الخط :
A-
A+
يستعد الفنان سعيد أوعطار للمشاركة في معرض فني ببروكسل، يجمع بين عدة فنانين من بلجيكا، هولندا، ألمانيا، فرنسا وإيطاليا، ويقام في منطقة مولنبيك وسيمونيس دي كوكلبرغ.
وفي هذا السياق قال إدريس كثير الناقد والباحث الجمالي إن “المتأمل النّاظر إلى لوحات الفنان سعيد أوعطار تطل عليه دفعة واحدة وجوه عديدة وألوان متدفقة ناصعة توحي بقوة الألوان المميزة لمحبة الطبيعة الإيكولوجية، هي وجوه لا واقعية ولا خيالية تحيل على بينونتهما (أستعير عبارة أبي حيان التوحيدي) أو ما يمكن نعته بالبرزخ الخائلي. تحمل في طيّات تقاسيمها و ملامحها أسرارا ومكنونات، من نوستالجيا وبقايا حلم، وتومئ وتلمع بما مكث فيها أو ظل جاثما أمامها من أزمنةالسديم الغابرة”.

وأوضح كثير أن “الوجه ليس هو القفا. الفرق بينهما كالفرق بين الإقبال والإدبار. الوجه هو “الآخر” الذي “يسكننا بشكل غريب” ويقف منتصبا قبالة آخره و مختلفه وجها لوجه في نفس الآن . ينظر إليه “وجوه يومئد ناظرة إلى ربها ناضرة” و يتكلم معه “و كلّم موسى تكليما” و يسمعه “إنه سميع عليم”و يشمّ رائحته “…قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن يفنّدون”…
وقال “هكذا يكثّف الوجه حالات الإنسان في كليتها فيرمز للاحترام و للصراحة وللإيثار وللصداقة..إنه علامة وأيقونية. الوجه من وجهة أخرى مرآة، مقعّرة أو محدودبة، مكسّرة أو سليمة، صافية أو ضبابية .. تعكس ما في ماهيتها وما يحيط بها … تعكس الخجل والألم، الذهول والدهشة، الوجل والأجل … باطنها هو برّانيتها.

وأشار الباحث الجمالي أن الوجه لدى مالارمي نفس وميلوديا، إنه الأثر القصي للفردانية، القصيدة (هنا اللوحة) ما هي سوى بركة أحلام، فيها يرى المرء وجهه مثل نرجس، فيها يتملّى وجهه، وفي لوحة الأحلام نتأمل الوجوه الخائلية …
وقال كثير “لهذا الغنى في الاندلال اختار الفنان سعيد أوعطار الوجه كأيقونة لنقل أحاسيسه ومشاعره واقتسام تأملاته وانطباعاته، فيها سكب بالفرشاة ألوانه البيئية وضمّنها أسراره وخباياه”.
ألوان إيكولوجية
ومن جهة أخرى أبرز الباث أن السلّم الكروماتي ينبني على أمشاج الألوان الأساسية الستة . وهي ذاتها الألوان التي اعتمدها الفنان سعيد أعطّار في تلوين الوجوه وموتيفاتها. يطغى على هذه الوجوه اللون الأخضر والأصفر لذا يمكن وصفها بالوجوه الإيكولوجية. فهي تسكن بيئة وطبيعة. تقطن سكنا (منه اللوحة) وخطابا ينتج حول اللوحة كتأويل. الإيكولوجيا هي بيو سكن من السكن البيئي الجميل، حيث تنبع الوجوه وتزدهر بالمعاني أو الأصح بما ترمز إليه، لأنها ليست بورتريهات ولا وجوها تشخيصية تتغيا جمال الوجه و نضارته، بقدر ما هي أيقونات وجوه أو استعارة وجوه ( كما وصفها الناقد الفني عبد الله الشيخ). استعارها الفنان ليخبرنا باللون وما إليه من ألوان مجاورة عن صفائها وصدقها وصمتها وصبابتها وصلابتها …هذه الصادات من صدى تكامل الألوان الساخنة (الأصفر و الأحمر)والباردة (الأزرق واللازوردي) ليتحقق الانسجام والعمق. أقصد العمق الإنساني.

وأكد أن هناك إيكولوجيا إنسانية تهتم بالعلاقات البشرية و أنشطتها المختلفة المرتبطة بالبيئة و الطبيعة ، بالأسطقسات الأربعة : الماء و الهواء والنار و التراب. من هذه العناصر تنطلق كل أنطولوجيا تتأمل المحيط و البيئة لكن بالفرشاة واللون.
وقال “هكذا تتتابع الفروقات اللونية و تتناوب الإيقاعات لتقدم لنا فضاء إيكولوجيا بنزعة إنسانية تتراوح بين التشخيص الواقعي وبين التجريد الرمزي .و بينهما بون عميق لا يمكن سبر أغواره إلا بالصبر و التحمل”.
البرزخ الخائلي
أقصد بالخائلي ما ليس خيالا محضا و لا افتراضا خالصا .الخيال تصور واقع لا وجود له و الافتراض احتمال ما قد يقع . لا الخيال و لا الافتراض هو منبع هذه الوجوه.إنها وجوه بين الخيال و الافتراض .” الخائلي ليس وهما و لا استيهاما و لا مجرد احتمال و افتراض مرميا في جوف الممكن .إنه واقعي أو الأصح هو من نظام الواقع” منه الواقع البلاستيكي أساسا .في هذه التخوم البينية تتلون و تتناسخ و تأخذ كل أبعادها التي أرادها لها الفنان سعيد أوعطار. إنها في برزخ خائلي و في بينونة انطباعية تفرض علينا التساؤل : ما سر هذه الوجوه ؟
يبدو أنها لا تحمل سراّ ما في ذاتها .لكنها تحمله كمرآة عاكسة لسرّ أمامها. إنها وجوه تنظر إلى شيء ما مفزع لأنها مفزوعة منه، مذهولة منه ،مندهشة. حجم الذهول و الخوف والخشية يدرك في جحوظ الأعين وفي فراغ الأفواه و في امتقاع الألوان وفي سهود الأجفان. السرّ ينعكس على صفحة الوجوه.
من بداية الكون المهيب السديم إلى الآخر الجحيم ، تتناسخ الأوجه : ثلاثية في واحد ثنائية في آخر و ثالث بأعين ثلاثة …من خلال هذه الوضعيات الامتساخية و هذا التمازج و التداخل للعيون وعبر بياضها إلى بؤبئها تتراءى لنا أمشاج أشياء: منها البدء السرمدي ، هول الفراغ ، الصمت الرهيب …سدوم الزمن الأزلي، سر البداية …ما يزكّي مشروعية الحديث عن السر ليس فقط انفعالات الوجوه وتقلص أو انفراج ملامحها و ردودها الانعكاسية إنما أيضا وأساسا الموتيفات الدقيقة الموجودة في مقل العيون أو تلك المتوارية قليلا على صفحة الوجه و تقاسيمه بله تجاعيده .
أونطولوجيا كاملة تسرد في هذه الصباغة ومن خلال هذه الألوان بلاستيكيا، لا تقال في صياغة مفاهيم وإنما ترسم وتحكى من خلال البصريات والانفعالات و الألوان طبعا هناك لوحات لا تجسيد فيها و لا وجه و لا عين. إنها لوحات تجريدية لكنها لا تخلو من رمزية ألوانها و موتيفاتها لا تشذ عن القاعدة ، فهي الأخرى مسكونة بسؤال الأبدية .
أخيرا إن تضعيف الوجه وجوديا و أونطولوجيا من خلال “الكروما إيكولوجيا ” منح للفنان سعيد أوعطار سبقا تجريبيا فنيا فريدا من نوعه .
Laisser un commentaire