بدأت معالم تشكيل وتأسيس مجتمع تطواني أوائل القرن الخامس عشر الميلادي (العاشر الهجري)، ظل محافظا على موروثه الثقافي والحضاري والديني الذي ورثه من المشرق والمغرب والأندلس إلى يومنا هذا، رغم ما تعرضت له الأندلس وبعض الثغور المغربية من اضطهاد النصارى. أسهمت المرأة إلى جانب الرجل بشكل فعال في بناء مدينة تطوان وعمارتها وتسيير شؤونها الإدارية والسياسية والاجتماعية قبل التأسيس وبعده، بدءا بالسيدة سامسا التي حكمت تطوان قبل الفتح الإسلامي، والسيدة الحرة سلطانة تطوان وزوجة القائد المنظري وأحمد الوطاسي التي توسطت عقد الدولة الإسلامية، وانتهاء بالسدراوية في العصر الحاضر وما صاحبهن من نسوة عبر كل عصر.
فالحديث عن المرأة وجهودها في بناء الحضارة بتطوان يجرنا لنبش ذاكرة تاريخ الأندلس ومن صنعه من الرجال والنساء، وأثره على تطوان خاصة وشمال المغرب عامة، إذ حظيت تطوان وحدها باستقبال أفواج كبيرة من الأندلسيين ومعهم ذاكرة وموروث ثقافي واجتماعي يصعب نسيانه، عرفوا بالثراء الاقتصادي، والنشاط السياسي والحربي، إذ عمل القائد والمهندس المنظري بعد مغادرته غرناطة إلى اختطاط تطوان بمواصفات المدن العالمية آنذاك بشمال المغرب سنة 889هـ، بمساعدة من أمير شفشاون علي بن راشد، الذي كانت إمارته تمتد إلى مشارف تطوان وسبتة. ولم يكن المنظري وحده في ذلك، بل كانت زوجته إلى جانبه في التخطيط والتدبير كما تذكر لنا كتب التاريخ، إلى أن استقلت بذاتها في تسيير إمارتها بعد وفاة زوجها المنظري، وزواجها من أحمد الوطاسي، لتصبح أول امرأة في تاريخ شمال إفريقيا تتولى الحكم بشكل مستقل.
كما لم تكن السيدة الحرة استثناء في تدبير شؤون الإمارة بالمغرب، وإنما سبقها في ذلك نسوة من بلاط المرينيين وغيرهن، كعائشة بنت عبد الحق المريني التي استشهدت في معركة طريف، وزهور الوطاسية التي تولت زمام الأمور بفاس، ولعبت دورا سياسيا كبيرا بعد تنحية محمد الجوطي الذي بويع سنة 869هـ، وظلت زهور هذه تدبر أمور المدينة حتى استولى محمد الشيخ الوطاسي على زمام الملك سنة 5 7 8ه، والعريفة بنت خجو التي كانت تقوم بترتيب شؤون البلاط الداخلية في عهد الدولة السعدية، وأمينة بنت خجو الفقيهة العالمة العارفة والمربية بمعاهد بلاد الهبط وبني حسان.
إذن، ما هي جهود المرأة وإسهاماتها في بناء الحضارة بتطوان؟ وما هي المجالات التي برزت فيها بشكل فعال؟ وما هي العوامل التي جعلت المرأة التطوانية تتأثر ببطولات نظيرتها في الأندلس والمغرب؟
عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي
الكاتب: كتاب جماعي
الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)
بريس تطوان
يتبع…