بريس تطوان
وإذا كان المجتمع الرجالي بتطوان قد صال وجال في مجال الفن بمختلف مظاهره، فإن المجتمع النسوي فيها، لا يقل عنه تذوقا وأداء وإبداعا، فالمرأة التطوانية فنانة في بيتها، تعشق “التاويل”، بمعنى العناية بالنظافة وحسن الترتيب والتنسيق والتنظيم، مع رعاية الذوق الحسن والتناسق بين الأشياء في ألوانها وفي أحجامها وفي أشكالها…، فهي الشديدة العناية بمظهرها الشخصي، في لباسها وفي زينتها وفي مظهرها أمام الناس…، وهي العاشقة للطبيعة، التي ورثت عن أجدادها حب الزهور بأنواعها، فأصبحت مولعة بغرس ورعاية أصص الورود والياسمين والقرنفل والزين والفل والسوسان والحبق…، وهي المبدعة لفن العروبيات(1) الذي تكون الأغراس والجنانات مرتعا للتباري فيه بينها وبين رفيقاتها من الصبايا والغانيات، حيث يطلقن العنان لقرائحهن، فتنشد الواحدة منهن “عروبيا” وهي تتأرجح على الأرجوحة، بينما تغازل ريح الصبا أطراف ثيابها وجدائل ضفائرها أو أهداب مناديلها…، فترد عليها رفيقتها ب”عروبي” آخر من إبداعها ومن وحي سحر المكان والزمان …
وهي البارعة في فن الخياطة والطرز الجميل، تطرز المناديل والوسائد والحشايا والأفرشة….، وتزخرف ثيابها وألبستها بشغل القيطان والترسان الرقيق، وبطرز الآلة أو اليد على مختلف أشكاله وأنواعه . . .
يتميز الطرز التطواني عن غيره بالتنوع والإتقان والدقة، ذلك لأنه نظرا لتنوع الحضارات التي ساهمت في تكوين سكان تطوان، وتنوع العناصر البشرية التي كونت المجتمع التطواني، والتي ترجع أصولها إلى أصل أندلسي وجزائري وفاسي وريفي وجبلي … إلخ. فإن المرأة التطوانية قد تفننت في هذا الفن الموروث عن كل تلك المنابع الحضارية، وأضفت عليه طابعها الخاص الذي جعله يكتسي صبغة ذات سمات متميزة، هي التي عرفت فيما بعد بالطرز التطواني الأصيل.
فمن أنواع الطرز الرفيع والجميل المعروف بتطوان:
– طرز التعجيرة
– طرز الغرزة (المعروفة بالفاسية)
– طرز الحساب (المعروف بالرباطي)
– طرز الرشام
– طرز الماكينة
– غرزة الرندة
– شغل الملف
طرز التعجيرة: يستعمل خاصة لفراش الناموسية والوسائد (المخايد والسطارم)، وقد يستعمل لبعض الستائر الخاصة بالنوافذ وغيرها. ويتميز بكونه يقع دائما على نوع من القماش الحريري الأصفر، ويكون هذا الطرز على هيئة رسوم زهرية وهندسية، وبواسطة الحرير الخالص ذي الألوان الزاهية المتنوعة، ما بين أحمر وأخضر وأزرق وأصفر وبنفسجي ووردي … إلخ.
طرز الغرزة: ويعنون بذلك الغرزة المعروفة بالفاسية الأصل، إلا أن الغرزة التطوانية تتميز عن الفاسية بدقتها ورقتها، حيث يؤخذ فيها عدد أقل من الخيوط التي تؤخذ في الغرزة الفاسية. وتستعمل هذه الغرزة في الأزر والمناديل (السباني) وغيرها، وفي بعض الأفرشة مثل (السطارم والمخايد). وتمتاز هذه الغرزة بكونها ذات صنائع كثيرة مضبوطة ومعروفة بأسماء معينة، وهي صنائع تتفاوت حجما وقيمة وإمكانية إنجاز، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الطريحة (الكبيرة والصغيرة)، الوردة، القلب والجوارح، الشريف (الكبير والصغير)، النزول، الياسمينة … إلخ.
طرز الحساب: ويعتمد في هذا الطرز على حساب الخيوط الدقيقة، مكونا مثلثات متتالية أو أشكالا متوازية الأضلاع، أو غيرها من الأشكال الهندسية القائمة على التساوي في خط مستقيم، وذلك بواسطة الحرير الخالص ذي الألوان الباهتة كالأبيض والرمادي الفاتح والأصفر الباهت. ويكون هذا النوع من الطرز في الأزر خاصة، وخاصة في إزار الناموسية، حيث تتدلى أطرافه تحت التعجيرة، فلا يبدو منه إلا القسم الذي يزين بهذا الطرز ثم بالرندة.
وبالإضافة إلى هذا النوع من الطرز، هناك الطرز الرومي الذي يعتمد بدوره على حساب الخيوط، وقد تفشى هذا النوع من الطرز بين النساء التطوانيات، وذلك بعد اختلاطهن بالمرأة الأوربية في فترة الحماية الإسبانية، حيث تعلمت منها طرز المفارش والثياب والمناديل وغيرها مما أبدعت فيه وتفننت.
طرز الرشام : ويكون بواسطة الحرير الخالص الذي يطرز به على رسوم خاصة قد تم رسمها على الثوب بواسطة القلم، وغالبا ما تكون هذه الرسوم عبارة عن أوراق وزهور وأقواس وغيرها.
ويستعمل هذا الطرز في ألبسة النساء، وفي أسفل السراويل والفوط وبنيقات الحمام (وهيمناديل على هيئة مثلثات خاصة بالرأس، تضعها المرأة بعد خروجها من الحمام)، كما يوضع في تُكات السراويل (الشرائط التي يشد بها سراويل المرأة، وتتدلى أطرافها المطروزة بهذه الغرزة). وكما يستعمل في الشرابيل، حيث كانت النساء يطرزن واجهتها الجلدية بالحرير أو بخيوط ذهبية، كما كن يطرزن به الأحزمة الخاصة بهن (المضايم).
طرز الماكينة: يعتبر هذا النوع من أحدث أنواع الطرز بتطوان، حيث لم تولع به المرأة التطوانية إلا بعد وصول الآلة الخاصة به، وذلك بعد فرض الحماية الإسبانية على هذه المنطقة في أوائل القرن العشرين الميلادي.
وقد برعت السيدة التطوانية في هذا النوع من الطرز، حيث إنها وظفته في زخرفة الوسائد (المخايد والسطارم) التي زينت بها واجهة الغرفة الرئيسية في منزلها، كما وظفته في تزيين لباسها (القفاطين والدفائن والألبسة الأوربية، والمناديل التي تستعملها للثام مع الجلباب، وكذا مناديل اليد الصغيرة)، وزينت به مختلف الأشياء التي تستعملها في بيتها من أزر وأغطية للموائد وفوط وخرق للمطبخ وغيرها.
غرزة الرندة: هذه الغرزة معروفة بدقتها واناقتها، وقديما كانت تستعمل في أعناق الأقمصة وحواشيها، وفي الأطواق، وفي السراويل والثياب الخفيفة الداخلية. ومن أهم ما كان يطرز بها قديما، الإزار الخاص بالناموسية. أما حديثا، فصارت تستعمل بكثرة في تزيين الجلاليب والألبسة التقليدية (التكاشط).
شغل الملف: من المعروف أن شغل الملف كان في القديم محصورا على عمل النساء دون الرجال، وذلك سواء في ملابس الرجال أو النساء، فكانت النساء يخطن القفاطين والبداعي وغيرها، ويزخرفنها بالقيطان والترسان والحوتة والماروجي والضبليات بالرأس أو بدون رأس، وكن يوشين صدر القفطان والجبادور والدامي وغيره بزخارف جميلة تحمل أسماء معينة مثل الخنجر والبورية، كما كن يوشين البداعي الخاصة بالرجال بما يعرف بالزوينة، والفرجيات بالسفيفة.
العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية
ذ. حسناء محمد داود
منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة
(بريس تطوان)
يتبع…