
حميد زيد – كود//
لا يكون الصحافي اليوم صحافيا مهنيا وناجحا إلا من داخل سيارته.
أما خارجها. فلم تعد الصحافة موجودة.
ولم تعد هناك أخبار.
ولم تعد هناك متابعة. ولا مقروئية. ولا قراء. ولا سكرتير تحرير. ولا إخراج فني.
ولا طبع.
ثم و هو يتقدم في الطريق.
وهو ذاهب إلى وجهته. وهو يقضي أغراضه. وهو مسافر. وهو خارح من منزله. وهو عائد إليه. يخبرنا الصحافي بالجديد من داخل سيارته. وبتفاصيل ملف إيسكوبار الصحراء. و بقصة مرض بودريقة. وبالحقيقة. وببيته الذي تم هدمه. وبدخول دنيا باطمة إلى السجن. وبالحرب على غزة. وبكرة القدم.
كل شيء. كل شيء. يحدث الآن داخل سيارة الصحافي.
ومنها تخرج الأخبار. والروبورتاجات. والتحقيقات. والآراء. والسكوبات. والعواجل. والانفرادات. والردود على الآخرين.
والسيارة الآن هي المكتب. والمقر. وفيها يجلس رئيس التحرير. والمدير. وفيها يشتغل. وفيها يفكر. وفيها يتأمل بنات أفكاره. وفيها يتصل بالمصادر. وبالمسؤولين. وفيها يفضح. وفيها ينور المغاربة. وفيها يمارس مهنة المتاعب.
بينما طاقم هيئة التحرير في مكان آخر.
وقد تكون هي الأخرى غير موجودة.
أو يكون كل عضو من أعضائها داخل سيارته الخاصة. يشتغل. ويبحث عن الأخبار.
ومن الآن فصاعدا. فكل من ليس له سيارة. لا يمكنه أن يكون صحافيا متميزا.
لقد صارت ضرورية.
ومن اللوازم التي يجب شراؤها.
ومع الوقت. ستصبح السيارة من الوثائق المطلوبة توفيرها في طلب الحصول على البطاقة المهنية وتجديدها.
هي ورخصة السياقة طبعا. والتأمين. والفحص التقني. في حالة ما إذا قضى الصحافي خمس سنوات داخل سيارته.
فالنجاح صار مقترنا بها.
ولا تألق الآن إلا من داخل السيارة.
ولا أرباح خارجها.
وكما يوجد الصحافي الإلكتروني. والورقي. فهناك الآن نوع قائم بذاته. هو الصحفي السياراتي. أو الصحفي بمحرك.
ومن له أربعة أحصنة.
ومن له مائة. وألف…..
ومن لا يزال تقليديا. وصحافيا كلاسيكيا. يرفض أن يركب السيارة. و أن يلتقي بمتابعيه وهو يقودها. فلن يعمر طويلا. ومصيره هو الفشل.
وقد بدأ التحول مع الميكرو.
ثم ظهرت سماعات الهاتف. وبعدها البلوتوث.
لتصبح هذه الأدوات كلها هي العدة التي يجب أن تكون داخل سيارة الصحافي الناجح.
بمكتب له عجلات.
وبمقر تحمله معك في الطريق السيار. و يقف معك في الحواجز الأمنية. وفي محطات التزود بالبنزين.
و يمكن أن يحرسه لك حارس السيارات. مقابل درهمين.
ويمكن أن تنزل من مكتبك. و تركنه في مكان ما. لتتفاجأ أن الديباناج حمله إلى مكان مجهول. معرقلا عملك.
وهذا يحصل غالبا للصحافيين المستهدفين والمزعجين.
وهم الذين يكونون أكثر عرضة للغرامات في الطريق. وللتوقيف بسبب مخالفة. أو بدونها.
وحتى الرادارات يتم تحريضها كي تعاقبهم على السرعة.
كما يتم وضع المطبات في طريقهم. كي لا يصلوا إلى الحقيقة. وإلى “المعلومة”.
ومع أن واقع المهنة تبدل.
وأدواتها تبدلت. وسيبوراتها. ووسائلها. ولوازمها. إلا أن بعض المسؤولين عن المواقع مازالوا لم يتبدلوا.
ولا سيارات لهم.
ومنهم من له سيارة. وسائق. لكنه يرفض أن يشتغل داخلها.
ولا أن يوفرها لطاقمه.
بينما لا صحافة الآن خارج السيارة.
ولا مهنة خارجها.
ولا جديد
ولا تألق
ولا ربح
إلا بأن تركب سيارتك وتكشف عن الملفات. و المحاضر. وأن تسرع. قبل أن يلحق بك الزملاء المشاة.
وحتى المصادر الموثوقة.
وحتى الجهات العليمة.
لم تعد تقبل أن تتعامل مع أي صحافي إلا كان داخل سيارته.
وهو يقودها.
وقد كان يشار إلى الصحافي في الماضي بأنه صاحب قلم جريء. أو حاد. أو مزعج. أو يحمل قلما حرا. أو مأجورا.
أما الآن
فقد صار من الممكن أن نشير إلى الصحافي بأنه صاحب مقود سلس. أو شجاع.
وله محرك حر لا يهاب قول الحقيقة.
وصار مقبولا أن نقول الفرامل القوية قبل شجاعة الشجعان.
فنحن نعيش الآن عصرا مهنيا جديدا. غير منفلت. كما يظن الماضويون. والذين يعيشون بالحنين.
و إنما له وسائل اشتغال جديدة.
يتطلب بدوره مراقبة العجلات. وتبديل التريموستا. والبطارية. ورخصة. وتطوير الأداء. و توخي الحذر في الطريق.
و تشغيل المكيف.
كي تمارس أيها الصحافي المهنة على أصولها. من داخل سيارتك. بحرية. وبمسؤولية. و باحترام تام لقانون السير.
ومن يعترض.
ومن يرفض هذا الوقع الجديد والمسرع لممارسة المهنة.
فالسيارات تمر محملة بالسكوبات والأخبار.
بينما الكلاب تنبح.
Laisser un commentaire