية (الأقل تغييرا ومعالجة) مثل Ryugu وBennu، التي تحتوي على مواد عضوية تعمل بمثابة لبنات بناء للحياة وتحتوي على الماء، والتي يمكن أن توفر أدلة على أصل الحياة كما نعرفها على الأرض. أنا عضو في مهمة أخرى لـ JAXA تسمى eXploration Martian Moons (MMX)، وهي جاهزة للإطلاق لإعادة عينات من قمر المريخ “فوبوس”، سيقوم العلماء بتحليل عينات “فوبوس” والبحث عن المياه والمواد العضوية.
تسقط العديد من نيازك الكويكبات بالأراضي المغربية، هل ترى أن على المملكة أن تستثمر في هذا الأمر؟
بالتأكيد. المغرب لديه واحدة من أكثر مناطق الصيد حيوية للنيازك في جميع أنحاء العالم. إنه معروف ومشهور جدا في مجتمع النيازك، لقد تم العثور على العديد من النيازك المهمة (بما في ذلك تلك التي جاءت من المريخ والقمر) في الأراضي المغربية، حيث كانت هناك بالفعل جهود هائلة للاستثمار العلمي في النيازك الموجودة في المغرب. على سبيل المثال، كانت زميلتي وصديقتي البروفيسور العالمة حسناء شناوي أودجهان وفريقها البحثي في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء-كلية العلوم عين الشق، نشطين للغاية في جمع ودراسة هذه النيازك، لقد فتحت البروفيسور شناوي مؤسسة “ATTARIK” للأرصاد الجوية وعلوم الكواكب، التي تهدف إلى إنشاء متحف يمكنه استضافة النيازك الموجودة في المغرب وإتاحتها للباحثين المغاربة والدوليين.
نعم هناك حاجة ماسة إلى مثل هذه المرافق للحفاظ على هذه النيازك الثمينة ولتطوير علم الكواكب في المغرب، كما يعد الاستثمار في اكتشاف الكرات النارية و”البوليد” أمرا مهما للغاية لتسجيل جميع الكرات النارية في السماء المغربية التي من المحتمل أن تصبح شلالات نيزكية. كما أن هذا يسمح لنا بتتبع مدار ومصدر النيازك التي تسقط في المغرب.
كما أذكر زميلي وصديقي البروفيسور زهير بن خلدون في جامعة القاضي عياض بمراكش، مدير مرصد أوكايميدن، الذي يشارك فريقه البحثي بنشاط في توصيف الكويكبات والأجسام الأم لبعض النيازك التي تم العثور عليها في المغرب.
في الختام، باعتباركم من أبرز العلماء المغاربة في وكالة “ناسا”، هل أنتم مستعدون في حالة وجود نية مغربية في هذا المجال أن تقدموا خدماتكم لبلدكم؟
أكملت دراستي الجامعية في المغرب، كما حصلت على إجازة في الفيزياء من جامعة الحسن الثاني كلية العلوم، فعلى الرغم من أنني كنت غائبا لسنوات عديدة عن بلدي، إلا أنني ما زلت مرتبطا ارتباطا وثيقًا به، ويسعدني دائمًا الحضور لزيارة الحلقات الدراسية والمشاركة في الاجتماعات العلمية وحلقات العمل كلما تلقيت دعوة، في الآونة الأخيرة، من قبل البروفيسور عبد المجيد بنهيدة (جامعة القاضي عياض) لعقد ندوة كجزء من ورشة عمل الفيزياء الفلكية التي عقدت في مرصد أوكايميدن. لقد كانت لدي تفاعلات رائعة مع الطلاب الأذكياء والباحثين الشباب هناك، وقد أعجبت بهم وباهتمامهم بعلم الكواكب. كما أنني عضو في لجنة الدكتوراه في جامعة القاضي عياض بمراكش، وأتطلع دائما إلى المساعدة كلما أتيحت لي الفرصة. أضيف أنه سيكون الاستثمار في علوم الكواكب في المغرب مفيدا للغاية، فالمغرب لديه باحثون بارعون وموهوبون، ونحن بحاجة إلى مواصلة الاستثمار فيها حتى نساهم في استمرار تطور العلم.
Laisser un commentaire