
هسبريس – علي بنهرار
لم تكن “لحظة النحر” ولا “الطقوس الغذائية” التي تلي صبيحة الأضحى لمدة أسبوع على الأقل “حدثاً عاديّا” بالنسبة لشريحة واسعة من النباتيين المغاربة، الذين لا يشكل لهم اللحم، الطبق الرئيس، أي “إغراء غذائي”؛ فأسبوع “ما بعد الأضحى” يرتبط، في تصوّرهم، بعمليّة تكثيف “خطيرة” في استهلاك اللحوم الحمراء، بعد نحر أزيد من 5 ملايين رأس في المغرب، ما تعتبره هذه الشريحة التي تنتصر لنمط غذائي مختلف “عملية أليمة”.
ورغم أن جزءا كبيراً من النباتيين أكدوا لهسبريس أنهم يتفهّمون “الحساسيّة الأخلاقية والبعد العقدي وأيضاً الاجتماعي في إحياء سنّة مؤكدة من قبيل هذا العيد”، فهم لا ينكرون أن “أجواءه مع مشاهد الدماء فيه وثؤاج الأغنام قبل ذبحها وسلخها” تشكل “شعوراً مقيتاً لا يمثل أي تحامل تجاه معتقدات الناس، بيد أنه يُخفق في التعايش معها”؛ ولذلك، يفضل الشخص النباتي أن “يسافر خلال العيد وما بعده حتى تنتهي كافة الطقوس”.
“صدمة كبيرة”
محمد بوحقاوي، الرئيس المشارك في تأسيس الجمعية الوطنية لنباتيي المغرب، لم يتطلب منه الأمر كثيرا ليقول إن “أجواء العيد صعبة بالنسبة لأي نباتي لديه نمط غذائي يطلّق كل وجبة يدخل اللحم في تكوينها الأساسي أو يكون هو مبتداها ومنتهاها، مثلما يحدث خلال العيد”، مشددا على أن “النباتيين المغاربة غالبا ما يلجؤون خلال صبيحة العيد إلى الفضاءات الطبيعية ويمارسون طقوس العيد نفسها، لكن بشكل نباتي، كأسياخ متكونة من الخضر”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وأورد بوحقاوي، في تصريحه لهسبريس، أن جزءا مهما من هذه الشريحة في المغرب “يفضلون أيضا في هذه المناسبة حيث يكون الإقبال على اللحم كثيفا تناول بعض السَّلطات المغربية، كـ’زعلوك’ أو ‘التكتوكة’، دون أي اقتراب من اللحم نهائيا”، وتابع: “تمسكهم بهذا النمط طيلة أسبوع كامل تختار فيه أسرهم أن تنظر إلى اللحوم بالكثير من النفعية الغذائية لا غبار عليه؛ رغم أن هناك اليوم عائلات مغربيّة نباتية بالكامل وليس فقط أفراد ضمنها”.
وأكد النباتي المغربي أن “صبيحة الذبح تكون صعبة للغاية بالنسبة لغالبية النباتيين؛ وعدد الرؤوس التي يتم نحرها في صبيحة واحدة لا تقلّ من حيث حدة صدمتها عن بقية أيام السنة، لأن المغاربة يعتبرون مجتمعا مستهلكا للحوم بامتياز، رغم أنها مضرة بالصحة”، مسجلا أن هذا المعطى كان يجعل في السابق الثقافة النباتية “أمرا غريباً” في المغرب، قبل أن تُبذل جهود تواصلية وتوعوية كبيرة من طرف النباتيين بينت أن هذا النمط هو نوع من “الخلاص” بالنسبة للعديد من الكائنات.
وأورد المتحدث، الذي كان ضمن فريق من المتطوعين يوزعون وجبات طعام نباتية مجانية بالمغرب لنشر هذه الثقافة الغذائية التي تشكل “أفقا بيئيا كونيا يواجه تحديات كثيرة”، أن “التقليل من هذه الطقوسية القاسية على قلب أي نباتي كان ممكنا بالنظر إلى ما أوصى به الفقيه أحمد الريسوني هذه السنة، بخصوص إمكانية التبرع بثمن الأضحية تضامنا مع سكان غزة”، خالصا إلى القول إن “الاستجابة كانت ستخفّف من هول ما يحدث للأغنام من تنكيل”.
“مشّقات عديدة”
فاطمة الزهراء الريطب، نباتية مغربية، لفتت إلى أن النباتية كانت تعتبر نوعا من “الفشوش” عند الكثير من الناس خلال هذه الفترة من العيد، التي يرتفع فيها منسوب التهام اللحوم، مؤكدة أنها لم تكن نباتية في الأصل، بل مع الوقت اتضح لها أنها غير مهتمّة بتناول اللحوم، فتشرّبتْ من ثقافة النباتيين “كحركة كونيّة تراعي حماية التنوع البيولوجي في الكوكب، من خلال البحث والتنقيب”.
ولم تنكر الريطب، ضمن حديث إلى هسبريس، “العطف الكبير والرحمة الفيّاضة” التي تشعر بها تجاه الحيوانات التي تكون “وجبة لذيذة للناس خلال هذه المناسبة”، مؤكدة أنها تنتصر لحق هذه الكائنات التي تُنحر في الحياة باعتبارها تؤثّث الوجود الإنساني، وزادت: “عائلتي تتفهم موقفي هذا، ولذلك أغيب عن الكثير من الأجواء، لأنني لا أحبذ الدماء وما يرتبط بها بصريا. أختار طقوساَ خاصّة من قبيل المطالعة وغيرها”.
وعن البدائل التي تقدّم “خزاناً محدوداً” بالنسبة للنباتيين المغاربة كشفت المتحدثة أنها في هذه الأيام تتناول “طواجين” من الخضر، بالإضافة إلى مأكولات نباتية أخرى غنية وصحية تضمن ما يحتاجه الجسد من بروتينات وغيرها، مسجلة أنها تقترح كل سنة على عائلتها أن “تتصدق بسعر الأضحية حفاظاً على الأجر والثواب المرتبط بها كشعيرة دينيّة خالصة”؛ لكن مقترحاتها كانت غالبا ما تُقابلُ بـ”الرفض”.
وبدون الانخراط في أي “هجوم” على سنة مؤكدة تنطوي على “خصوصية روحية عالية لدى المغاربة المسلمين”، تسجّل المتحدثة أن “تصورنا للعيد يحتاج إعادة النظر”، مبرزة أن “النباتية تحمل حلاّ، لكنها تبقى خيارا يحتاج المزيد من جهود الترويج والتحسيس”، وختمت بالقول: “إن اختياراتنا الغذائية لديها تأثيرات على نظامنا الصحي عموما، وإجراء تحديثات على نمطنا الغذائي نحو أفق إيجابي يضمن استمرارنا ويحمي كوكبنا”.