هسبريس – علي بنهرار
ناقش الأكاديميّان البارزان عبد الله ساعف، الأستاذ الباحث ورئيس مركز الدراسات والأبحاث والعلوم السياسية، إلى جانب محمد الطوزي، الأستاذ الباحث في العلوم السياسية والاجتماعية، موضوع الحوار الاجتماعي أمام الصعوبات المطروحة على النقابات في “ترشيد الاحتجاج”، وذلك ضمن ندوة نظمتها وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، ضمن فعاليات الدورة الـ29 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.
ويبدو أن موضوع الحوار الاجتماعي كان يحتاج إلى “تصورات غير رسميّة” بالضرورة، تستطيع أن تكون “خلفية” للفاعل العمومي حين يودّ أن يتكلم عن الشراكة بين الحكومة والتمثيليات الاجتماعية، سواء مركزيا أو قطاعيّا. ولأن الحقوق الاجتماعية تعرف تحديات كثيرة، فقد نبه المتكلمون بحضور وزير التشغيل يونس السكوري إلى ما تعرفه الديناميات المجتمعية من تعبيرات جديدة تستدعي التفاتة جدية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} أسئلة كلاسيكية متجاوزة
الأكاديمي عبد الله ساعف اعتبر أن “الحوار الاجتماعي، ضمن عناصر أخرى، يعدّ مؤسسا للدولة الاجتماعية، التي نسعى إلى ترسيخها في بلدنا؛ ومن هذه الزاوية، ووفق القاموس المغربي فإن الحوار الاجتماعي هو تلك المؤسّسة التي جرى تأسيسها في التسعينيات، واجتمعت فيها المقاولات والعمال والدولة بمؤسساتها”، مضيفا أن “تغييرات كثيرة طرأت داخل الملفات الاجتماعية منذ تلك الفترة، والإشكالية أصبحت أكثر اتساعا وأكثر تعقيدا”.
وأبرز ساعف، وهو يتحدث ضمن ندوة “الحوار الاجتماعي: من أجل مقاربة متجددة لمفهوم الوساطة السياسية”: “اليوم لم يعد ممكنا أن يقتصر الحوار الاجتماعي على الأسئلة الكلاسيكية من قبيل حقوق العمال والأجور والعطل وحوادث الشغل والحماية الاجتماعية”، معللا ذلك بكون “هذه الكتلة من الأسئلة التي تتجدد ويتجدد الحوار حولها أصبح الواقع الاجتماعي يتجاوزها”، وزاد: “الواقع اليوم يستدعي ملفات أكثر شمولية تمسّ المجتمع وتبحث عن تأطير الممارسات الاجتماعية التي تفرض نفسها”.
وفي إشارة إلى التنسيقيات، تحدث الوزير الأسبق أيضا عن التحول الذي طرأ على الفاعلين في هذا الحوار: العمال بتمثيلياتهم والمقاولات تمثيليتهم والحكومة، مشددا على “أهمية أن ينتبه هؤلاء إلى أن الحركات الاجتماعية كبُرت، وكيف يمكن إدماج هؤلاء الوافدين الجدد، لأن الحقل الاجتماعي أصبحت له إشكالات جديدة لم نألفها في ما سبق”، متنقلا للحديث عن نقطة أخرى متعلقة بـ”الحوار ومسألة الوصول إلى مجتمع يتحرك بتوافُقات اجتماعيّة”، وتابع: “هذا لا يمكن أن يكون هدفاً نهائيّا”.

ومرّ ساعف نحو شروط الحوار، التي استهلها بـ”التمثيلية الحقيقية”، مردفا: “من حسن الحظّ لدينا مقاييس تقريبا عالمية، لكن إذا دخل الفاعلون الجدد أو الحركات الاجتماعية أيّة مقاييس سنعتمد؟ وهذا يحتاج إجابة”، منتقلا إلى “ضرورة اعتماد ميكنزمات فعالة للتفاوض وتبادل الآراء حول المشاريع التي يحملها الفاعلون”، وخاتما بـ”ضمان السير العادي المنتظم للجولات، لكونها عرفت خللا طيلة 10 سنوات؛ ويمكن القول إنه كانت هناك لقاءات ولكن لم يكن هناك حوار اجتماعي”.
“أخلقة الحوار”
محمد الطوزي، الأكاديمي وعضو لجنة النموذج التنموي الجديد، قال إن “موضوع النقاش يشكل آلية توجد لها مرجعيّة تاريخية وأيضا دستورية تتمثل في التنصيص على الديمقراطية التشاركية”، مسجلا أنه “بخصوص أدبيات الحوار الاجتماعي يتبين أن المغرب قطع عدة محطات بخصوص شروطه، لاسيما في الأسس والمراجع المؤسساتية التي تؤطر حرية النقابات وحرية التفاعل بين الفاعلين وقضية الشركاء الاجتماعيين”.
وعبّر الطوزي عن تصوره الذي يعتبر أن “الربط بين الحوار الاجتماعي والدولة الاجتماعية يكشف الحاجة إلى توسيع الإطار ليشمل الفاعلين الجدد المنظمين، وليس فقط النقابات”، لافتا إلى “التفكير في المفاهيم المؤطرة للحوار: الشرعية السياسية والشرعية النقابية”، وأضاف: “لا يمكن أن يكون هناك حوار في ظل تغييب الدور المحوري للبرلمان، حيث يوجد الحوار، ودون أخذ القول الحاسم للمعارضة بعين الاعتبار؛ فتطوير الحوار السياسي أولوية قبل المرور للحوار الاجتماعي”.

وشدد أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية على ضرورة “التفكير في شرعية المصالح الفئوية والمصالح الجماعية الخاصة وقضايا الصالح العام، الذي ينبثق من خيارات سياسية واضحة، وهو أخذ شرعية هذه المصالح الفئوية وقدرة الفاعلين على تدبير الضغوطات بالأهمية الكافية”، وتابع شارحا: “في ظل أزمة عالمية للتمثيلية والوساطة، وليس في المغرب فقط، يبدو أن الشركاء الاجتماعيين يجب أن يكونوا أقوياء وأن تتوفر لديهم ضمانات لاحترام الالتزامات؛ فالتجربة التي عاشها المغرب في قطاع التعليم تطرح عدة أسئلة بخصوص قضية التمثيلية والالتزام بالتعهدات”، وهذا، حسبه، يسائل “الثقة في النظام السياسي ككل وما يرسمه من أفق أو اختيارات”.
ومتحدثا عن “أخلقة” الحوار الاجتماعي، أجمل الطوزي كلمته بالتشديد على “خلق خطاب سياسي واضح ومسؤول، مؤطر ببعد أخلاقي، يقوّي الثقة والوضوح في المواقف”، معتبرا أن “كل هذا يدخل في إطار الثقافة السياسية ككل؛ ولكن المدخل الأخلاقي جد مهم ويشمل حتى المحيط: الصحافة وسائل الاتصال؛ وإذا لم يكن هذا المناخ العام الذي يدخل فيه الحوار متوفرا تكون هناك عدة تجاوزات”.
Laisser un commentaire