جاء أكتوبر، الذي قرر مجلس الأمن الدولي أنه موعد لعقد أربع جلسات لمناقشة تطورات قضية الصحراء المغربية، من بينها واحدة لتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة (المينورسو)، وجاءت معه قرارات وبلاغات ولقاءات بين المغرب وروسيا، والتي تثبت أن العلاقات بين البلدين، رغم ظاهرها الذي يؤكد أن هناك تعاونا اقتصاديا وطيدا، إلا أن باطنها يلمح أن هناك “تداخلا” بين مصالح البلدين.
قبيل جلسة التصويت لتجديد بعثة الأمم المتحدة، وفي قرار رحبت به أوكرانيا، صوت المغرب، إلى جانب 142 دولة، من ضمنها حلفائه (أمريكا ودول الخليج)، لفائدة مشروع قرار تقدمت به ألبانيا وأوكرانيا ودول أخرى، ينص على “إدانة تنظيم روسيا استفتاءات مزعومة في مناطق تقع داخل حدود أوكرانيا المعترف بها دوليا، ومحاولة ضم مناطق خيرسون ودونيتسك و زابوريجيا ولوغانسك الأوكرانية بصورة غير مشروعة”.
تصويت المغرب المدين لضم روسيا لمناطق أوكرانية، جعل البعض يتسائل عن إمكانية تصويت روسيا ضد المغرب في الجلسة المقبلة، وتغيير موقفها “الممتنع” عن التصويت العام الماضي، والذي اعتبره الخبير في العلاقات الدولية تاج الدين الحسيني “إيجابيا”.
تعاون اقتصادي.. ولكن
يؤكد تاج الدين الحسيني أهمية روسيا، التي رغم الصراع الدولي القائم، تبقى دولة لها أهميتها الخاصة باعتبارها تتوفر على حق الاعتراض وبوصفها عنصرا أساسيا في اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن الذي يعد الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة.
وأشار المحلل السياسي تاج الدين الحسيني إلى أنه وبغية إدراك الموقف الذي ستتخده روسيا خلال أكتوبر الجاري، فيما يتعلق بقضية الصحراء، وجب مراجعة مواقفها السابقة في حالات تهم القضية وتعزيز ذلك الموقف بإمكانيات التغيير من عدمه.
وشدد في حديثه لجريدة “مدار21” الإلكترونية، على أن روسيا لها علاقات وطيدة مع المغرب، خاصة على المستوى الاقتصادي، وذلك منذ توقيع اتفاقيات ما كان يسمى باتفاقيات القرن، بين المغرب والاتحاد السوفياتي آنذاك، والذي شمل عدة مجالات، كان أبرزها الفوسفاط والصيد البحري، وبسببها دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة من التطور الإيجابي الذي لم يكن منتظرا من دولة كالاتحاد السوفياتي تناصب العداء للنظام الرأسمالي.
واعتبر الحسيني أن زيارة العاهل المغربي إلى روسيا خلال 2016، كان لها دور مهم في سلوك منعطف مهم في هذه العلاقات، حيث وقع المغرب ولأول مرة مع روسيا اتفاقيات تهم التعاون الاستراتيجي الذي تكون له أبعاد جد مهمة في عدة مجالات، خاصة على المستوى الاقتصادي وحتى على مستوى الدبلوماسية الروحية في تكوين الأئمة وعلى مستوى التعاون الثنائي من أجل وصول روسيا إلى قلب إفريقيا.
وسجل المتحدث أن المغرب كان ينتظر من هذه العلاقات الجديدة مزيدا من النقط الإيجابية، “لكن يظهر واضحا أن عقلية الرئيس الحالي فلاديمير بوتين قد تعطي أولوية في كثير من الأحيان للعامل الإيديولوجي بالأساس، رغم أن روسيا انتقلت من مرحلة الإديولوجية الشيوعية إلى مرحلة جديدة تتميز بالتمحور في مركز مهم ضمن توازن القوى العالمية”.
وأردف في حديثه للجريدة “روسيا ورغم تراجع مساحتها عن ما كان في الماضي وانفلات العديد من بلدان أوروبا الشرقية من ربقتها ودخولها للمعسكر الرأسمالي، إلا أن طموحات بوتين أصبحت تتنامى بشكل سريع خاصة حينما نجح في 2014 في استرجاع شبه جزيرة القرم وضمنها إلى روسيا”.
وقال إن رغبة روسيا في ضم مساحة من الجانب الشرقي من أوكرانيا بطريقة جديدة، وهي تنظيم استفتاء لتقرير المصير بالنسبة للأقاليم الأربعة، وإصدار بيان رسمي بضمها نهائيا إلى البلاد، يعطي للوضعية في المنطقة شكلا جديدا بكل تأكيد.
روسيا بين الجزائر والمغرب.. “توازن” مختل
واستبعد المحلل السياسي تغيير روسيا لموقفها من دعم الجزائر إلى التماهي مع المغرب ومواقفه في قضية الصحراء، مبرزا في الوقت نفسه أنه وخلال التصويت على القرار 2602 العام الفارط، والذي كان قرار مهما، امتنعت روسيا عن التصويت ضد مصالح المغرب، وهو ما يمكن اعتباره نوعا من الحياد الإيجابي.
وأضاف موضحا “لو أرادت الجزائر اتخاذ موقف ضد المملكة، لسارعت إلى الرفض أو استعمال الفيتو فيما يخص صدور القرار، ولكن موقفها بعدم التصويت بحد ذاته موقف متوازن بالنظر إلى تحالفاتها الأساسية مع الجزائر والتي تظهر من خلال اعتماد الجزائر على 90 في المائة من الأسلحة الروسية”.
ورغم أن المغرب لا يشتري أسلحة بشكل مؤكد من طرف روسيا بقدر ما تشتري الجزائر، لكن له علاقات اقتصادية جيدة في الميادين التقليدية والمعروفة (الحوامض والفوسفاط واتفاقيات الصيد)، وهو ما تؤكده أرقام صادرة عن مؤسسات روسية.
وكشفت الخدمة الاتحادية للرقابة البيطرية والصحية النباتية المعروفة اختصارا بـ”Rosselkhoznadzor”، أن صادرات المغرب من الخضراوات والفواكه لروسيا ارتفت بما يقارب النصف في سبع الأشهر الأولى من سنة 2022، مشيرة أن البلاد استوردت من فاتح يناير إلى متم يوليوز الفارط من السنة الجارية 5.1 مليون طن من للفواكه والخضراوات من دول “متعاونة” على رأسها المغرب.
وفي هذا الصدد، قال الحسيني، إن هذا النوع من العلاقات الطيبة في المجال الاقتصادي لا يمكن أن يترجم على مستوى المواقف الاستراتيجية، فيما يتعلق بقضية الصحراء.
ويعتقد الخبير في العلاقات الدولية أن روسيا خلال المرحلة الراهنة التي تهم اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن، ستحافظ على نفس موقفها السابق رغم أن المغرب وخلال بداية الحرب الروسية الأوكرانية كان جد حذر من دعم مواقف إدانة “بل اتحذ مواقف تكاد تكون مناهضة لتحالفاته مع الولايات المتحدة، وذلك عندما قرر خلال الجمعية العامة أن لا يشارك في إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا”.
هذا الموقف من طرف المغرب حُسب له وجعله يصنف ضمن البلدان الصديقة لروسيا، وذلك رغم التباعد الإيديولوجي والاستراتيجي، لكن الحسيني يعتبر أن روسيا لن تتمكن من أخذ موقف صريح داعم للمصالح المغربية، نظرا لرغبتها في الحفاظ على تحالفاتها، وخاصة مع الجزائر.
وقال الحسيني إن ما يلزم روسيا لتغيير موقفها اتجاه مغربية الصحراء، هو التغيير على مستوى القيادة، وبالأساس بوتين، المعروفة بصرامة مواقفه، فهو ابن مدرسة المخابرات الروسية، والتي كان رئيسا لها، معللا ذلك بتعطش بوتين للسلطة ورغبته في البقاء في الحكم.
وتوقع المتحدث استمرار التحالفات الأساسية التي تربط روسيا مع دول معينة على حالها، مادام هذا النظام قائما، حيث أن له أولويات ومناهج للتعامل مع الأطراف.
تصويت 12 أكتوبر.. الهروب من التناقض
وبخصوص تأثير تصويت المغرب ضد ضم روسيا أمس الخميس 13 أكتوبر على العلاقات المغربية الروسية، وخاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، قال نوفل بوعمري، المختص في شؤون الصحراء، إن التصويت ضد ضم روسيا للأقاليم الأربعة منسجم مع مواقفه السابقة.
وأضاف الباحث أن المغرب ومنذ الأزمة الروسية الأوكرانية اتخذ موقف الحياد الإيجابي من هذه الحرب التي اتخذت طابعا دوليا بسبب تحولها لحرب غير مباشرة بين الغرب و روسيا، بحيث ان المغرب سبق له أن امتنع عن التصويت في عدة مناسبات سواء بمجلس الأمن أو بمجلس حقوق الإنسان ضد قرارات و توصيات تدين روسيا بشكل مباشر و تطالب بفرض عقوبات اقتصادية عليها.
كما أوضح في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن المغرب ظل يؤكد أنه ضد ضم أية أراضي أوكرانية لروسيا و يطالب هذه الأخيرة باحترام وحدة وسيادة أوكرانيا على كامل ترابها وهو موقف ثابت للمغرب ظل يعبر عنه سواء في هذا النزاع أو في غيره من النزاعات، مما يجعل من تصويته على قرار إدامة ضم أراضي أوكرانية لروسيا منسجما مع ما ظل يعبر عنه من مواقف في هذا الجانب، أي احترام وحدة أوكرانيا و لم يغير موقفه بشكل كامل من هذه الحرب إذ ظل يطالب بحلها عن طريق الحوار و إعمال الآليات التي قد تفضي لتحقيق السلام.
واسشتهد المحلل السياسي، باستقبال سفير المغرب بروسيا من طرف نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين قبيل ساعات من تصويت يوم أمس الأربعاء، حيث أشار موقع وزارة الخارجية لهذا الاستقبال ببيان شرح فيه المواضيع التي نوقشت بين الجانبين، منها ما يتعلق بمجلس الأمن في ادإشارة لسة اليوم، ولم تحمل أي موقف روسي سلبي ضد المغرب، كما أشار لتناول الطرفين ملف الصحراء دون أن يحمل أية مواقف سلبية اتجاه السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.
وقال إن بيان الخارجية الروسية يعكس تفهما للموقف المغربي، خاصة أنه موقف غير موجه ضد روسيا كدولة، “بل هو إعلان لموقف مبدئي ظل المغرب يعبر عنه منذ بداية هذه الحرب وكان المغرب سيظهر بمظهر المُتناقض إذا لم صوت لصالح القرار”.
وتابع الخبير المغربي :”السؤال الذي يجب أن يطرح هو على الجانب الجزائري، فالدولة الجزائرية منذ مدة و هي تعلن عن انحيازها لروسيا و تعتبر نفسها هي الامتداد للمحور الروسي في شمال أفريقيا، و مع ذلك لم تصوت ضد القرار بل صوتت بالامتناع في موقف يعكس “انتهازية” دبلوماسية و سياسية للنظام الجزائري و عدم قدرته على ترجمة المواقف التي يعلن عنها من هذا النزاع ومن العديد من النزاعات”.