
حميد زيد – كود//
كان الراحل حالة فريدة في المغرب السياسي.
كان مقاوما للاستعمار.
كان منفيا.
كان رجل سياسة يحترمه الجميع.
كان له تقدير لدى الرفاق في اليسار. ولدى اليمين. ولدى الدولة.
كان واضحا في مواقفه.
كان جذريا حين تدعو الضرورة أن يكون المرء جذريا.
كان فاضحا ومدينا للقمع.
كان كاشفا لوجود معتقلات سرية.
كان يشير للمستبد بإصبعه من داخل المؤسسة.
كان يسمي الجلاد باسمه.
كان شجاعا.
كان بسيطا. وعفويا. وعفيفا. ولطيفا. ومتواضعا. ومغربيا يرى فيه كل واحد منا أبا له.
وكان أيضا إصلاحيا حين يتطلب الأمر ذلك.
كان على عكس كثير من رفاقه لا يرى المغرب إما أبيض أو أسود.
كان منفتحا.
كان مستعدا دائما للحوار. و ل”التنازل”.
كان مساهما في وحدة الأحزاب الوطنية التاريخية.
كان مع الكتلة.
كان مع وحدة اليسار.
كان مع تمهيد الطريق إلى الانتقال الديموقراطي.
كان مرنا.
كان لا يقبل المساومة.
كان حرا. ومستقلا. وضد الخضوع.
كان شامخا.
كان حالما بمغرب تسود فيه الحرية والعدالة. وفي الآن نفسه كان واقعيا.
كان منصتا.
كان حكيما.
كان تقدميا على الطريقة المغربية.
كان مبتسما.
كان الرجل الذي يلجأ إليه الجميع.
كان محترما من لدن أشد خصومه.
ولم يخون أحدا. ولم يزايد على أحد. ولم يبحث عن منصب. ولا موقع.
ولم ينحن.
ولم يتلون.
كان في قلب المعركة. وفي قلب الصراع. ولم يتلوث مع ذلك. ولم ينكسر. ولم يستسلم.
ولم يستغل أي وضع ليربح على حساب إخوانه.
ولم يلُمْهُمْ على ما أقدموا عليه.
كان مع التغيير. ومع التقدم. ومع العمل من داخل المؤسسات. ومع الشرعية. ومع مد اليد إلى الدولة.
ولم يصعد إلى الجبل.
ولم يستثمر في ماضيه. ولم يتاجر به. ولم يبق عالقا فيه.
ولم يبتعد كي يظل طاهرا ونقيا.
ولم يكتف برفع الشعار كما فعل كثيرون.
وكانت له قدرة على التقدم في الوقت المناسب. وعلى التراجع في الوقت المناسب.
وكان يفعل ذلك بصمت. ودون صخب.
كان زاهدا.
كان نظيف اليد.
كان هذا الرجل بيننا في المغرب.
كان رمزا حيا.
كان نادرا.
كان صادقا.
كان وجوده بيننا في السنوات الأخيرة محرجا لنا كمغاربة.
ومحرجا للأحزاب وللدولة.
كان غريبا عنا.
كان النظر إليه يفضحنا. ويعرينا. ويكشفنا.
ولما غادرنا الراحل اليوم
كان طبيعيا أن نشعر بكل هذا الفراغ
وبكل هذا القلق من نهاية مرحلة من تاريخ المغرب
وبداية أخرى.
خالية من الأبطال. ومن المقاومين. والمجاهدين. والمنفيين السابقين
ومن الرموز. ومن القادة.
وخالية من أي خطاب
ومن أي مشروع
ومن أي هدف. ومن أي رهان. ومن أي طموح سياسي.
وكم فضحنا الراحل
دولة
وأحزابا
وشعبا
بغيابه.