اليوسفي علوي: إخفاق الإسلاميين ليس النهاية .. والتحلل يطال اللائكية الفرنسية

Écrit par

dans


حاوره: علي بنهرار

تابعنا في الجزء الأول من هذا الحوار تفكيك المحاضر أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الدولية للرباط علي اليوسفي علوي لواقع الديمقراطية؛ ويعود في هذا الجزء الثاني ليعرض لهسبريس كيف أدت “الوسيلة الديمقراطية” نفسها بالإسلاميين إلى سلطة تدبير الشأن العام في بلدان عدة في المنطقة، بما فيها المغرب عقب “20 فبراير” سنة 2011.

وأكد اليوسفي علوي في هذه التتمة من الحوار أن “هذا المشروع في المغرب عبّر بما يكفي عن محدوديته في السنوات التي تقلد فيها زمام الأمور، وقد كانت ولايتان من تحمل المسؤولية استغرقتا 10 سنوات كافيتين لكشف هذه المحدودية”، مستبعداً في السياق ذاته أن “يكون مشروع الإسلاميين انتهى بلا رجعة بعد إخفاقهم سياسيا، فهم الآن في مرحلة نقد ذاتي”.

وتفاعلاً مع الأسئلة المرتبطة بالعلمانية واللائكية، شدد ضيف هسبريس على أن “مفهوم اللائكية الفرنسية عرف تحلّلا، بحكم الركوب على هذا المفهوم لتصريف أفعال وأقوال عنصرية ومعادية للمهاجرين”، معتبراً أن قضية الحجاب في فرنسا تطرح مشكلاً حقيقيا في الفضاء العام، لأنه لا يوجد قانون يمنع الحجاب في الشوارع، ولكن في المدرسة، فإن اللائكية تتدخل حماية لأعمدتها الثلاثة التي يشرحها لنا اليوسفي.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} نص الحوار: ناقشنا في الجزء الأول الديمقراطية. وأنت تعرف أنه بفضل وسائلها، وصل الإسلاميون إلى حكومات بلدان عديدة في المنطقة عقب ما سمي “الربيع الديمقراطي” في تونس والمغرب ومصر. الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني كان قاسيا حين وصفهم بـ”سرّاق الثورة”. هو في النهاية “خيار شعبي وديمقراطي”، فلماذا كان الانخراط في المغرب حادّا في “إنهاك” تجربة الإسلاميين فكريّا وسياسيّا؟

أعتذر للأستاذ المسكيني لأن الإسلاميين، الذين أختلف معهم إيديولوجيا، لم يسرقوا الثورة. الحركات الإسلامية كان لها مشروع منذ بدايات حركة الإخوان المسلمين بعد انهيار الخلافة العثمانية على يد مصطفى أتاتورك سنة 1924. هذا المشروع قام على أسس فكرة إعادة الخلافة. ومنذ البدايات الجنينية لهذه الحركة مع حسن البنا وغيره وسيد قطب كان لديهم تصور واضح يتعلق بإعداد المواطنين. وقتها كان شقّ من هؤلاء يؤمن بالمواجهة المسلحة والعسكرية وإسقاط الأنظمة والانقلابات العسكرية. لكن، كان فريق آخر يؤمن بأنه يجب أن نُعِدّ هذه الثورة على نار هادئة. ومنذ ذلك الوقت والحركات الإسلامية في مختلف المجتمعات العربية تشتغل على هذه الفكرة: أسلمة المجتمعات وتكوينها في هذا الاتجاه. وقامت لأجل هذا الغرض بتأسيس جمعيات وتنظيم أنشطة وتهيئة نفسها، حتى آمنت بالبرلمان وبالآليات الديمقراطية.

وبالنسبة للمغرب، فحزب العدالة والتنمية حين وصل إلى البرلمان في التسعينات لم يسرق مقعد أحد. صوت له مغاربة حسب قناعاتهم، أو قل حسب معتقداتهم الإسلامية. وحتى نمر إلى “الربيع العربي”، فنحن قلنا إن الحزب السياسي التقليدي تلاشى منذ مدة طويلة، أي منذ نهاية الثمانينات. هذا التلاشي بتحالفه مع ضعف الأحزاب الوطنية وغيرها ترك هؤلاء الإسلاميين يشتغلون على المجتمع. وهنا يأتي دور التأطير الذي تكلمنا عنه (في الجزء الأول). أي إن الإسلاميين في تونس ومصر وليبيا والأردن والكويت والمغرب ظلوا باستمرار يؤطرون المواطنين، وحافظوا على مسافة قرب منهم، وتمسكوا بالتعامل معهم، سواء في مقر الحزب أو في المساجد أو في السوق أو في حفلات العقيقة والأعراس، إلخ.

لقد كانوا يستثمرون كل الفرص للحديث عن أنفسهم وعن مشاريعهم. ثم، علينا أن نثير مسألة مهمة، هي وسائل التلقي. يوجد الخطاب ولكن توجد أيضا وسائل تلقيه. المواطن المغربي، أو المواطن العربي بصفة عامة، غير المُكوّن إلاّ تكوينا تقليديا مجتمعيا، يصعب عليه أن يتلقى خطابات تنظيرية من قبيل “الاشتراكية” أو “الرأسمالية المتقدمة” إلى غير ذلك، ولكن يسهل عليه تلقي الخطابات العاطفية والخطابات العقدية. إذن، فعندما تتحدث مع مواطن بسيط وتحاول أن تنزل أي نظرية كيفما كانت سياسية أو غيرها إلى مستوى المواطن، لا تجد عنده وسائل تلقي. ليس لديه معجم مناسب ليستطيع استدماجها. لكن، عندما يتحدث معه الإسلامي، يقول له نحن إخوة ونؤمن بالله ونبتغي تخليق المجتمع ونشر الأخلاق، إلخ، فهنا يجد وسائل التلقي جاهزة ومشتغلة، على اعتبار أن هذه القاعدة هي المتوفرة عند المواطن العادي.

عندما بدأت ثورات ما سمي “الربيع العربي”، وجاء وقت الاستحقاقات الانتخابية، من كان حينها قد أهّل المجتمع للتصويت؟ الإجابة بسيطة: إنهم الإسلاميون. ولهذا، لا أرى أنهم سرقوا أية ثورة. لا في تونس ولا في غيرها. لقد هيّؤوا مجتمعاً واشتغلوا في الظل، وحين بدت المناسبة سانحة تقدموا وفق الآليات الديمقراطية كما تقدم هتلر في ألمانيا خلال ثلاثينات القرن الماضي بالآليات نفسها فوصل إلى السلطة. لا أقارن الإسلاميين بهتلر أبدا، لكني أريد أن أوضح بالملموس أن هناك تطرفا أفظع حدث في أوروبا الديمقراطية وأوصلها إلى السلطة بالطريقة نفسها، وهي الطريق التي مر منها الإسلاميون للوصول إلى سلطة التدبير.
لكن، أن نقوم لاحقاً بالانخراط في إنهاك هذا المشروع، إذ برعت أحزاب معينة وأكاديميون في الهجوم على الأحزاب الإسلامية، فيبدو لي أن النقد كان يتعين أن يوجّه للأحزاب التي لا تتبنى مرجعية إسلامية. ما الذي تفعله؟ كيف تؤطر المواطنين حتى تستعيد أنفاسها؟ لم يكن من الضروري أن يأتي المثقفون وتأتي النخب لإنقاذ الأحزاب التي غرقت.

كان يجب أن ننتقد هذه الأحزاب حتى تعيد الاشتغال على المواطن وتنبعث للقيام بمسؤولياتها. ولم يكن من المعقول أن الحل هو الهجوم على الأحزاب الإسلامية وكأنها سرقت كما يقال ثورة شخص ما. أنت تعرف أنني حين أقول هذا لا أدافع عن الأحزاب الإسلامية التي أختلف معها إيديولوجيا بالتمام، ولكن إذا كنا نؤمن بالديمقراطية فعلينا أن نحمل الإيمان نفسه تجاه الجميع. الديمقراطية ليست ملكا لي وفي المقابل شيئاً ممنوعاً على خصمي السياسي.

حزب العدالة والتنمية في المغرب، مثلا، وصل إلى السلطة. كان يجب أن يقدم ما يستطيع إنجازه وننتقد المنجزات وليس الأشخاص. هكذا، نظلّ كلنا في خدمة الوطن. وقد كان غريبا كيف أسقط حزب النهضة (ذو المرجعية الإسلامية) في تونس. كان يجب أن نبحث عن آليات ديمقراطية لتعويض ما جرى في استحقاقات مقبلة، فنزيل الاحتقان الاجتماعي ونسمح للوطن بالتقدم وبالتدرب والتمرّن على التجربة الديمقراطية. ويجب أن يؤمن المواطن العادي بأننا عندما نتحدث عن الديمقراطية فنحن نقصدها للجميع. فليس ممكنا، مثلا، أن أقوم بانقلاب حين أجد أن الوسائل الديمقراطية تصب في منحى خصمي السياسي كما حدث في مصر؛ هذا ليس حلا.

لكن، هل في تقديرك انتهى مشروع الإسلام السياسي باعتباره أخفق سياسيّا؟

أعتقد أن الأمر يتوقف على ما تقوم به الأحزاب الأخرى التي لا تتبنى مرجعيات إسلامية. الحزب الإسلامي كغيره من التنظيمات الحزبية في العالم يمكن أن يكون مثل طائر الفينيق؛ يحترق ولكنه ينهض من الرماد. ولكن، إذا كانت هناك سياسات بديلة، فالمشروع الإسلامي عبر بما يكفي عن محدوديته في السنوات التي تقلد فيها زمام الأمور في المغرب. وقد كانت ولايتان من تحمل المسؤولية استغرقتا 10 سنوات كافيتين لكشف هذه المحدودية؛ أثبتتا ما يمكن أن يقوم به.

بيد أن الإخفاق السياسي لا يعني أن هذه الإيديولوجيا انتهت. ولا يعني أيضا أن الأشخاص الذين كانوا مناضلين داخل حزب العدالة والتنمية نفضوا أيديهم من السياسة وقالوا: “انتهى الأمر، لقد قدنا الحكومة لـ10 سنوات”، لا بد أنهم يعيدون الاشتغال على آلياتهم وينتقدون أخطاءهم؛ لأن فيهم أيضا أناسا على مستوى من الذكاء وعلى مستوى من التفكير والتكوين. لا بد أنهم يشتغلون على تدارك الإخفاقات التي تعرضوا لها. وعموما، يبقى تراخي المشروع الإسلامي أو رجوعه إلى الخلف متوقفاً على ما الذي تقوم به الأحزاب التي تقدم نفسها بديلا؟ هل تقدم شيئاً جديداً؟ هل تُقدم ما يقنع المواطنين بأنها البديل؟

إذا ظللنا فقط في إطار الهجوم على الأحزاب الإسلامية والتصفيق أو الزغردة لأن الحزب الإسلامي سقط في الانتخابات الماضية (8 شتنبر)، يجب أن ننتظر مفاجآت من العيار الثقيل إما من هؤلاء أو من غيرهم، أي من هم أكثر إسلامية منهم. وأنت تعرف من أقصد.

اليوم، أن نقدّم بدائل حقيقيّة تقنع المواطنين، وتمنحهم أملاً بأن هناك تغييرا حقيقيا، هو ما سيغلق الباب أمام زحف الحركة الإسلامية أو غير الإسلامية سواء كانت معتدلة أو غير معتدلة. أما التصفيق والبهرجة والضحك والشعور بالفوز، لأن حزب العدالة والتنمية مني بهزيمة نكراء، مثلا، فأعتقد أن هذه مغامرة خطيرة تدخلنا في دوامة ضرب حزب بآخر. والقيام بهذه العملية كل خمس سنوات، هو ضرب لمصالح المواطنين. الرهينة في هذه العملية هو مصلحة المواطنين، وهو المدرسة والمستشفى والاستقرار والرخاء. وستزداد الهوة بين المواطن ومشاركته في الحركة السياسية والفعل السياسي. فكيف نشرك المواطن؟ وكيف نقنعه؟ كيف تقدم الحكومات إنجازات فعلية ملموسة؟ وهذا حتى نقول إن ما لم يحققه زيد حققه عمرو، إذن أنا سيكون ولائي لعمرو لأنه يحقق مصالحي وليس لزيد لأنه من معارفي أو من عائلتي.

نمرّ إلى أحد المفاهيم التي “يعاديها” الإسلام السياسي: العلمانية. وأنت تعرف أنها “سبّة” عندنا أن تقول لشخص ما إنك “علماني”. لماذا فشل المغرب في تأهيل حقيقي لمفهوم العلمانية داخل العقل الشعبي مع العلم أن العلمنة ترتبط أساساً بالمواطنة؟

هل قدمنا للناس العلمانية كمفهوم وكمصطلح بشكل دقيق حتى يستكنهوه ويستنبطوه أو يرفضوه أم قدمنا لهم هجوما على العلمانية؟ أنت قلت إنها “سبة” وهذا صحيح، لأن الإسلاميين، والمحافظين بصفة عامة، وظيفتهم، أو لنقل ما لجؤوا إليه، هو محاربة المختلف وتشويهه بالطرق التقليدية البشعة. السب والقذف والتشهير. وهذا يتسبب في خلط كبير. وهو خلط بين الشخص وبين المفهوم الذي يحمله وبين الأصول الفلسفية التي نجهلها عنه. فنتهم شخصا في الوقت نفسه بأنه “علماني” و”ملحد” وكأن هناك تساويا بين المفهومين، وكأن العلماني بالضرورة ملحد، فتصبح العلمانية مرادفاً لتمزيق العقيدة، ويصبح هذا الملحد كافرا والكفر ليس هو الإلحاد. يغدو حسب هذا التصور المدافع عن العلمنة “بيدقاً” لأجندات أجنبية، وأحيانا يُنعت بأنه “بيدق لفرنسا أو لإسرائيل”.

هناك نوع من الخلط الكبير. والمواطن المغربي البسيط الذي لديه غيرة على التقاليد وعلى دينه ووطنه، عندما نقول له إن فلانا ملحد أو كافر أو يخدم أجندة أجنبية، تلقائيا يحتاط. ويظن أن كل ما يقوله هذا الشخص مهددٌ لدينه وكيانه وثقافته وهويته. وأصل هذا المشكل أننا لا نتوفر على مؤسسة تربوية تكوّن الإنسان بشكل يضمن استقلاليته الفكرية.
لهذا، أعتبر أن كل الذين ينتقدون العلمانية لا يقومون بذلك تجاه المفهوم. هم ينتقدون وهما عن العلمانية. وينتقدون ما قُدم لهم كعلمانية. ولو عرف كثيرون مفهوم العلمانية أو مفهوم اللائكية لوجدوا أنهم

هم أنفسهم علمانيون، وأن هذه “السبّة” تلاحقهم هم أنفسهم لأنهم يعيشون العلمانية يوميا. أما اللائكية فهم أبعد منها ما يكون.

حين نتحدث عن العلمانية، يتبادر إلى ذهن كثيرين مفهوم “اللائكية” الفرنسية، التي لديك أبحاث فيها، هل ما اعتُبر “خريفاً” للقيم الأنوارية في فرنسا الحالية يجسّد “منزعاً انقلابيا” على التأصيل الحقيقي للائكية كما شرحتَه مراراً؟

صحيح أن هناك تحلّلا لمفهوم اللائكية في فرنسا. المخاض التاريخي للائكية بدأ منذ الحروب الدينية في نهاية القرن الـ16 سادس عشر وبداية القرن الـ17 ثم عصر الأنوار ومساهمة الفلاسفة الفرنسيين والإنجليز، إلخ، في تشكيل هذا المفهوم. وهذا بالتبعية تمخض عن قانون 1905 الذي يحدد أن فرنسا بلدا لائكيا ويحدد معالم اللائكية. فرنسا في إطار أزمتها مع عدم قدرتها على إدارة ملف المهاجرين والمغاربيين والمسلمين، ظهرت فيها تيارات تحاول أن تحمي هوية فرنسية مفترضة، ولكن حتى لا تبدو في لباس العنصري ولباس الرافض للآخر، أخذت تتمسّح بالعلمانية وتدعي أنها علمانية، وفي هذا تشويه كبير للعلمانية. لا يمكن لشخص مثل مارين لوبان وجوردان بارديلا وإريك زمور أن يتكلموا نهائيا باسم العلمانية أو اللائكية الفرنسية. الأخيرة أكبر منهم بكثير؛ لأنها تسمح للجميع بالتعايش بغض النظر عن اللون وعن الدين وغيره.

وإذا شئت، نحدد أولا مفهوم اللائكية. مفهوم اللائكية يأتي من الأصل اليوناني “لوس”، ولوس هو جماعة، يعني هو المجموعة البشرية التي لا نميز فيها بين شخص وآخر. مجموعة هلامية؛ الكل متشابه ومتداخل ولا فرق. وفي العصور الوسطى ظهر مفهوم “الليكوس”، وهو الفرد، الذي لا يميزه عن أي شخص آخر أي شيء؛ إنسان كالبقية، وكل إنسان يعتبر إنسانا.

ولكن المصطلح الفلسفي سيحدد اللائكية بأنها ثلاثة أعمدة أساسية: العمود الأول وهذا يجب أن نسطر عليه هو حرية المعتقد، إذن لا يمكن الحديث عن لائكية بدون حرية المعتقد. العمود الثاني هو المساواة في الحقوق بين جميع المواطنين بغض النظر عن معتقدهم. والركيزة الثالثة هي توجيه الناتج الوطني أو الخام الوطني إلى خدمة جميع المواطنين المتساوين في الحقوق. فما دام الناس أحرارا في المعتقد، فكل مواطن يمكن أن يكون كاثوليكيا أو بروتستانتيا أو ملحدا أو لاأدريا. ولكنهم في الأصل مواطنون ولا فرق بينيهم.

وما دمنا لسنا من ديانة واحدة، ويمكن أن تكون لنا اختيارات واحدة، فيتعين ألا تكون لنا قوانين نابعة من الدين الكاثوليكي أو الكوردستاني أو غيره. لماذا؟ لأن القانون يجب أن يسري على الجميع. وإذا اعتمدنا قوانين من البروتستانت ستكون ضد الكاثوليك وضد الملحدين. والعكس أيضا. ولهذا، يجب أن يكون القانون وضعيا؛ يضعه الإنسان بغض النظر عن الانتماءات الدينية، وهنا المساواة أمام القانون.

ثم، ما دمنا سنكون من ديانات أو معتقدات مختلفة وكلنا نؤدي الضرائب، يجب أن يكون عائد هذه الضرائب مفيدا لجميع المواطنين بغض النظر عن لونهم ودينهم وعن ميولهم الجنسية. إذن يجب أن تصرف هذه الأموال في البنى التحتية: المدرسة والمؤسسة العمومية والطرق، في ما يستعمله الجميع، ولا يجب أن توجه بالمرة إلى المؤسسات الدينية كيفما كانت. وهكذا، أقصينا المؤسسة الكنسية من وضع القوانين. وعلينا أن ندقق أنه لا يمكن للشخص أن يكون لائكيا. الدولة حصراً تكون لائكية أو غير ذلك. أنا قد أكون مسلما، قد أكون حنفيا، قد أكون أشعريا، قد أكون مالكيا، ولكن لست لائكيا؛ لأن الذي يحدده هو نظام الدولة.

يمكن أن أكون مساندا أو مدافعا عن اللائكية، ولكن أنا لست دولة حتى أكون لائكيا. إن اللائكية بهذا المعنى نظام مجتمعي. وأنت تلاحظ أن فرنسا هي الدولة الوحيدة في العالم التي يقرّ دستورها بكونها بلدا لائكياً.

هنا المشكل، أن لوبان أو بارديلا أو زمور أو غيرهم من اليمين المتطرف أو غيرهم من هذه “الطفيليات السياسية”، عندما يتحدثون عن اللائكية يجب أن نقول بأن اللائكية لا تميّز بين المسلم وبين غير المسلم. ولا تطرح الحجاب ولا اللباس للنقاش، لا تهتمّ بمن يذبح أضحية العيد. ما تناقشه هو أننا مواطنون سواء. إذن، من يحمل جنسية فرنسية أو مقيم بفرنسا هو معادل لجميع المواطنين. ويجب أن نترفع عن نعته بأنه مسلم أو عربي أو إفريقي أو أمازيغي؛ هو مواطن فرنسي وانتهت الحكاية. حينما يأتي بارديلا أو غيره ويقول لك إن المواطنين الذين يحملون الجنسية المزدوجة يجب أن يعاد فيها النظر، ما معنى هذا الكلام؟ أن هناك مواطنين من درجة مختلفة! ناهيك عن أننا إذا طبقنا هذا المبدأ يجب أن يعود بارديلا إلى أصله وغيره إلى أصلهم. ولكن بغض النظر عن هذا، فإن “البوليميك” هو أنهم يتكلمون باسم اللائكية، في وقت تتحدث فيه الأخيرة صراحة عن حرية المعتقد.

بخصوص الحجاب، كيف ترى منعه؟ هل هو تكريس للائكية بمعناها الحقيقي أم مجرد “تطرف علماني” مثلما يقرأ مراراً في المغرب كلما حدث نقاش من هذا القبيل فيعود القول إن “القيم الفرنسية تعترض مرة أخرى على حرية الضمير”؟

المشكل في الحجاب في فرنسا لا يكمن في الاعتراض على ارتداء المرأة له أو ولوجها المدرسة به. قلنا إن العمود الثالث في اللائكية هو أن توجه النفقات العمومية أو الممتلكات العمومية إلى خدمة جميع المواطنين، أي إن الدولة لا تمول ولا توظف متدينين ولا تمنح أجرة بناء عل خلفية عقدية. ليس هناك أجرة من المال العام لمن يعملون في الكنائس في فرنسا.

لكن، القانون الصادر سنة 2004، الذي بموجبه تم حظر الرموز الدينية في المدارس، نص على أن موظفي الدولة يجب أن يحجموا عن وضع هذه الرموز، حتى لا تكون هناك دعاية تلقائية لدين معين. حين نلج المؤسسة نشتغل كمواطنين فرنسيين ولا يجب أن يعرف أحد انتماءنا الديني حتى لا يحس الملحد أو الغنوصي أو الكاثوليكي بأن المرأة المحجبة تستغل إمكانيات الدولة لتمرير فكرة دينية. وطبعا، يجب أن ينطبق هذا على كل الرموز الدينية كيفما كان نوعها. والنص التشريعي وضّح أن كل رمز واضح يجب أن يزول.

هذا لا يعني أننا يجب أن نتعقب المواطنين الفرنسيين أو المقيمين بفرنسا في الشوارع والمحلات التجارية والمسابح والشواطئ ونقول لهم “أزيلوا الحجاب. نحن في دولة لائكية”. هذا عنصرية أكثر من أي شيء آخر، هذا تمييز على أساس الدين. ليس هناك قانون في فرنسا يمنع الحجاب. بيد أن الشرطة من حقها أن توقف أي امرأة ترتدي الحجاب وتفتش إن كانت تحمل سلاحا، لكن لا حق للشرطة أن تأمرها بنزع حجابها. ثم، إذا كنا سنزيل الحجاب في الشارع يجب أن نضع قانونا للباس العام في فرنسا يشمل جميع المواطنين ونقول إن حدود العراء تبدأ هنا وحدود الغطاء تنتهي هنا، ويكون فيه استفتاء شعبي يتفق عليه جميع المواطنين.

أتصور أن الموضوع ينطوي على انحرافات مقصودة؛ ففي هذه الشعبوية الفرنسية أو هذا المدّ الشعبوي المرتبط بالانتخابات، هناك استغلال لهذا النوع من خطابات رفض الآخر من طرف جهات معينة، وتحديداً اليمين المتطرف. وهو يعتبر أن كل مشاكل فرنسا تعود إلى المهاجرين والمغاربيين والمسلمين.

وعلى أية حال، لحسن الحظ أن الشعب الفرنسي عبر في الانتخابات الأخيرة عن موقفه، وأن الحجم الذي حصل عليه اليمين المتطرف من المقاعد يبين أن الداء ليس مستفحلاً. في فرنسا بنفسها كما عندنا هناك تهجم على اللائكية وهناك توظيف سيء لها من طرف بعض الجهات، كما عندنا هنا هجوم على هذه المفاهيم بدون معرفة كافية بها.

هل يمكنك أن تقدم لنا الفروق الكامنة بين العلمانية واللائكية حتى نوضح هذه النقطة؟

هناك كثيرون يخلطون بين العلماني واللائكي؛ العلمانية هي الارتباط بالعالم. وهناك ترجمة مغامرة جدا تقدّم بها بعض الكتاب العرب حين ترجموا كلمة اللائكية الفرنسية بالعلمانية. وفي مرحلة معينة كانت هناك اللادينية، أي إن العلماني هو اللاديني، بيد أن اللادينية هي لا دينية الدولة، وليست لا دينية المواطنين. العلماني هو ما يرتبط بالعالم، أي إن القوانين والإجراءات الإدارية ترتبط بالعالم وهي قوانين وضعية. ولكن كل بلدان العلمانية الأوروبية ليست لائكية، إنجلترا علمانية وألمانيا وإسبانيا. إيطاليا أصبحت لائكية في الدستور منذ 1998.

فرنسا هي البلد الوحيد الذي يفصل بهذا الشكل، ولذلك هناك أناس يشتغلون أو يتساءلون في العالم العربي والإسلامي لماذا المسلمون يعيشون في إنجلترا هكذا ولا يعيشون في فرنسا بالشكل نفسه؟ لأن إنجلترا علمانية وليست لائكية، أي لا تقوم على الثلاثي الذي سبق التفصيل فيه.

على سبيل الختم، وحتى أجمع ما ناقشناه في الحوار من بعد سياسي واجتماعي وثقافي، أريد أن أعرف رأيك بخصوص ما تدفع به بعض التحليلات بأن الوضع بالمغرب يحتاج إلى “تنفيس” على كافة الأصعدة للخروج مما شخّصه محللون بأنه حيرة كبرى”، إن صح التوصيف؟

لدينا طبعا كما تعرف معتقلون على مستوى أحداث الريف ومعتقلون في إطار العمل الصحافي. أتصور أن المغرب على هذا المستوى تنتظره رهانات كبرى، تحديدا انتظارات 2030 وبعدها. العالم يراقب المغرب ونحتاج اليوم إلى أن نقوم بنوع من “عفا الله عما سلف”.

لست أدري من هو مسؤول أو غير مسؤول عن أية تهمة. لا أريد أن أتدخل في القضاء، ولكن كيفما كانت المسؤوليات، أعتقد أن الأمر على هذا المستوى يحتاج إلى نوع من السماح، وإطلاق سراح المعتقلين حتى نحس بأننا نبدأ دفعة جديدة، خاصة ونحن مقبلون على الذكرى الـ25 لاعتلاء الملك محمد السادس العرش. وأنا أتمنى أن تكون هذه مناسبة لأن نمسح الطاولة ونبدأ انطلاقة جديدة تؤهلنا أو تساعدنا. على المستوى السياسي، لا أعتقد أن هناك “احتباسا”، غير أن النقاش العمومي يتطلب الانفتاح على الصحافة، وتحديداً المغربية، وليس الأجنبية.

نحتاج المزيد من الخروج للرأي العام لنشعر المواطنين بما أنجزناه وما الذي عجزنا عن إنجازه، وليس، مثلا، أن ننتظر نصف الولاية الحكومية أو ثلثيها ونقوم بخطاب معين بسرعة؛ يجب أن يكون هناك تواصل مع المواطن حتى يدرك ما الذي يجري. ولهذا، أعتقد أن الأمر يتطلب فسحة أخرى من الانفتاح على الشعب المغربي.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *