
هسبريس – يوسف يعكوبي
من “انفلات الأعصاب” و”فقدان السيطرة على الانفعالات والتصرفات”، مع “تبادل عبارات السبّ والشتم”، وصولا –أحيانا– إلى عنف جسدي في الفضاء العام، تتعدد تمثلات وتمظهُرات ما يعرف في أوساط المغاربة بـ”الترمضينة” التي عادة ما يربطها “الوعي الجمعي” لكثير من المغاربة بأثر “الصوم” أو “الإحساس بالجوع أو الإمساك عن التدخين والأكل”.
ورغم تعدد هذه المظاهر وتجلياتها المختلفة في شهر يُفترض فيه “ارتفاع أسهُم التسامح والصبر والصّفْح” إلاّ أنها عادة ما تُختزل، إجمالا، في زيادة “عدوانية سلوك الفرد” ومنحاه لأن يصير “أكثر عنفاً” و”قابلاً لاشتعال غضبه وانفجار عدوانيته”، حسب ما استقته هسبريس من إفادات مختصين وضعوا الموضوع تحت مجهر التحليل النفسي.
“طبيعة العنف”
“طبيعة العنف عند الإنسان دائماً ما تكون مرتبطة إما بالإحساس بالضعف نحو الذات أو بالعنف تجاه الآخر، أو بالإحساس بالدونية؛ وكل هذه الحقائق النفسية تطرح علينا أكثر من سؤال بالنسبة لما يُنسَب إلى ‘الترمضينة’ في مفهوم المغاربة”، يقول محسن بنزاكور، دكتور مختص في علم النفس الاجتماعي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وتابع بنزاكور، متسائلا في حديث لجريدة هسبريس حول الموضوع: “هل هي ظاهرة لها ارتباط وثيق برمضان؟ وهل هذا الأخير يُفيد العنف بالضرورة أمْ هو مجرد اختفاء من الذين يُحرمون من الأكل أو السيجارة (مثلا) وراء ‘الترمضينة أو القْطْعَة’؟ أم هي مجرد افتراض أنفسهم ضحايا الجوع أو الحرمان من التدخين (une victimisation)…؟”.
وفي محاولة لتكوين عناصر إجابة، أكد الخبير النفسي ذاته أن “الأصل حينما يكون الإنسان عنيفاً بهذا الأسلوب فالأمر لا علاقة له برمضان؛ وإلا فإنّ الفئة التي تتحجَّج به يبدو أنها لم تصل إلى درجة الوعي بأنه ليس فقط شهر الحرمان من الأكل، بل له جانب تسمُو فيها الروحانيات وقيَم الصبر والتضامن والإيثار، فضلا عن بُعدِه التعبّدي (أمر إلهي وركن من أركان الإسلام)”.
وأضاف المتحدث شارحا في السياق نفسه: “إذا غابت هذه المعاني واعتقدَ الناس أن رمضان هو السبب في توليد العنف أو سلوك عدواني فإننا بصدد السقوط، مجددا، في الفشل في الربط بين السبب والنتيجة (أو كما يعبّر عنها عاميّاً بـ”طاحت الصومعة عْلّقُو الحجّام”!)”.
“براءة رمضان”
يمضى أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء مستنتجا أن “الأصل في العنف هو الإنسان نفسُه”، وزاد شارحا: “أيْ إنه في وضعية الصوم الرمضاني ينسى أن للجسد حقّه (عبر الإكثار من السهر وتغير الأنماط الاستهلاكية ما يفضي إلى تغيّر في البنية النفسية والجسدية بما ينعكس سلباً على مزاج الشخص في نهار رمضان)”، مشددا على أن “المسؤولية تقع على السلوك وليس على الشهر الفضيل، لأن الشخص أخذ من رمضان مطية لقلب موازين الجسد وقلب توازناته”.
وعلى المستوى الاجتماعي، يشرح بنزاكور لهسبريس أن “صفات التوتر والانفعال ملازمة لكثير من المغاربة لأبسط الأمور (وأحيانا أتْفَهِها)، مثل مخالفة في قانون السير وعدم احترام طوابير الشراء في السوق؛ وهي الممارسات التي تمثل ذريعة الأشخاص المتحجِّجين بـ’الترمضينة’”.
“الإنسان يكون فاقداً للتحكم في العواطف والانفعالات، وخلال رمضان لا يقع سوى افتضاح أمره؛ وعوَض تحمل مسؤولية تصرفاته فهو يتحجج بالصيام وبالجوع؛ رغم أن الدِّين نهى شرعياً عن الرفث والصخب”، يورد الخبير ذاته، داعيا إلى “عدم الانجرار وراء السّباب وأصحابه كي يثبت أجر الصيام”.
وخلص المتحدث إلى أن “الأصل في الصيام أنه وسيلة لعدم الانفلات من تلك الأخلاق، والاستناد إلى بُعد العصبية والتوتر؛ ما يجعل رمضان بريئا تماما من كل هذه السلوكيات التي تعود للبنية الهشة للأشخاص الذين يتحجّجون بكونهم ‘ضحايا’ لطريقة معينة لتمثُّلِ الشهر الفضيل (عدم انتظام النوم، الأكل المُفرط والشَّرِه والإكثار من السكريات…)”.
تبرير اجتماعي
ينظُر عادل غزالي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية–المحمدية، للموضوع وتفسيراته من زوايا أخرى، مؤكدا أن “الملاحَظ إثارةُ هذه الظاهرة دائمًا في فترة شهر مقدَّس في المعتقد الديني للمسلمين، ولممارسة مجموعة طقوس وعبادات؛ لكنها سرعان ما تتحول إلى ممارسات تأخذ طابعا ثقافيا واجتماعياً؛ وبمعنى آخر يمكن اعتبار ‘الترمضينة’ بمثابة سلوك اجتماعي وثقافي أيضاً”.
وفي شروح بسطها الخبير ذاته متحدثا لجريدة هسبريس، رَفض غزالي بشدة القول الذي يدفَع بفكرة أن “الترمضينة” هي اضطراب نفسي أو مُتلازمة…، موضحا أنها “تتضمن سلوكا فيه نوع من العدوانية وتبادل السب والشتم والكلام القبيح؛ إلّا أن الأمر لا يتعلق باضطرابات نفسية”، وزاد: “ربما هناك نسبة من هذه الفئة تبرز للعلن أكثر مع طقوس رمضان، إلا أنها لا تمثل إلا نسبة ضئيلة في المجمل”.
“عندما نتحدث عن السلوك الاجتماعي يكون هناك معيار اجتماعي (norme sociale) يجعل من بعض السلوكيات مقبولة، مع إعطائها مبرّرات وذرائع معينة (sous-prétexte)”، يشرح أستاذ علم النفس الاجتماعي، مورداً أن “الأمر يظهَر كأننا نُلبِس شهر العبادات وطقوسه تبريرًا لمجموعة سلوكيات مليئة باللامسؤولية وبمنسوب عنف مرتفع”.
غزالي لفت الانتباه إلى “تقاطُع حاصل بين التفسير الاجتماعي وبين التفسير الطبي لموضوع ‘الترمضينة’”، وقال بهذا الخصوص: “مِن المعلوم أن فعل الصيام ترافِقه تغيرات واضحة في أنماط التغذية وعدد من العادات اليومية التي تُشبه الإدمان”.
وبحسب المتحدث ذاته فإنه “فضلا عن عادات الارتباط بين التغذية والتدخين يبقى المشكل الأكثر أهمية هو الاضطراب المرتبط بالنوم، المؤثِّر بيولوجيا وطبياً وعلميًا في السلوك البشري ونوعية المزاج نهارَ رمضان”، راصداً “نوعاً من التطبيع الاجتماعي المتنامي خلال شهر الصيام بين الناس إلى درجة أنه أصبح شبه مقبول لدى البعض أن يتصرف المرء بطريقة ما، مع استخدام ذريعة الإمساك والصوم”.
وختم الخبير النفسي حديثه مع الجريدة داعياً إلى “المواكبة بمزيد من التحسيس والتوعية وتبسيط المفاهيم وشرحها لعامة الناس خلال رمضان” (خاصة في الشق الطبي لعلاقة الجوع والانفعالات السلوكية)، وملحا على “تغيير المعايير الاجتماعية الناظمة”.
Laisser un commentaire