
حاورها: محمد الراجي
“ما بين إشهار وإشهار هناك إشهار”؛ عبارة دأبتْ ألسُن المغاربة الذين يشاهدون “الأعمال التلفزيونية الرمضانية” التي تُبث على القنوات العمومية خلال الشهر الفضيل على ترديدها، منذ سنوات، بكثير من الامتعاض، بسبب استئثار الحصة الزمنية للوصلات الإشهارية بحيز جد كبير من البرمجة التلفزية.
وفي وقت كان الجمهور الذي يتابع ما يتم بثه من سلسلات ومسلسلات و”سيتكومات” يمنّي النفس بتخفيف وطأة “طوفان الإشهار” الذي يجتاح القنوات التلفزية المغربية في رمضان، لُوحظ، خلال الأيام الأولى من رمضان أن مدّة الإشهارات تأبى إلا أن تتمدّد، إذ تستغل القنوات التلفزية فترة الذروة لجنْي أكبر قدر من العائدات المالية، ولو على حساب “أعصاب الجمهور”.
في هذا الحوار مع هسبريس تؤكّد لطيفة أخرباش، رئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وهي الجهة المكلفة بمراقبة هذا المجال، أن الهيئة “تسعى دائما إلى التوفيق بين مبدأ حرية المتعهد الإذاعي والتلفزي، سواء على مستوى خياراته البرمجية أو التحريرية أو الإبداعية، ومبدأ المصلحة الفضلى للمواطن المتلقي”، لافتة إلى أن المؤسسة تسجل بعض التجاوزات في المضامين الإشهارية وسقفها الزمني.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} نص الحوار: تثير كثرة الإشهارات التي تُبث عبر القنوات التلفزيونية العمومية خلال وقت الذروة في رمضان امتعاض المشاهدين. ما موقفُ الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري من هذا الموضوع وكيف تواكبه؟
الفلسفة العامة التي تحكُم عمل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري هي السعي الدائم إلى التوفيق بين مبدأ حرية المتعهد الإذاعي والتلفزي، سواء على مستوى خياراته البرمجية أو التحريرية أو الإبداعية، من جهة، ومبدأ المصلحة الفضلى للمواطن المتلقي، من جهة ثانية؛ وهما مبدآن لهما القيمة المعيارية والأخلاقية نفسها. وعمل الهيئة العليا في مجال تدبير موضوع المضمون الإشهاري، سواء في شقه الكمِّي أو شقه الكيفي، لا يخرج عن الفلسفة العامة ذاتها.
فكما تعلمون الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تتولى طبقا لمقتضيات القانون رقم 11.15 السهر على تقيد الإذاعات والقنوات التلفزية، العمومية والخاصة، بالنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في ميدان الإشهار. في هذا الصدد، من صلاحيات المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري مراقبة الفقرات الإشهارية، وذلك من خلال مستويين اثنين: مستوى المضمون ومدى تقيده بالمقتضيات القانونية الواردة في تعريف الإشهار الممنوع وغير المعلن، وكذا في ما يخص احترام مبادئ أخلاقيةٍ وحقوقية، والمستوى الثاني يتعلق بكيفية برمجة الفقرات الإشهارية.
وفي إطار وظيفتها التقنينية، تسجل الهيئة العليا فعلا بعض التجاوزات، سواء على مستوى المضامين الإشهارية أو على مستوى الأسقف والحدود المسموح بها لإدراج الإشهار كما هو مسطر في دفاتر تحملات الإذاعات والقنوات التلفزية. وبطبيعة الحال هناك مقتضيات خاصة بشهر رمضان، المعني بظاهرة التكديس الإشهاري خلال الفترة الزمنية القصيرة لوقت الإفطار. وقد سبق أن أفضت التجاوزات المسجلة إلى اتخاذ مجموعة من القرارات الزجرية، تراوحت بين توجيه إنذارات، والأمرِ بتوقيف بعض الوصلات، بالإضافة إلى فرض عقوبات مالية تجاه المتعهدين العموميين.
وهنا أود التذكير بمعطى أساسي، وهو أن الهيئة العليا في تدبيرها لموضوع الإشهار في الإعلام السمعي البصري لا تخاطب المعلنين والمستشهرين، بل الخدمات الإذاعية والتلفزية باعتبارها المسؤولة حصرا عن كل ما تبثه، سواء تعلق الأمر بمضمون تحريري أو إشهاري أو غيرهما.
من الناحية القانونية هل هناك نص يحدد المدة الزمنية التي يجب ألا تتجاوزها الحصة المخصصة للإشهارات؟
طبعا الموضوع مؤطر قانونيا وتنظيميا. فالقانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري ينص في مادته 48 على أن من بين الالتزامات التي تحددها دفاتر تحملات الشركات الوطنية للاتصال السمعي البصري العمومي، التي تعدها الحكومة وتصادق عليها الهيئة العليا، كيفيات برمجة المواد الإشهارية والحصة القصوى من الإشهار التي يمكن تقديمها من لدن مستشهر واحد، وكذا شروط رعاية البرامج.
في هذا الإطار، ينص دفترا تحملاتِ كل من الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة صورياد القناة الثانية، المنشوران بالجريدة الرسمية في أكتوبر 2022، على ألا تتجاوز مدة الوصلة الإشهارية في التلفزة كسقف زمني ست (6) دقائق؛ وألا يقل الفاصل الزمني بين وصلتين إشهاريتين تلفزيتين عن (20) عشرين دقيقة كحد أدنى؛ وألا تتجاوز المدة الإجمالية للوصلات الإشهارية خلال ساعة مسترسلة 12 دقيقة بالنسبة لقنوات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة خارج رمضان و14 دقيقة خلال رمضان، و16 دقيقة بالنسبة للقناة الثانية خارج شهر رمضان، و18 دقيقة خلال رمضان.
وفي الخدمات الإذاعية العمومية لا يمكن أن تتجاوز المدة الإجمالية للوصلات الإشهارية (5) خمس دقائق في الساعة كمعدل سنوي و(10) عشر دقائق خلال ساعة معينة. كما يمنع الدفتران أن تتضمن النشرات الإخبارية والبرامج والمجلات الإخبارية ومختلف البرامج المتعلقة بممارسة الحقوق السياسية إشهارا.
أما بالنسبة لشروط الرعاية فباستثناء الإشارة إلى الراعي في المقدمة الإشهارية في بداية و/أو نهاية البرنامج لا يجوز ذكره خلال البرنامج المرعي ولا في سياق الوصلات الإعلانية للبرنامج، إلا إذا كان الأمر آنيا ومستترا وخاضعا لطرق تمييز محددة. ويقصد بالإشارة إلى الراعي بطريقة آنية ومستترة ألا تتعدى مدة كل إشارة إليه (3) ثوان، سواء بالصوت أو الصورة، وألا تقل المدة الفاصلة بين إشارتين عن (6) دقائق؛ على ألا تتعدى الإشارة إلى الراعي (4) مرات في البرنامج الواحد. ولا يسمح أن تتجاوز نسبة البرامج المرعية من طرف الراعي نفسه 10 بالمائة من الشبكة اليومية للبرامج.
سبق للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن أصدرت بلاغا سنة 2019، قالت فيه إنها أصدرت قرارات زجرية بشأن التكديس الإشهاري خلال الفترة الزمنية القصيرة لوقت الإفطار، لكن هذه “الظاهرة” مازالت مستمرة إلى اليوم. ما تقييمكم للقرارات التي أصدرتموها؟ وهل تفكرون في إجراءات تكون أكثر زجرا للمخالفين؟
في الواقع بلاغ المجلس الأعلى الصادر سنة 2019 يمكن اعتباره بلاغا تأسيسيا وليس بلاغا ظرفيا. بمعنى أنه طرح موضوع التجاوزات الزمنية للبرمجة الإشهارية التي عادة ما تسجل في القنوات التلفزية العمومية خلال شهر رمضان في بعدها الشمولي، وليس فقط في علاقتها بالتزامات هذه القنوات خلال شهر رمضان، وذلك تأسيسا لنقاش عمومي أوسع وأعمق حول سبل إرساء نموذج اقتصادي قار ومستدام للإعلام السمعي البصري العمومي، لاسيما في علاقة بالتحولات المتعددة والمتسارعة التي تعرفها المنظومة التواصلية والإعلامية الشمولية.
ووعْيا بالدور الذي تلعبه وسائل الإعلام العمومية، في إطار المصلحة العامة، كمرفق عام يهدف إلى تلبية تطلعات وانتظارات الشرائح الأوسع للجمهور، وترصيدا للتجربة التي راكمتها الهيئة العليا في مجال السهر على إرساء مشهد سمعي بصري تعددي، متنوع، متوازن ومتكامل، واستحضارا للتجارب الدولية في مجال تدبير التوازنات المالية للإعلام العمومي في علاقته بسوق الإشهار، ارتأى المجلس الأعلى في بلاغه الصادر سنة 2019 تعليق إصدار عقوبات مالية إزاء المتعهدين العموميين بخصوص موضوع التجاوزات الزمنية للبرمجة الإشهارية، معتبرا أنه لا يمكن لهذه التجاوزات أن تعالج باعتماد المقاربة الزجرية فقط، بل هي إشكالية تسائل أنماط تمويل الشركات الوطنية للاتصال السمعي البصري العمومي، ونموذجها الاقتصادي؛ إذ إن مستوى ارتهانها بالموارد الإشهارية لا يتوافق وأهمية الالتزامات المرتبطة بمهام الخدمة العمومية المنوطة بها.
ويرى المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن عملية إعادة الهيكلة المقترحة للقطب السمعي البصري العمومي من شأنها أن تشكل الإطار الأنسب لطرح ومناقشة هذه الإشكالية في شموليتها، وحسم الاختيارات التي سيتم تبنيها بخصوص مستوى ارتهان الخدمة العمومية للإعلام بالموارد الإشهارية، لاسيما أن من بين الأهداف المسطرة لعملية إعادة هيكلة القطب العمومي تنزيل توجهات السياسات العمومية والتشريعية الهادفة إلى تأمين تدبير أمثل للموارد ووضع إستراتيجية مساهماتية جديدة للدولة.
Laisser un commentaire