سفراء المولى اسماعـيل إلى انـجلـترا.. السفير محمد بن على أبغلي

بريس تطوان

غفل ابن زيدان ومن بعده الأستاذ داود في اسم هذا السفير الذي هو أبغلـي وليس البقولي بحسب النطق الانجليزي الذي ورد في مذكرات “برايت وايت” بسب سوء الترجمة.

وأول مصحح لهذا الاسم هو الأستاذ محمد عزوز حكيم الذي تناوله في كتابه معلمة تطوان حيث وصفه : “من أعيان تطوان” عينه السلطان مولاي إسماعيل سفيرا له مكلفا باقتناء السلاح من إنجلترا (جورج الأول) في شهر رجب 1138 هـ ( 1725). وغير ذلك لم نعرف شيئا عن السفير أبغلي عن مولده ونشأته، عن نشاطه العلمي أو الوظيفي بدائرة السلطان المولى إسماعيل، وكل ما وصلنا من علمه أن الباشا أحمد الريفي هو الذي شر فه بتوليه المهمة التي أرسله فيها، كما أن المؤلف “برايت وايت” وصفه بأنه شخصية لامعة في إنجلترا، وكانت مخصصاته كافية لمصاريفه. وكان يقابل بالاحترام حيثما ذهب، فقد كانت له جا ذبية خاصة لاجتلاب التقديـــر والتعظيم بحيث لا يستطيع أحد الوصول إلى درجته في الأبهة و الفخامة، كما أنه كان يعرف قيمة مركزه، ويشعر بأنه إذا فشل في مهمته يصل إلى حالة من البؤس لا مزيد عليها)).
هذا ما عرفنا به المؤرخ الإنجليزي وهو ما ترجمه عنه حرفيا الفقيه محمد داود وأيضا ابن زيدان صاحب الإتحاف. واستطاع هذا السفير التطواني “الشخصية اللامعة” والوجيهة جـدا أن يلفت إليه الأ نظار الانجليزية.

وكيف لا؟ وقد زود في سفره بالخدم والأعيان والهدايا، ولأول مرة في تاريخ المغرب وفي تاريخ العلاقات المغربية الإنجليزية تصاحب السفير أبغلي فرقة موسيقيـة أندلسية تطوانية أطربت في ذلك الوقت الشعب الإنجليزي وشنفت أسماعه بصداح الموسيقى الأندلسية الأخاذة مما جعل أبغلي كما يقول “برايت وايت” شخصية لامعة في انجلترا، وأناله تشريفا فوق العادة، فكان نجاحه في سفره نجاحا منقطع النظير).

وفي بحث قيم للدكتور عبد الهادي التازي عن السفير محمد بن اعلي أبغلي نشره بمجلة الأكاديمية المغربية لسنة 1986 تناول فيه أسباب تحسين العلاقات المغربية البريطانية على عهد السلطان المولى إسماعيل الذي كان (يخطط بجد لإسترجاع مدينة سبتة من يد مغتصبيها. وكان يرى في إنجلترا الحليفة التي في استطاعة المغرب أن يعتمد عليها سيما وهو يقدم لها مساعدات ثمينة بعد أن احتلت جبل طارق وأمست في حاجة ماسة إلى تزويد الجبل بالماء والغذاء. بذلك نفسر وجود عدد من السفراء المغاربة في لندن ونفسر كذلك وجود عدد من السفراء الإنجليز في المغرب كما نفسر وجود مشاريع عدة للاتفاقيات المزمع إبرامها بين المملكتين المغربية والبريطانية). ويضيف الدكتور عبد الهادي التازي:

(( إن سبتة في منظور القادة المغاربة على مر الزمان وعلى رأسهم المولى اسماعيل لا يمكن أن يحررها إلا من يمتلك الأسطول القوي لأنها شبه جزيرة، و بما أن بريطانيا تتوفر على أسطول، فلتكن للمغرب معها معـاهـدات وعلاقات دبلوماسية طالما أنه أي المغرب ليس له في البحر نصيب.)) ويستطرد:

( أقول: في ذلك الإطار كانت تدخل السفارات التي ترددت على بريطانيا. معظمها كانت محاولات لكسبها وحملها على تحرير سبتة وتسليمها لملاكها الشرعيين).

واستطاع الدكتور التازي أن يطلع على التقارير البريطانية التي وصفت هذا السفير وبدون استثناء بأنه كان في منتهى اللطف في المعاملة، والحصافة في الرأي والتفكير والذوق ويذكرون أنه عندما كان يقوم بزيارة مبنى الاكاديمية البريطانية لم يتردد في إبداء بعض الملاحظات وتقديم بعض الأفكار، الأمر الذي يعبر عن ثقته وإيمانه بجدوى الآراء التي يقترح العمل بها. لقد كان يلقي عددا من الأسئلة على مخاطبیه برهنت على أنه طموح، وأنه ذو عبقرية فذة، وأنه فنان كذلك.) ويشرح الأستاذ التازي مهمة السفير بأنها (كانت على غاية من الأهمية فعلاوة على الموضوع الأساس: موضوع سبتة هناك المواطنون المغاربة اليهود الذين كانوا يعانون في جبل طارق على ما أشرت إليه وهناك إلى جانب هذا مركب كان يحمل بضاعة يمتلكها تجار من تطوان وقد استولت عليها وهي في طريقها إلى المغرب عصابة من القراصنة الانجليز بالرغم من أنه كان يحمل راية بريطانية).

ويذكر: ( أنه يتوفر على لائحة طويلة للسادة المغاربة الذين رافقوا السفير أبغلي. وإن دراسة حيثيات أولائك الرفقاء لتعبر وحدها عن مدى ماوصلت إليه الحضارة المغربية خلال ذلك العهد، فقد كان ضمن أولائك السادة الذين بلغ عددهم نحو العشرين السيد الحاج عبد السلام مفتي السفارة، ومحمد بن عبد السلام كاتب السفارة، والسيد علي الزعيم بصفته محاسبا، وأربعة من الخدم الذين يساعدون السيد السفير علاوة على آخرين كانوا يهتمون فقط بملابسه وآخرين كانوا يهتمون بمطبخه، و أخيرا التراجم الذين كانوا وسطاء بينه وبين المسؤولين الانجليز ومن أهم ما ورد في البحث تعليق التازي على اللوحة الرائعة و الجميلة التي ترسم السفير أبغلي والتي تعطي صورة مدققة لما كان عليه سفراؤنا قبل نحو أربعة قرون في أناقة هندامهم و انسجام ثيابهم علاوة على ما كانوا يتمتعون به من مؤهلات فكرية و رصيد علمي لايقل عن زملائهم في الأوساط الأوربية) ولما زار مقر الأكاديمية البريطانية في لندن ووقف على السجل الذي كان يحمل توقيع الزائرين والمنتمين للأكاديمية، عرف أن الذين ينتسبون للإكاديمية عليهم أن يؤدوا القسم ملتزمين بأن يظلوا مخلصين لأكاديميتهم عاملين على ازدهار البحث العلمي فيها.
وقد حققت سفارة أبغلي كامل نجاحها في المهمة التي كلفت بها كما يبدوواضحا من خلال الهدايا النفيسة والفاخرة التي أغذقها المـلـك الانجليزي جورج الأول عليه وعلى المولى إسماعيل حين عودته إلى المغرب عن طريق جبل طارق وتخصيص إحدى البواخـر “طو رباي” التابعة للأسطول الملكي الانجليزي لنقله إلى هناك، أرسل برفقة القبطان “المرسرجان روسيل” كسفير إلى المغرب يحمل هو الآخر عدة هدايا ورسائل خاصة إلى الملك المغربي، وكان الكاتب القنصل الانجليزي بالمغرب ” برایت وایت” مرفوقا به.

الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…

الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره