مصطفى البختي
تعرف وسائل التواصل الاجتماعي انتشارا للتشبع بالفكر الإستئصالي، ورفض الآخر المخالف للتوجه والأفكار، والتهجم عليه بأحكام مسبقة جاهزة، حسب اتجاه ونوع هذا الفكر ومجموعته، مع محاولة تشكيل مجموعات وتكتلات للتناحر الفكري والتضاد الافتراضي.
هذا الفكر الإستئصالي كأفكار متطرفة هو منظومة شمولية متسلطة ومغلقة، يبنى على مجموعة من المُعتقدات والمشاعر المتمسك بها كقيم؛ والأفكار المتناقضة كمفاهيم للمراوغة لتضاربها فكريا. وهو فكر يتم معتنقه تفسيره من خلال ما يدور حوله، كأفكار تجسد شعوره الوجودي، كمعتقدات وأفكار طبيعية وحقيقية كجزء من مجموعة أفكار يؤمن بها، ترفض الاعتراف بالعجز في واقع اجتماعي تاريخي بمؤسسات وتقاليد وعادات وأعراف؛ رغم اقتناعه أن منبع معتقداتها خاطئ أو مجرد ميتافيزيقا الوهم، لا علاقة لها بالواقع وفهم الأحداث الواقعية، ولا تتوافق مع العمليات العقلية لأفراد المجتمع.
لكن الفكر الإستئصالي كعقيدة متحجرة لتزييف الحقائق، وتخريب الوعي، تفقد أيّ مرونة ممكنة لفهم الوقائع، حيث يسعى بناءً على مجموعة تصورات خالية من المعنى الواقعي والوظيفة العملية، الانخراط في أحداث وتفاعلات يعرفها السياق الاجتماعي؛ لم يفهم أسباب ابتعاده عنه، في انقلاب اجتماعي ذاتي، لتشكيل فيلق إما إيديولوجي أوقومي أو عرقي أو قبلي، مضاد للطبقة المهيمنة التي تمثل القوة المادية والفكرية الحاكمة في المجتمع، بعقلية منغلقة ووعي زائف، بتبنى أفكار لها قيوداً تكبّل العقل، بحيث لا يستطيع أن يرى الواقع إلا من خلال هذه الأفكار كحقيقة مطلقة، وقيم تعتنقها جماعته وتؤثر في فكرها، وتناصب العداء لكل فكر يخالفها.
فيتحول هذا الفكر الإستئصالي لإيديولوجيا تتجاوز الحالة الإنسانية الفردية والمجتمعية، يفقد فيها الفكر الذي يسعى باستمرار إلى البحث عن الحقيقة، تأثيره الفعّال في خلق استمرارية الإبداع لتغيير الواقع.
ليطرح مسألة التغيير الثقافي، بالتشكيك في البيانات الأساسية والأعراف الإجتماعية أو التشكيك في مصداقية المعتقد، بطرح تبريرات غير متسقة تحدث تنافرًا بين معتنقيه من جهة ومع المجتمع من جهة أخرى؛ لكون أطروحة معتقداته وأفكاره مشكوكة الثقة، فتفقد العلاقة التلقائية الاتساق والتجانس بين الحدث (الأطروحة/الفكر الاستئصالي) والتغيير (التنافر أو الانحراف/ هدف الفكر الاستئصالي). الذي يتصدى له الفرد والمجتمع الرافض لظاهرة التنافر والانحراف.
في محاولة تقود إلى ممارسة سلوك عنيف وعدواني ضد المختلفين في الرأي والاتجاه، لإعادة تشكيل منظومة تفكير غير مألوفة في السلوك الاجتماعي والسياسي، كعمل سياسي واجتماعي له تصورات وأفكار ومعتقدات مشتركة، إما لأمة معينة أو طبقة معينة أو فئة اجتماعيّة معينة أو طائفة دينية أو عرقية أو تنظيم سياسيّ، تجمعها شروط اجتماعيّة وعادات وتقاليد تميزها عن الواقع المحيط.
وذلك بتزييف الوعي الجمعي، انطلاقا من أوضاع اجتماعية خاصة لتبرير هذه الأفكار الاستئصالية، برسم خيالات لقلب الحقائق لخدمة مصالحها، التي تهدف إيجاد أي سبيل للتفرقة بين الإنتماءات العرقية والدينية والحضارية، وفق منهجية الإقصاء التعسفي للآخر، بهدف ضرب الوحدة الوطنية والعيش المشترك والتعايش السلمي والإنصهار الإجتماعي والبعد الثقافي لنظم الاعتقاد بين مكونات المجتمع وروافده؛ كمشروع استئصالي شوفيني ممنهج لتفرقة مقومات النسيج المجتمعي الموحد بقيمه وتقاليده ومعتقداته وبكافة أطيافه وانتماءاته.

وتدفع متبني هذا الفكر الإستئصالي إلى تحجر فكري لا يهدف إلى إجراء التغيير وتحقيق المزيد من العدالة والإنسانية في المجتمع بقدر اندفاعه في سبيل الدفاع عن عقيدته وإثبات صحتها، للآخر الذي يتعذر التواصل والتفاهم معه، بحيث تصبح عنده هذه الأفكار ايديولوجية أهم من العلاقة مع الآخر.
ويجد الاستئصالي، سواء القومي أو العرقي أو العلماني بمغالطاته المفاهيمية وثنائياته الزائفة، أو التكفيري أو الإسلاموي الذي يوظّف طاقته الأيديولوجية في التحريض والتعبئة من أجل الفوضى وعدم استقرار … ، في نهجه الاقصائي كقاعدة رافضة للآخر، نفسه رغمًا عنه في موقف أزمة، ويصطدم بالواقع السيكولوجي الذي لا يسيطر عليه. وينشأ التنافر الذي يسبب توترًا في سلسلة الأنفس التي تشكل هويته، مما يدفعه للانخراط في دورة استطلاعية جديدة بغية تقليل الشكوك التي يثيرها.
إذ يمكن لتجربته الذهنية غير المتسقة والمنتافرة الأفكار كأحداث ذهنية، التي قد تعرّض القيم الثقافية المشتركة في النسيج الاجتماعي، المتمسك بخصوصيته وهويته، كعملية اجتماعية ذات بعد تاريخي للكينونة الوطنية، باعتبارها سببًا وجيهًا للالتزام بقواعد اللعبة، للمخاطر، لكونها تشارك في تكوين فجوة أكبر بين الواقع الاجتماعي القائم من ناحية، والواقع الفردي، والصور الذهنية، والمنطق لكل فرد من ناحية أخرى. أن تحفز التنافر المعرفي، بحيث تظهر فجوة بين ما تفرضه الأيديولوجيا الشائعة وبين المثل العليا التي تظهر للفرد عدم وجود صلات مباشرة بين الأحداث وبين التنافر المعرفي نتاج أنشطة الاستئصالي.
هذا الفكر الإستئصالي كإيديولوجيا شائعة، وليست الأيديولوجيا كمظهر من مظاهر التنظيم السياسي، والمرتبطة بالأفكار والقيم والمعتقدات المشتركة، وفقاً للظروف التي مرّ بها مجتمع ما؛ هو في الأصل فكر وهمي بوعي زائف للذات تحول إلى عقيدة، في ظل أشكال ثقافية متناسخة ومتماثلة ومتطابقة في الكثير من الأحيان مع النظام السياسي القائم، في مقابل أشكال عقائدية أكثر صدامية التي قد تتخذ إمكانية شرعنة فاعلية العنف في إرساء مبادئ الواقعية السياسية، على أساس أن القتل الأيديولوجي وسيلة للنضال من وجهة نظر الفكر الإستئصالي الذي يحن إلى الماضي لعزل الجماهير عن الواقع.
Laisser un commentaire