من الإنصاف والمصالحة إلى رئاسة « مجلس جنيف » .. الملك يكرس دولة الحق والقانون

Écrit par

dans


هسبريس – عبد العزيز أكرام

“عدالة انتقالية، عناية متواصلة بالأسرة والمرأة، إرساء لدعامات دولة الحق والقانون، دسترة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتألق حقوقي أمميا”… تبقى هذه من بين أبرز المحاور التي ميزت الـ25 سنة الأولى من حكم الملك محمد السادس للمغرب خلفا لوالده الراحل الملك الحسن الثاني، والتي تفرض نفسها على كل راغبٍ في استعراض العناية الملكية بحقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية كذلك خلال ربع قرن من الزمن.

الملك محمد السادس أكد، غير ما مرة في خطاباته، على حرص المملكة على إرساء ركائز “دولة الحق والقانون” وصونِ حقوق المغاربة بما يحفظ كرامتهم وما يمهد لإقلاعٍ مغربي تنموي؛ فقد اتضح فيما بعد أن البلاد قد خطت خطوات مهمة في هذا المجال، على أن يتم الحسم في نقاط أخرى تخص المنظومة الحقوقية، خصوصا فيما يتعلق بملاءمة التشريعات الوطنية مع المواثيق الدولية الحقوقية مع الأخذ بعين الاعتبار فعلا الخصوصية الدينية المغربية.

عدالة انتقالية

سعيا إلى إرساء معالمِ “دولة الحق والقانون” في إطار عهدٍ جديدٍ تميزت السنواتُ الأولى من حكم الملك محمد السادس للمغرب بفتح ملف ما سمي بـ”انتهاكات سنوات الجمر والرصاص” من أجل جبر ضرر عشرات الآلاف من المغاربة؛ الأمر الذي لم يكن ليتم دونَ إحداث “هيئة الإنصاف والمصالحة” تأكيدا لتوصيات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان مع مطلع سنة 2004.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

عن هذه التجربة، يقول مبارك بودرقة، حقوقي مغربي عضو المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وهيئة الإنصاف والمصالحة سابقا، إن هذه التجربة “تظل فريدة لكونها تبقى من بين أفضل 5 تجارب عالمية في مجال العدالة الانتقالية على اعتبار أنها هي الوحيدة التي لم تؤسس على أنقاض حكمٍ ديكتاتوري أو اقتتالٍ؛ بل أتت في ظروف سلمية وطبيعية وفترة بداية حكم ملك جديد. لقد أدرجْنا التدارسَ حولها في أوج مواجهة المغرب لأحداث 16 ماي الإرهابية على الرغم من مطالبة محمد بوزوبع، وزير العدل وقتها بإرجائها؛ وهو الأمر الذي لم يزكيه التحكيم الملكي الذي أكد ما ذهب في اتجاهه المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”.

ويضيف بودرقة لهسبريس بخصوص هذا الموضوع أن “الهيئة درست حوالي 20 ألف طلب، وأكدت أن التعويض المادي يبقى في نهاية المطاف رمزيا لا غير، حيث كان الأساس هو إخبار المتضررين بالحقيقة وإمدادهم بمقررٍ تحكيمي يعتبر الدولة المغربية مسؤولة عما لحقهم من أضرار، فضلا عن كون المبادرة مكنت من تعويض حتى بعض المناطق جماعيا سواء أكانت مراكز سرية أو كانت شاهدة على أحداث أليمة فيما سبق”، مشيرا إلى أن “تعليمات الملك كانت تؤكدُ أن تنفيذ مخرجات عمل الهيئة سيتكلف المجلس الاستشاري لحقوق الانسان بتنفيذها، وهو ما يقوم به إلى اليوم”.

ويؤكد المتحدث الملقب قديما بـ”عباس” أن “الإشراف الملكي على هذا الورش هو الذي ضمِن نجاحه، حيث جاءتنا فيما بعد طلبات من أجل التعاون الدولي من تونس وموريتانيا ودول أخرى، قمنا بتزويدهم بخُططنا وتجربتنا؛ لكن لم تنجح تحديدا بتونس مثلما كان الأمر بالمغرب بالنظر إلى عدم وجود إرادة وطنية قوية”، قبل أن يلفت إلى أن “توصيات الهيئة نجدها اليوم مُضمنة داخل فصول الدستور المغربي لسنة 2011”.

على النحو ذاته يسير تدخلُ آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان CNDH، التي ترى أن هيئة الإنصاف والمصالحة “تمثل نموذجا في العالمين العربي والإسلامي للعدالة الانتقالية بفضل اشتغالها على جبر الأضرار الجماعية واعتماد مقاربة النوع الاجتماعي وتقديمها لتعويضات فعلية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ فقد مثلت لبنة أساسية لمقاربة مغربيةٍ لحقوق الإنسان قائمة على التفاعل بين المجتمع المدني والدولة ومتميزة بعناصر التوافق بين أصحاب المصلحة وابتكار الاستجابات الأنسب للسياق الوطني وانخراط جميع الفاعلين ضمن مقاربة تشاركية تشمل الجهات الاثنتيْ عشرة للمملكة”.

نهوض بمركزية الأسرة

ونحن نستعرض ضمن هذا الملف تطورات المنظومة الحقوقية على مدار 25 سنة من حكم الملك محمد السادس للمغرب نثير بعضا من مظاهر الاهتمام الملكي بقضايا المرأة والأسرة والطفولة؛ أولها الانتقال من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة ابتداء من سنة 2004؛ فهذه المدونة عُدت “أكثر تقدمية” فيما يتعلق بتأهيل محورية العنصر النسوي داخل المؤسسة الأسرية، قبل أن يعود العاهل المغربي مجددا ليؤكد في شتنبر 2023 على ضرورة التوجه نحو مراجعة مدونة الأسرة من جديد والتي جرى الانتهاء إلى حدود اليوم من مختلف الترتيبات الأولية الخاصة بعملية مراجعتها قُبيْل إحالتها مع المؤسسة التشريعية للدراسة والمصادقة، وذلك بعد مشاورات وطنية شاركت فيها هيئات سياسية ومدنية وحقوقية..

نعود هنا لنستحضر رأي آمنة بوعياش التي تدفع بأن “إصلاح مدونة الأسرة لم يكن ممكنا دون الرؤية المتبصرة لجلالة الملك، الذي استطاع أن يجعل من ترددِ المجتمع، سنة 2000، بشأن قضية حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين نجاحا حاسما ونادرا في المنطقة”، لتستدرك وهي تتحدث عن حقوق النساء المكتسبة بأن “المغرب فتح المجال للنساء لولوج مهنة العدول بقرار ملكي، وهو ما شكل منعطفا تاريخيا وثورة حقيقية”.

في حديثها لهسبريس حول الموضوع لم تكن عائشة الدويهي، حقوقية رئيسة مرصد جنيف الدولي للسلم والديمقراطية وحقوق الإنسان، هي الأخرى لتفوّت مناسبة الاحتفاء المغربي بخمس وعشرين سنة من العهد الجديد في ارتباطه بالنهوض بمركزية الأسرة داخل المجتمع وحقوق النساء دون التأكيد على أن “الإشراف الملكي المباشر على هذا الورش ساهم في الدفع قدما صوب الانتصار لكل القضايا المهمة للأسرة، بمن فيها المرأة والطفل؛ فقد سجلنا انتصارا هنا فيما يتعلق بإقرار حق الجنسية بالنسبة لأبناء المغربيات، إلى جانب إنجازات أخرى مرتبطة بتوفير ضمانات أكبر لضمانات المرأة كالقوامة والوصاية وأمور تدبير شأن الأسرة خلال الزواج وبعده”.

دستور جديد يضمن الحقوق

مناسبة وطنية مهمة أخرى سيعيشها المغاربة في السنة الثانية عشرة من العهد الجديد، تلك التي تتعلق بالشروع في مراجعة الدستور سنة 2011 في سياق إقليمي مضطرب مسه ربيع عادة ما نُعت بـ”الديمقراطي” على الرغم من كونه هز أنظمة عديدة بالمنطقة، في وقت تفردت التجربة المغربية مجددا بعدما تلا احتجاجاتِ 20 فبراير التي رفعت شعارَ “حرية كرامة عدالة اجتماعية” خطاب ملكي بتاريخ التاسع من مارس من السنة ذاتها دعا من خلاله الجالسُ على العرش إلى مراجعة دستورية واقتراعٍ دستوري صوتَ خلاله المغاربة بـ”نعم” على دستور جديد انتقل تصديرُهُ من 8 إلى 45 سطرا.

الدستور الجديد جاء مغايرا لسابقِيهِ، فقد تضمن بابا خاصا بالحريات والحقوق الأساسية يؤكد على حرية المغاربة في الرأي والفكر والتعبير والمساواة بينهم واحترام قرينة براءتهم وحقهم في المعلومة وفي حرية الصحافة والاجتماع والإضراب وحتى التظاهر السلمي والعمل النقابي؛ فهو الدستور الذي حمل توصيفات وألقابا مختلفة نظير النصوص “التقدمية” التي عرفها؛ من بينها “دستور الحقوق والحريات” و”دستور الملكية الثانية”.

نستدعي مجددا هنا رأي عائشة الدويهي التي تؤكد أن “الدستور حقّقَ طفرة كبرى في إطار تعزيز مناخ الحقوق والحريات بالمغرب عبر عديد من البنود التي تتسم بروح حقوقية وتستحضر المعاهدات الدولية المصادق عليها والتزامات المملكة حتى الطوعية منها؛ فالمملكة المغربية أكدت أن لا رجعة في خيارها الديمقراطي، خصوصا مع دستورها الذي انتصر للمواثيق الدولية في مراعاة تامة لخصوصية المملكة المغربية المرتبطة بوجود إمارة المؤمنين”.

من جهته، يثمن مصطفى رحاب، الأكاديمي الليبي المهتم بالشؤون المغربية، بدوره التدبير المغربي لاحتجاجات 2021 بطريقة سلمية، حيث يقول بأن “الحوار الوطني كان وسيلة ناجحة للإقرار بالتعديل الدستوري الذي بدأ مع إرهاصات الربيع العربي، حيث تمكن المغاربة من تجنب ما حدث من كوارث بسبب ھذا الربيع”، مشيرا في نهاية المطاف إلى أن “التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية وضعت حدا لانتهاكات حقوق الانسان من خلال تجربة وطنية للمصالحة تبقى مهمة لكونها تجعل الكل يتجاوز تبعات الماضي وينخرط في العمل على مشاريع المستقبل”.

“ترسيخا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة” أكدت الوثيقة الدستورية المكونة من حوالي 180 فصلا على تركيبة جديدة للمؤسسات المغربية بالتنصيص على هيئات جديدة للحكامة تعمل كل حسب اختصاصها على إصدار تقارير دورية، خصوصا في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمغاربة، حيث نجد مجلسا وطنيا لحقوق الإنسان ومجلسا اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا وأربعة مجالس تتوزع على مجالات المنافسة ومغاربة الخارج والشباب والعمل الجمعوي والتربية والتكوين هي الأخرى، وهيئة للاتصال السمعي البصري وأخرى للوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلى جانب هيئة معنية بمحاربة أشكال التمييز ما تزال الحركة النسائية تنادي بإخراجها إلى العلن.

رئاسة “مجلس جنيف الأممي”

بعد سلسلة الإصلاحات التي قام بها المغرب خلال العقدين الأولين من حكم الملك محمد السادس وفيما يمكن اعتباره “تتويجا لكل هذه السنوات نظير التطورات التي عرفتها المنظومة الحقوقية بمختلف تفرعاتها بالمغرب”، تمكنت المملكة من الظفر بداية هذه السنة برئاسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ممثلة بعمر زنيبر ممثلها الدائم بجنيف، متفوقة بذلك على جنوب إفريقيا التي لم تحصد إلا على 17 صوتا مقابل 30 صوتا.

ويعتبر مجلس حقوق الإنسان أرفع هيئة بمنظمة الأمم المتحدة مهتمة بحماية حقوق الإنسان على المستوى الدولي ورصد التجاوزات، إذ يمتلك صلاحية مناقشة كل المواضيع المرتبطة بالحقوق التي تتطلب اهتمامه على مدار العام؛ فقد حاول المغرب، منذ تسلمه للرئاسة، فتح ورش إصلاح الهيئة الحقوقية ذاتها ووضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مع الموازنة بين الحقوق المدنية والسياسية على رأس أولويات رئاسته للمجلس.

تتحدث عائشة الدويهي، رئيسة مرصد جنيف الدولي للسلم والديمقراطية وحقوق الإنسان، لهسبريس هنا عن دلالات الظفر المغربي بالرئاسة، إذ تعتبرها “انتصارا حقيقيا كان متوقعا؛ بالنظر إلى التطور الذي حققه المغرب على مدى سنوات كان خلالها حاضرا دوما كعضو داخل الهيئة الأممية؛ فقد كان يشارك في تنفيذ مبادرات جماعية، وكان يقف وراء اقتراح أخرى”.

مُفصلة أكثر حول الموضوع تضيف الدويهي: “المغرب فاعل في مجال حقوق الانسان عالميا، ولا يعتمد فقط على استراتيجية رد الفعل؛ فقد أبان، خلال ترؤسه لهذه الدورة الجارية، عن تلك المكانة القيمة التي يشكلها عالميا، حيث قادَهَا بنجاحٍ سواء على المستوى التنظيمي أو فيما يتعلق بالتفاعل مع أصحاب المصلحة أو حتى على مستوى الممارسة”، موردة في الأخير بأن “المغرب وبقيادته لهذه الهيئة الأممية فإنه يؤكد التحول النوعي الذي عرفه مجال الحقوق بالمملكة خلال الـ25 سنة الماضية”.

نحو تعزيز المكتسبات

ظل موضوع حقوق الإنسان أحد أبرز العناصر الأساسية التي كان يدور حولها النقاش المغربي خلال الـ25 سنة الماضية؛ فما إن يظفر المغاربة بمكتسب حقوقي جديد إلا وكان الرهان أكبر بفتح أوراش أخرى والحسم معها سواء كان الأمر متعلقا بالحقوق الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو المدنية، خصوصا في ظل ما تشير إليه ديناميات حقوقية من بعض المحطات المهمة خلال المرحلة الماضية بما فيها حراك الريف والاحتجاجات ذات الصبغة الاجتماعية بعدد من المناطق، إذ تؤكد دائما “الحاجة إلى مزيد من الانفراج في هذه النقاط لترصيد المكتسبات السابقة وتدعيمها في إطار دولة الحقوق والقانون”.

الحركة النسائية بدورها وعلى الرغم من كونها تعتبر ما جرى تحقيقه في عهد الملك محمد السادس “غير مسبوق”، فإنها لا تزال ممنية النفس بمزيد من التحركات الوطنية من أجل الوصول إلى تنزيل سليم لمضامين الفصل التاسع عشر من دستور 2011 الذي ينص على تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، إذ تنتظر نصوصا أكثر إنصافا للمرأة في مدونة الأسرة وتنتظر إخراج الهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز إلى حيز الوجود بعد أزيد من 13 سنة على تنصيص الفصلين الدستورييْن 19 و164 عليها.

وبعدما رصدنا بعضا من أوجه التطورات في مجال الحقوق خلال الفترة الماضية نتساءل اليوم إلى جانب حقوقيين عن المطلوب الاشتغال عليه خلال المستقبل الحقوقي للمملكة، حيث يؤكد مبارك بودرقة مجددا أن “الانتهاكات الجماعية لم تعد موجودة بالمغرب؛ في حين أن الانتهاكات الفردية المرتبطة بحيازة السلطة ستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي موجودة حتى بالدول المعمرة ديمقراطيا اليوم”.

وفي ختام شهادته لهسبريس حول موضوع “حقوق الإنسان في عهد الملك محمد السادس”، لم يستبعد عضو المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا وهيئة الإنصاف والمصالحة كذلك الحاجة إلى “تجويد في المنظومة الحقوقية”، إذ يرى أن “مجال الحقوق الإنسانية دائما ما يحتاج إلى التطوير وتحقيق الانفراج وقتما اقتضى الأمر ذلك، عبر نهج الحوار والنأي عن العنف والعنف المضاد الذي لا يأتي إلا بالخراب”.

أما آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فتعتبر بأن “ترسيخ أسس دولة الحق والقانون مشروع مجتمعي يهم الدول على كل مستوياتها، ولا ينبغي اعتباره مآلا حتميا أو إكراها لا مناص منه، بل هو قرار طوعي وسيادي، يجمع بتوازن بين التقدم والمساواة والتنمية والديمقراطية. وهذا التوازن هو ما يسعى النهج المغربي في مجال حقوق الإنسان إلى صونه وتعزيزه”.

وتخلص بوعياش، في نهاية إفادتها، إلى أن “فعلية الحقوق القانونية المنصوص عليها في أكثر من ثلث المواد الـ 180 من دستور المملكة يتعين على المقاربة المغربية لحقوق الإنسان أن تبلور إجابات مناسبة تراعي خصوصية السياق ودينامياته، بما يضمن لجميع المواطنين التمتع الفعلي بحقوقهم الأساسية”.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *